شعرت سميحة بالخوف والهلع فجأة،حين أشتد الحصار عليها وأطفالها الذين خبأتهم بحضنها في زاوية تظنها آمنة في منزلهم المتواضع ،وزاد خوفها حين سمعت صوت صفارة الإنذار كي تنذرهم ليخرجوا من بيتهم الذي سيتهاوى مع الإنفجار القادم إليهم جراء القصف المتواصل للمدينة ، وبدأت المدافع تدك بقوة ،و تصوب نيرانها نحو المنازل معلنة بدء الحرب الثانية على أهل المدينة المحاصرة ،صرخت مرة ومرة بأعلى صوتها تتوسل وتصلي وتقول يا الله أنقذنا ونادت ثالثة بأعلى صوتها على زوجها تنادي محمد يا محمد تعال هنا لا تبتعد عنا وتوسلت إليه أن ينقذهم من الدمار الذي سيلحق بهم لا محالة إذا بقوا في المنزل ،وطلبت منه أن يحملها وأولادها خارج المدينة كي ينجون بأنفسهم من آثار الحرب والدمار الذي لا يرحم ،لكنه رد عليها بحدة مستحيل الرحيل يعني الهزيمة والإستسلام وأنا لن نستسلم ولن نترك بيوتنا وأموالنا وارضنا مثل ايام زمان هي من حقنا ،آلا يكفي هروبنا الأول وإستيلاءهم على أرضنا ،الحت عليه وبكيت قالت طفلنا علي مات وسقط مني من شدة الخوف واخاف على أطفالي ،أرجوك يا محمد خذنا إلى حيث يسكن أهلي في الضفة الشرقية من النهر،مع إلحاحها وبكاءها أشفق الزوج عليها وطلب منها حمل ما خف حمله وما ثقل وزنه فأخذت الذهب الذي أدخرته منذ زواجها وبعض فتات خبز وحبات سلفان وشوكلاته أفرغتها من العلب التي أهديت لها بعد نجاتها من عملية جراحية ونزيف أصابها عند نزول طفلها الذي كانت ستسميه علي تكملة لحلمها بأن تطلق أسماء الخلفاء الراشدين على أولادها بكر وعمر وعثمان وعلي لكن الأقدار شاءت أن تفقد هذا الطفل ،وتنفرد بما بقي لها من الأطفال ،حملت المتاع وحملت كبار أولادها مروان وبدور بقايا الشوكولا والخبز الذي خبزته تحسبا لطول الحرب وبعض ملابس ،وهرعوا خارج المنزل بعد أن سمعت جلبة العدو تقترب من منزلهما في جيل الثوري بالقدس ،نزلوا إلى قرية بيسان مشيا على الأقدام وكان أمامهم ثلة من الجيران ،جميعهم هربوا مثلهم خشية أن تسفك دماءهم ،اسرعوا الخطى وصل العدسية بالأغوار وقبلها أريحا التي تفيأوا ظلالها وتناولوا بعض الخبز والسلفان والبطيخ غي الناضج من المزارع المجاورة ،بقيت حبات الشوكولا ورغيف الخبز قوتهم طيلة الرحلة التي أمتدت ثلاثة أيام هروبا من قنابل العدو الجائرين عليهم ،إلا أن وصلت رحالهم عمان على ظهر ناقلة جنود أشفقت عليهم ،لكنهم فوجئوا أن الشوكولا التي معهم نفذت وأن الخبز أصبح قاسيا ويحتاجون لمزيد من الطعام ،فقالت سميحة يا زوجي محمد أسألهم إذا كان لديهم المزيد من الخبز ،نظر إليها نظرة غريبة وقال آلا يكفيكم الشوكولا إن هؤلاء جميعا لم يروها منذ أشهر وأنتم أمضيتم الطريق تتسلون بها واضاف شر البلية ما يضحك وخبز وشوكولا وفي رحلة هروب بحثا عن الأمان والإستقرار والله أنه بطر وكفر أحمدوا الله ،صمتت سميحة وووصلت الجسر الذي يصل الضفتين ببعضهم وقالت أكاد أموت لا أستطيع المشي والأطفال تورمت أرجلهم وهم حفاة قال محمد يا زوجتي الحبيبة إصبري هي بضعة كيلو مترات ونصل بيت أهلي ونرتاح ،قالت دع أحدا يقلنا ،قال كيف أنظري المئات يمشون على الأقدام ،هيا أسرعي الخطى تلك سيارة جنود سنطلب أن تقلنا هيا ساعديني كي أحمل الأطفال إليها ،فقالت ما شاء الله بحمد الله ما زلت بكامل قوتك تراك تناولت أنت الشوكولا جميعها وحرمتنا منها ،كما ترى أطفالي جياع و بالكاد يستطيعون المشي ،وبرحمة من الله تمكنوا من الوصول للناقلة ،صمت محمد وهز رأسه دون أن يرد عليها ،ما كان يفكر به هو فقط إنقاذ أبنائه ،فقذهم في الناقلة كأنهم أكوام حجارة أو قمامة تقذف اجسادهم فيها ، كي تلقى مصيرها المجهول مع جمع كبير من الهاربين مثلهم فالجميع يريد النجاة ،لكن طائرات العدو بالمرصاد تقذف القنابل فوقهم من طائرة حربية فجرت الشاحنة وتناثرت الأجساد التي فيها لتحولها إلى أشلاء مترامية على جنبات الطريق فأحترق بعضها إلا من سميحة وزوجها محمد وأطفالهما اللذين لم يكتب لهم الموت ذلك اليوم ،وكانوا في المقدمة مع السائق وأنقذهم الله فأكملوا المسير من سيارة إلى ناقلة فاحافلة حتى عادوا سالمين إلى ديار أخرى يسكنها والد زوجها محمد ونجت بقدرة آلهية ورحمة من الله كي تروي حكاية شعب برمته عاش على فتات وغمس الخبز بالشوكلاته كي يعيش بكرامة وحرية .