ضمن البرامج الثقافية للملتقى العربي – الالماني في برلين في خمسينيات القرن الماضي، دُعيت الى احدى فعالياتها، كان الموضوع محاضرة للمستشرق الالماني المعروفSchetbat حول جولته الاستطلاعية لعدد من العواصم العربية، والتي تضمنت انطباعاته الشخصية، شملت السلبية والايجابية، اكتسبها خلال طوافه هذا، وبينما كنت ادون ملاحظاتي حولها، تفاجأت بدخول فتاة شقراء رشيقة القد مشرقة المحيا - - وعندما رفعت راسي وابصرتها، تراءت لي وكأنها (فاتنة الدنيا وحسناء الزمان ! ) . نظرت حولها في عجالة، ثم اتجهت نحوي وقعدت بجانبي.
وبعد ان رتبت الطارئة شعرها النافر، وتاكدت من حسن صورتها وحمرة شفاها في مرآتها الصغيرة، بحلقت نظرها في دفتر ملاحظاتي، وتمعنت النظر الى الكلمات العربية التي دونتها، باستحياء، وقالت لي : يروق لي نسق السطور، وجمال زخرفها، وانت تخطها من اليمين الى اليسار، ان اشكالها لتسحرني، مثلما تدهشني كيفية نقشها، ثم هدأت برهة واردفت قائلة: يفتنني فن استدارة حروفها. واستمرت محدقة فيها بعينين صريحتين.
وهنا اعترف اني أسأت الظن بالفتاة، وخلت ان ما قالته من عبارات الثناء والاعجاب ما هي الا (حرشة)، خاصة بعد ما لمست منها دفئ التودد وفيض المجاملة، وظننت انها جادة في مسعاها في فتح باب التعارف معي. اي انها (ناوية عليها) لكن سرعان ما بدا لي اني كنت (رايح زايد)، فبعد ان نظرت الفتاة في وجهي بمسحة من الجد، قالت :
اني لم اتجه لدراسة الادب الالماني كما يفعل الاخرون من زملائي، فانا لا احب ان اكون مدرسة - - ثم تطلعت اليّ متسائلة وانتظرت كي تستأنف سرد خواطرها واضافت :
زملائي الذين لا يدرسون الادب الالماني يتجهون عادة لدراسة الاداب الاوربية كالانكليزية والفرنسية والايطالية والروسية. في الوقت الذي تكون العربية اقرب الاداب الشرقية الى الذوق الالماني، فلو كنت لا تصدقني ! ارجو ان تقرأ ما كتبه اديبنا الكبير
( غوتة ) بهذا الخصوص - - سكتت لحظة ثم ابتسمت وقالت : اعترف لك اني قرأت رواية الف ليلة وليلة بالالمانية بشوق ولهفة، فأعجبت بها كثيرا ولا تزال هي ادبي المفضل – لكنني الان متجهة الى التخصص في ادب الجاحظ، وزادت : قضيت في بغداد ثلاثة شهور، احببتها جدا، زرت خلالها المتحف العراقي الشهير وتكلمت مع الناس واعجبني حسن ضيافتهم، طرقت في الزحام اللامعقول وفي الضجيج المدوي حتى نسيت الوحدة والسكون – زرت آثار بابل والاخيضر والمدائن وصروح الحضارة القديمة التاريخية في محافظة نينوى وركبت في زورق وتمتعت بسحر دجلة وروعة مناظر النخيل على ضفتي النهر.
هل تسمحين ان اسألكِ لماذا تتعلمين العربية، وما هو سر انجذابك لأدابها يا انسة ؟ - أجابت :
انني احببت اللغة بعد دراستي الاولية لها، انها كالحب الذي ينساب الى القلب بتوافق الظروف المتاحة - - لم احس في الوهلة الاولى لقرائتي ما كنت اتوقعه، لكن بعد التكرار، شعرت وكأنها تركت في نفسي اثرا عميقا ادركته بعد حين - قلت لها اذن لماذا تشكين هواك ؟ - - ضحكت وقالت : اشكو صعوبة النطق وصعوبة الحصول على المراجع وندرة فرص السفر الى البلاد العربية لاستكمال الجوانب المتطلبة لدراستي.
قلت لها : اني التقيت بطلبة الدراسات العربية في جامعة برلين. وهم يدرسون ادابنا وتاريخنا وكلهم في موج الشباب وقد تزوجوا اللغة العربية زواجا كاثوليكيا، فاصبحت لغتهم الجديدة مهنتهم وميدان سباقهم ومستقبلهم المهني. انني اشعر تجاههم، شعور الانسان المغتبط. فهم عندي افضل رصيد في بلدان الغرب لدعم حضورنا العربي في العالم. ولا اقصد مجرد الدعاية. انما اقصد ما هو ابعد من ذلك، انهم يقدمون ادابنا القديمة والحديثة للقارئيبن، ومنهم من يدرس اقتصادنا والبناء الاجتماعي في بلادنا ومنهم من يعرض مشاكلنا وتطلعاتنا على العالم الخارجي - - انهم الفئة القادرة على رتق الفتق بين الوطن العربي والعالم الغربي، ذلك الفتق الذي وضعه ووسعه في الماضي الحملات الصليبية ابان عصور الاستعمار والذي ادى الى قطيعة مع الشاطئ المقابل لنا للبحر الابيض المتوسط، نفسيا وروحيا وثقافيا مما ادى الى انسداد الطرق الطبيعية بسوء الفهم وسوء التقديرعند المواطن العادي عندهم وعندنا. – وكان له الاثر السيء على القراءات والتوجهات من الطرفين مما نعاني منه الى هذا اليوم.
اقول ، وهذا رأي، ان استضافة عدد من الطلبة الاجانب في دورات منتظمة من قبل بعض الانظمة العربية لفترات قصيرة، سوف يسهل عليهم فهم مجريات الامور في وطننا عبر اختلاطهم بمواطنيها والتعرف على طبيعتهم عن قرب، علما ان العالم العربي يضم عشرات الجامعات المرموقة – ولو نهضت كل جامعة بعبء متواضع من هذه المهمة الثقافية الجليلة لوفرت لكثيرين من الطلبة والاساتذة بعض ما يلاقونه من عناء، وسيكون له الاثر الكبير على تشجيع الدراسات العربية في الجامعات الاوربية، كما تمنيت لو كانت في بلادنا هيئة تهتم بتزويد المكتبات الغربية بالكتب واشرطة الفيديو كي تعكس ادابنا وفنوننا الجميلة، قديمها وحديثها.