الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

قوة المرأة المصرية المحجوبة «3-4»

  • 1/2
  • 2/2

هل تغليظ العقوبات على بعض أنماط السلوك الاجتماعى الجانح والخطر والمجرم يؤدى إلى تخفيض معدلات الجريمة؟ وإذا كانت الإجابة بـ«لا» أو «نعم»، فلماذا فى كلا الحالين؟ ولماذا أيضا لا تحقق الفتاوى المؤثمة للتحرش الجنسى والاغتصاب الأهداف الأخلاقية من ورائها؟
عديد من الأسئلة والإجابات النمطية الجوفاء، ولا يزال يطرح خطاب الدولة الرسمى الأخلاقى والسياسى النمطى حول بعض الظواهر الاجتماعية والإجرامية، فى عديد من العقود، ويعاد إنتاجه على نحو ما رأينا مؤخرا إزاء بعض واقعات التحرش وهتك العرض والاغتصاب. الجديد هذه المرة هو بروز ردود أفعال قوية من المرأة المصرية -على اختلاف انتماءاتها الاجتماعية- وذلك كنتاج لعديد من الاعتبارات، يأتى على رأسها ما يلى:
1- تنامى الوعى الاجتماعى لدى طلائع من الفتيات والشابات والنساء المصريات بأهمية معصومية وحرمة أجسادهن وكرامتهن من الانتهاك، وذلك لتزايد بعض المؤشرات على نمو فى ثقافة النوع الاجتماعى –الجندر- والتى تتأسس على مفهوم المساواة، وعدم التمييز ضد المرأة كمواطنة كاملة الحقوق، وعليها ذات الواجبات كما الرجل، بالإضافة إلى تشكل طلب اجتماعى– نوعى، على أهمية التكامل الجسدى والمعنوى للمرأة إزاء ثقافة ذكورية تمييزية- دينية واجتماعية، لا تأبه كثيرا بحقوق المرأة عموما، ولا بأهمية وضرورة حضورها فى المجال العام، بل والسعى ما أمكن لحصرها فى نطاق دورها الوظيفى فى نظام الأسرة، والإدراك الذكورى الشائع على أنها مادة للمتعة الجسدية، والإنجاب.
2- ارتفاع مستويات تعليم المرأة، ودورها فى سوق العمل، بالإضافة إلى بروز وتنامى ظاهرة ودور المرأة المعيلة فى الفئات الاجتماعية الوسطى- الوسطى، والوسطى الصغيرة، بل فى الفئات الأكثر فقرا فى الريف والحضر، وفى نطاق علاقات العمل التابع، وغير التابع التى لا تخضع إلى عقد العمل الفردى، وتدخل فى نطاق سوق العمل والاقتصاد غير الرسمى. فى هذا الإطار يكون الرجل رهين البطالة، بل وبعضهم من مدمنى المواد المخدرة فى بعض هذه الأوساط الاجتماعية، وتتكفل الزوجة، أو الأخت بالإنفاق على الأسرة. من هنا تولد شعور شبه «فردى» وجماعى بالإحساس بالظلم الذكورى، وعدم الاعتراف بهذا الدور الذى تنهض به الفتيات أو النساء فى النهوض بأعباء أسرهن.
3- ظهور المرأة كطرف فاعل فى بعض أشكال الاحتجاج الاجتماعى والعمالى سعيا وراء تحسين شروط العمل، وحقوقهن فى المجال العام، وضرورة حمايتهن من الدولة ضد أشكال العنف الأسرى، وداخل الوظيفة العامة، والعمل، وفى الطرق.. إلخ.
4- المشاركة المؤثرة للمرأة المصرية فى الحراك السياسى الثورى- المعاق، منذ 25 يناير 2011 وما بعدها، لا سيما فى ظل تزايد المؤشرات على القيود التى حاول التيار الإسلامى السياسى فرضها على المرأة، سواء على مستوى الخطاب الإسلامى الذكورى المتزمت ومحمولاته وخلفياته حول المرأة كجسد ولذائذ وأداة للإنجاب، وفرض نظام الزى، لا سيما النقاب لحجب الحضور الإنسانى الفاعل فى الحياة العامة.. من هنا كانت مشاركة المرأة فى الاحتجاجات السياسية والعمالية، ثم فاعلية وكثافة حضورها فى أحداث 30 يونيو 2013 وما بعدها، وككتلة تصويتية داعمة لخارطة طريق المرحلة الثالثة -الاستفتاء على الدستور، ثم انتخاب رئيس جديد للجمهورية- وذلك كنتاج لإحساس عميق بالخطر من عدم الاستقرار السياسى والأمنى وانعكاس ذلك عليهن، وعلى أسرهن، وعلى الدولة والوطن. من هنا نستطيع القول بأن وعى المرأة الاجتماعى -عموما- بأهمية حضور الدولة وسلطاتها وأجهزتها، والاستقرار الأمنى والسياسى، تزايد على نحو ملحوظ خلال المرحلة الماضية، ومن ثمَّ بدى حسهن شبه الجمعى العملى واضحا وفى تنامٍ، وأن عودة أدوار الدولة والأمن هو داعم لحقوقهن.
5- تزايد الضغوط الدولية من المنظمات العالمية والإقليمية -الرسمية والطوعية– حول ضرورة بناء استراتيجيات لحماية المرأة من أشكال التحرش الجنسى والاغتصاب وهتك العرض، والإيذاء الجسدى، والعنف الأسرى، وغيره من أشكال العنف ضد المرأة والأطفال. لا شك أن ارتفاع مؤشرات انتهاك حقوق المرأة المصرية والمس بكرامتها وتكاملها الجسدى، قبل وبعد 25 يناير 2011 كان موضوعا للرصد والتنديد الدولى، لا سيما من المنظمات الطوعية فى إطار المجتمع المدنى الكونى.
6- من الشيق ملاحظة أن الحضور السياسى للنساء ككتلة تصويتية تبدو تشكلاته فى الوعى والسلوك أقرب إلى دعم الدولة وعودتها، ومن ثمّ يبدو بعيدا نسبيا عن المنظمات الأهلية المعنية بحقوق المرأة ذات الطبيعة النخبوية، والتى لا يعرف عن أنشطتها الكثير من قبل عموم السيدات والفتيات المصريات.
7- شكلت ظاهرة التحرش والاعتداءات الجسدية كتحدٍّ يواجه السلطة المصرية خلال المرحلة الانتقالية الثالثة، وفى إطار بعض التجمعات الاستعراضية المؤيدة لرئيس الجمهورية الجديد، فى نطاق الطقوس الاحتفالية بتنصيبه.
من ثمَّ بدت وقائع الانتهاكات كجروح دامية لعملية الانتقال السياسى فى مرحلتها الثالثة، من هنا برز اهتمام رئيس الجمهورية، والحكومة بالتحرك السريع إزاء الواقعة الدامية فى ميدان التحرير، وغيرها من الواقعات وسرعة ضبط من قاموا بها، والتحقيق معهم، وسرعة تقديمهم إلى القضاء.
نظرا لغالب ما سبق من عوامل وأسباب عادت مسألة حقوق المرأة عموما، والدفاع عنها إزاء أشكال العنف الجسدى والمس بكرامتها فى مقدمة المشهد السياسى والسلطوى مجددا، لكن تبقى الأسئلة السابقة قائمة، ومن ثمَّ الحاجة إلى إجابات عنها، وهو ما سنحاوله فى المقال القادم.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى