في عام 1953، أنتجت هوليوود فيلمًا خياليًا بعنوان The Beast from 20,000 Fathoms صنعه فنان المؤثرات ورائد أسلوب التحريك بإيقاف الكادر راي هاري هاوزن (تعرف عليه من هنا). الفيلم حقق نجاحًا مذهلاً وقتها، وكان فاتحة لأفلام مسوخ الخمسينات. في نفس التوقيت تقريبًا كان هناك ستديو ياباني يدعى Toho يبحث عن فكرة جديدة، وكان أصحاب الاستديو من مهاوييس أفلام الوحوش العملاقة، لذا عندما شاهدوا فيلم هاوزن بدأوا على الفور في صناعة نستخهم الخاصة منه. ليظهر لنا ملك الوحوش لأول مرة عام 1954 في فيلم Gojira الشهير جدًا، والذي أسس ضربًا مستقلاً من الأفلام بعد ذلك يُطلق عليه Kaiju Movies. وقتها لم يكن لدى اليابانيون الوقت والمال الكافيين لينفذوا الخدع البصرية في فيلمهم بأسلوب التحريك بإيقاف الكادر المُكلف جدًا والمرهق للغاية، لذا استعاضوا عن ذلك باستخدام حيلة الرجل داخل البذلة، حيث يرتدي ممثل حُلة مطاطية تُمثل الوحش، ويؤدي دور جودزيلا مُدمرًا مباني مصغرة من الورق المقوى تم بنائها في الاستديو.
الفيلم رغم إنتاجه الضعيف ومؤثراته المتواضعة لمس شيء دفين في قلوب اليابانيين، وذكرهم بالمأساة الذرية التي تعرضوا لها إبّان الحرب العالمية الثانية. لذا أصبح جودزيلا أيقونتهم المفضلة وتحول إلى بطل شعبي. وعلى مدار خمسون عامًا توالت أجزاء جودزيلا واحدًا تلو الآخر دون توقف إلى أن وصل عددهم إلى 29 فيلم في عام 2004، عندها أعلن ستديو Toho التوقف عن إنتاج أفلام جودزيلا لعشر سنوات على الأقل.
قبلها بقليل في عام 1998، قدمت هوليوود لأول مرة نسختها الخاصة من جودزيلا في فيلم كرهه اليابانيين والأمريكيين والعالم كله. وفيه تحول جودزيلا من وحش أسطوري إلى مجرد إيجوانا عملاقة لا همّ لها سوى الطعام.. وتم تغيير تصميم الوحش بالكامل، وأيضًا زئيره الكلاسيكي المُميز (الأمر الذي لم يستسغه عشاق ملك الوحوش قط). باختصار أفسد المخرج رولاند إيمريش النسخة الأمريكية على الجميع.
لكن كل هذا كان على ميعاد للتصحيح في عام 2014، عندما أقنع الأمريكيون ستديو Toho أن يعطيهم حقوق استغلال جودزيلا مرة أخرى. ليتعاون الاستديو الياباني (بتدخل كامل هذه المرة) مع Legendary Pictures ليعيدوا إحياء جودزيلا من جديد، هذه المرة كما يستحق. الجميع تعلم الدرس من كارثة فيلم 98 وقاموا بدراسة شاملة ليفهموا من خلالها ذوق عشاق الوحش ويقدموا لهم ما يريدون رؤيته.. وكانت النتائج كالتالي: أولاً، يجب على جودزيلا أن يحمل ملامح الوحش الأصلي مهما بدا سخيفًا للبعض وإلا سيكون أي شيء آخر غير جودزيلا، لذا أصر توماس تال الرئيس التنفيذي لـ Legendary Pictures - وهو بالمناسبة من مهاوييس جودزيلا المخلصين - أن يقوم مصممو الوحش بابتكار تصميم يتوافق مع فكرة الرجل داخل البذلة، أن يتخيلوا أن هناك رجلاً سيقوم بدور الوحش كما حدث في الفيلم الأصلي، ويصنعوا له هيئة خارجية شبه بشرية تتناسب مع ذلك. ثانيًا، الزئير الكلاسيكي كان لابد أن يعود.. زئير جودزيلا هو أكثر مؤثر صوتي أيقوني في التاريخ، ربما بجانب زئير التي ركس من Jurassic Park وصيحة تشوباكا من Star Wars، لذا كان لابد من الرجوع إلى الصوت الأصلي طبعًا بعد تعزيزه وجعله أكثر عمقًا. ثالثًا، الزفير الذري.. جودزيلا لا يمكن أن يكون جودزيلا إذا لم يكن قادرًا على نفث نيران ذرية من فمه.. هذا أمر مفروغ منه وكلاسيكي للغاية ويجب أن يكون موجودًا.
الآن، وبعد اكتمال عناصر الوحش، جاءت مرحلة اختيار المخرج. جاريث إدواردز تم اختياره بعناية شديدة، الرجل لم يكن قد صنع إلا فيلمًا واحدًا من قبل هو Monsters، والذي كان يتضمن وحوشًا عملاقة بدوره. وهو الفيلم الذي تكلف إنتاجه 800 ألف دولار فقط، واستطاع بهم الرجل تقديم عمل بارع بكل المقاييس (إذا لم تكن قد شاهدته بعد فأنصحك أن تستقطع من وقتك ساعة ونصف لتفعل، وستعرف بعدها لماذا تم اختيار هذا الرجل تحديدًا ليعيد إحياء جودزيلا، وإعطائه 160 مليون دولار كاملة تحت تصرفه).
لم يعتمد جاريث على وحشه المحبوب فقط، لكنه أراد تقديم قصة تستحق أن تُحكى بالأساس، لذا عمل على تطوير سيناريو وضع فيه كل ما في جعبته من شغف، واستطاع الخروج بقصة مثيرة للغاية، تحمل الكثير من الصفات الوراثية للفيلم الأصلي، وفي نفس الوقت تقدم طفراتها الخاصة.
حسنًا، كيف خرج الفيلم في النهاية؟
اختصارًا الفيلم ممتاز ولن يخيب ظن أحد. القصة تنساب بسهولة ويسر دون أي تعقيد أو فجوات، وكل ما كنت ترغب في رؤيته ستراه بالفعل. لكن الفيلم ليس عظيمًا ولهذا أسبابه، وعلى الرغم من تماسكه الشديد فإنه يحمل بعض العيوب، لكنه رغم هذا لا يزال ممتازًا بل وكلاسيكيًا.. إذًا ما المشكلة؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب علينا أن نعرف حقيقة مهمة.. تقديم جودزيلا على الشاشة في عصرنا هذا أمر ليس بهذه السهولة.. إنها مهمة صعبة، بل فائقة الصعوبة.. أنا لا أتحدث هنا عن الصعوبات التقنية أو المؤثرات البصرية أو الإنتاج أو أو.. لا على الإطلاق.. بل عن طبيعة أفلام جودزيلا نفسها (مُتابعي هذه الأفلام سيفهمون جيدًا ما أرمي إليه). جودزيلا قُدم عشرات المرات من قبل.. بكل طريقة ممكنة.. طيبًا وشريرًا.. هزليًا وجدّيًا.. في بعض أفلامه كان يرقص ويقفز على ذيله بل ويتكلم. من الصعب بعد كل هذا أن تخرج بقصة جديدة رائدة، فعشاق الوحش سيكونون في انتظارك ليمزقونك إربًا إذا لم تُرضهم، وهم قادرون على إفساد الفيلم على الجميع. وإذا عملت على إرضائهم لن يتقبل الجمهور العادي هذا الهُراء، هؤلاء أيضًا قد يجعلون من فيلمك أضحوكة في صندوق الإيرادات إذا لم تضعهم في الحسبان. العملية شديدة التعقيد، وتقديم تناول جديد لجودزيلا يُرضي جميع الأطراف يتطلب حاوي وليس مخرجًا.. وما فعله جاريث في هذا الفيلم لا يُمكن مضاهاته أو المزايدة عليه بأي شكل.
استخدم الرجل أسلوب تعطيش المُشاهد لأقصى درجة بدم بارد وحرفية يحسد عليها نافس بها سبيلبرج ذاته صاحب هذه المدرسة العتيدة. لمدة ساعة كاملة تقريًبا لن تُشاهد جودزيلا، فقط لمحات خاطفة منه، ومن زوايا مستحيل أن تبرز لك هيئته العظيمة كاملة. أخذ الرجل يُقطر في عين المُشاهد - ببُخل شديد - ما يريد الأخير أن يلتهمه مرة واحدة، وهو ما جعل العمل ممتازًا بكل المقاييس. تبدأ معركة بين جودزيلا وأحد وحوش الفيلم الأخرين، وتبدأ أنت في تجهيز نفسك لالتهام الوليمة البصرية التي من أجلها دفعت ثمن التذكرة، فقط ليقطعها عليك جاريث بدمٍ بارد ويتركك تقضم أظافرك. تبدأ معركة أخرى فيتناولها الرجل بأغرب طريقة تصوير ممكنة كأن يعرضها عليك من خلال شاشة تلفاز دون صوت، أو من منظور البطلة التي تهرول لتستتر في مخبأ تحت الأرض وتغلق بابًا ورائها، فقط لترى أنت لمحة خاطفة قبل أن تنقطع المعركة من جديد. هذا ليس Pacific Rim حيث ترى المسوخ تتصارع بكامل هيئتها من أول ربع ساعة في الفيلم، وحين تصل لمنتصفه تكون قد زهدت كل شيء. هنا أنت تتوسل للرجل أن يريك شيئًا لكنه يأبى إلا أن يدعك تنتظر لبعض الوقت، ثم المزيد من الوقت، والكثير من الوقت الإضافي بعد ذلك.. وفي النهاية حين يعرض عليك ما في جعبته يكون قد هيئك بالكامل كي يفغّر فمك ويشعل عيناك ويبهرهما.
وماذا عن تصوير المعارك نفسها؟ مرة أخرى هذا ليس Pacific Rim، ليس "فيديو كليب" يستعرض لك المسوخ العملاقة وهي تتصارع بكامل هيئتها من كل زاوية مثيرة ممكنة وبكل خدعة تصوير متاحة.. لا استسهال هنا، بل يُصعّب الرجل الأمر على نفسه لأقصى درجة. معظم المعارك تشاهدها من وجهات نظر الآخرين، البطل وهو بين أقدام الوحش، مجموعة من السياح على الشاطيء، كتيبة جنود على إحدى البوارج الحربية، بشر مُحاصرين على جسر البوابة الذهبية المُعَلَّق.. الكاميرا لم تقفز بنفسها قط لتستعرض لك جودزيلا بكامل عنفوانه إلا في لقطة النهاية.. ولهذا يستحق الرجل أن تُرفع له القبعة.
أبرز عيب في الفيلم هو بطله الرئيسي أرون تايلور جونسون، البريطاني الذي أحببناه جميعًا في فيلم Kick Ass جاء هنا ليخيب الأمال حقًا، على الرغم من أنه كان محاطًا بطاقم داعم رهيب المستوى (بريان كرانستون، إليزابيث أولسون، كين واتانابي، وجوليت بينوش) وقدموا جميعًا أداءات استثنائية نادرًا ما نرها في أفلام الوحوش. اعتمد أرون على أسلوب التنميط والقولبة في تحضيره لشخصية فورد برودي خبير القنابل، واستدعى نمط الجندي الأمريكي شديد المراس من الأفلام، واستنسخ نفس الأداء ظنًا منه أن هذه أفضل طريقة لتقديم الدور، وهو ما لم يكن قرارًا صائبًا بكل تأكيد.. ولولا أن السيناريو كان ذكيًا للغاية ولم يسمح للشخصية أن تتحول إلى البطل الأمريكي مُنقذ البشرية، لكان الفيلم قد فسد بكل تأكيد.
لقد تم تقديم جودزيلا على مرحلتين في السينما اليابانية. بدأ الوحش كتجسيد للدمار النووي الذي عانت منه اليابان طويلاً بعد هيروشيما وناجازاكي، لذا كان شريرًا في الفيلم الأصلي. ثم مع توالي الأجزاء، بدأ جودزيلا يُظهر نوايا طيبة ويدافع عن اليابان ضد وحوش أخرى لها أصول مختلفة. لقد فكّر اليابانيون لماذا لا يكون وحشهم تجسيدًا للعملاق الياباني الخارج من جحيم الحرب النووية ليُظهر للعالم قوته ويصب سُخطه على الشر وليس عليهم. استطاع جاريث إدواردز اقتناص هذه الروح ببراعة وأعاد لملك الوحوش مكانته وهيبته من جديد، وحوَّله من إيجوانا عملاقة كريهة الرائحة نهمة للسمك في نسخة 1998، إلى إله قديم يعمل على استعادة توازن الطبيعة، من خلال لعبة فريسة ومفترس تُمَارَس بضراوة منذ عصور سحيقة دون أن ندري عنها شيئًا.. جودزيلا لن يتوقف أبدًا عن استعادة نظام الطبيعة، وبالتأكيد سيأتي علينا الدور يومًا حين يستشعر أننا أصبحنا نُشكل خطرًا حقيقيًا على هذا الكوكب، لكن ليس في هذا الجزء.. ربما في جزءٍ ثانٍ.. ربما.
حاولت قدر الإمكان ألا أحرق أي شيء على أي شخص، فإذا كنت قد أفسدت عليك شيئًا دون قصد فإليك اعتذاري، وأتمنى ألا تصب لعناتك وغضبك عليَّ.