فن تشكيلي

رشيد واجدو يتألق في ملتقى الوحدة الدولي للفنون التشكيلية بإبداع يحول الحجر إلى ذاكرة تنبض بالهوية والجمال

في فضاء احتفى بالجمال والإبداع والتبادل الثقافي الراقي، بصم الفنان التشكيلي والنحات المغربي رشيد واجدو على حضور متميز خلال فعاليات الدورة الأولى لملتقى الوحدة الدولي للفنون التشكيلية، المنظم تحت شعار: "الصحراء المغربية تراث وذاكرة للمستقبل"، وذلك خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 14 يونيو 2026 ببهو المعارض بمسجد الحسن الثاني بمدينة الدار البيضاء.
 

وقد شكَّل هذا الملتقى الفني محطة مهمة جمعت تجارب تشكيلية متنوعة، في أجواء طبعها الحوار الإبداعي والانفتاح على مختلف المدارس الفنية، حيث تحوَّل فضاء المعرض إلى ملتقى للأفكار والرؤى الجمالية، عكس المكانة التي أصبح يحتلها الفن التشكيلي المغربي كرافد أساسي من روافد الثقافة الوطنية.
 

وكان حضور الفنان رشيد واجدو لافتاً من خلال أعماله التي حملت بصمته الخاصة، إذ قدَّم تجربة تشكيلية مختلفة تقوم على البحث في العلاقة العميقة بين الإنسان والطبيعة، وبين المادة الخام والروح الإبداعية. فقد استطاع الفنان أن يجعل من الحجر الطبيعي لغة فنية قائمة بذاتها، يحاور من خلالها الذاكرة والهوية وقضايا الإنسان.

 


 

ينحدر الفنان رشيد واجدو من مدينة أكادير، ويعد من الفنانين التشكيليين والنحاتين المعاصرين الذين اختاروا مساراً فنياً متفرداً يقوم على ما يعرف بـ "التركيب النحتي الحجري التعبيري المعاصر" والفن البيئي (Eco-Art)، حيث يمنح للصخر الطبيعي حياة جديدة عبر أعمال تجمع بين النحت والتجميع والتعبير الرمزي.
منذ طفولته، رافقته موهبة الرسم والتشكيل، قبل أن تعرف هذه العلاقة تحولاً حقيقياً خلال مرحلة التعليم الإعدادي، حين برز تميُّزه اللافت في مادة التربية التشكيلية، وهو ما شكَّل نقطة انطلاق نحو تطوير أدواته الفنية والبحث عن أسلوب خاص يميزه داخل المشهد التشكيلي المغربي.
 

ما يميز تجربة الفنان رشيد واجدو هو اختياره للحجر الطبيعي كوسيط إبداعي رئيسي، حيث لا يتعامل معه باعتباره مجرد مادة جامدة، بل يراه حاملاً لذاكرة الأرض وتاريخها. فهو يخوض رحلات بحث في جبال الأطلس الصغير وضفاف الأودية بمنطقة سوس، لاكتشاف أحجار تحمل آثار الزمن والماء والطبيعة، قبل أن يحولها إلى أعمال فنية تنبض بالإحساس والمعنى.
يقول الفنان رشيد في رؤيته الفلسفية:
"الحجر ليس مادة صامتة أو جامدة، بل هو أرشيف الأرض وجغرافية الزمن الذي نعيش فيه. عندما أتخذ من الحجر الطبيعي وسيطاً لإبداعي التشكيلي والفني، فأنا لا أنحت شكلاً جديداً، بل أستمع أولاً لما يود الحجر قوله، ثم أحرر الروح الكامنة فيه."

 


 

وتتجلى خصوصية أعماله الفنية في اعتماده على تقنيات دقيقة في الحفر والنحت، باستعمال أدوات متخصصة تمنحه القدرة على إبراز تفاصيل الحجر وملامحه الطبيعية، مع الحفاظ على أصالة المادة الصخرية. كما يوظف في بعض أعماله مواد مختلفة كالخشب والمعادن والعناصر البيئية، ليخلق تركيباً فنياً يجمع بين صلابة الحجر ودفء المواد الأخرى، في انسجام بصري يحمل أبعاداً جمالية وفكرية.
ولا يقف إبداع الفنان رشيد واجدو عند حدود النحت الحجري فقط، بل يمتلك تجربة متنوعة تشمل الرسم التشكيلي، والفن الجداري، والكاريكاتير، والقصص المصورة، ما يعكس تعدد مواهبه وقدرته على التعبير عبر وسائط فنية مختلفة.

 

وقد حظيت مشاركته في ملتقى الوحدة الدولي للفنون التشكيلية باهتمام زوَّار المعرض والمتابعين، حيث أثارت أعماله التركيبية الحجرية فضول الجمهور لما تحمله من فرادة في الفكرة والتنفيذ، ولما تعكسه من ارتباط بالهوية المغربية وبجمال الطبيعة المحلية.
كما يواصل الفنان واجدو حالياً مسيرته الإبداعية من خلال مشاركته في مشروع "Mots pour Maux" بمدينة أكادير، حيث يشتغل داخل محترفات المركز الثقافي "نجوم سوس" (مؤسسة علي زاوا) على تطوير قصة مصورة تجمع بين قوة الرسم وعمق السرد الإنساني، استعداداً لمعرض جماعي مرتقب.
ويحمل رشيد واجدو في رصيده عدداً من الاعترافات، من بينها حصوله على الجائزة الأولى في مسابقة الكاريكاتير والفن التشكيلي في زمن الحجر الصحي المنظمة من طرف المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني بإنزكان أيت ملول، إضافة إلى استفادته من تكوين متخصص في الفنون التشكيلية بأكادير إداوتنان، نال خلاله تقييماً يعكس مستوى تحكمه العالي في المجال.
وإلى جانب عطائه الفني، يحمل الفنان رشيد حساً إنسانياً واجتماعياً واضحاً، من خلال تأطيره لورشات فنية وثقافية تطوعية لفائدة أطفال قرية سوس (SOS)، حيث ساهم في تعليم الرسم وتزيين الفضاءات وغرس قيم الجمال والإبداع لدى الناشئة.

 


 

إن تجربة الفنان رشيد واجدو تؤكد أن الفن ليس مجرَّد شكل بصري، بل هو رسالة وحوار بين الإنسان ومحيطه. فمن خلال الحجر، استطاع أن ينحت ذاكرة جديدة للأرض، وأن يحوِّل خامة طبيعية صامتة إلى أعمال تتحدَّث بلغة الجمال والهوية والإنسان.
وبهذا المسار المتفرد، يثبت الفنان رشيد واجدو أن الإبداع الحقيقي هو القدرة على اكتشاف الجمال الكامن في الأشياء البسيطة، وإعادة تقديمها بروح معاصرة تحمل عبق المكان ورؤية المستقبل.

 

المجلة غير مسؤولة عن الآراء و الاتجاهات الواردة في المقالات المنشورة

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا