سحرت نجاة بلقاسم الألباب من خلال صورة فوتوغرافية لها انتشرت في معظم صحف العالم فور الإعلان عن تشكيل الحكومة الفرنسية الجديدة. في تلك الصورة تبدو بلقاسم واثقة الخطوة تمشي ملكة بنصف ابتسامة جميلة وتنورة قصيرة وتسريحة شعر شبابية.
أضفت تلك الاطلالة على وزيرة التربية الفرنسية الجديدة مظهرا عصريا جذابا لكنه يوحي بالجدية والعملية. ومن الواضح جدا أن تلك الإطلالة التي بدت لنا عفوية ليست كذلك، بل كانت مدروسة بشكل جعل من تلك الوزيرة الشابة أيقونة، رغم أن العالم يومها لم يكن يعرف عنها سوى اسمها وصورتها ومنصبها الجديد.
لكن الاشادات والاعجابات التي انهالت عليها وعلى هولاند رئيس الوزراء الفرنسي الذي اختارها لهذا المنصب، توضح لنا دور الصورة الاعلامية الخطير في ترسيخ الفكرة المطلوبة.
لكن رغم إعجاب الجميع بالصورة للوهلة الأولى فان ارتباكا بين كثيرين ساد فيما بعد تجاهها، وساهم في تشظية صورتها شرقا وغربا في الوقت نفسه.
فلم يكن المتابعون العرب والمسملون فقط من تعاملوا بارتباك مع خبر تعيين نجاة بلقاسم، الفرنسية ذات الأصول المغربية، في منصب وزيرة التربية في الحكومة الفرنسية الأخيرة، بل كثير من المتابعين الفرنسين أيضا تعاملوا مع الخبر بالارتباك نفسه.
نكوص داعشي
نجاة بلقاسم ليست المرأة العربية المسلمة الأولى التي تعين في منصب فرنسي رفيع، بل انها ليست المرة الأولى التي تعين فيها بلقاسم نفسها بمنصب وزاري، ولكن من الواضح أن تعيينها هذه المرة يجيء وسط فضاء إعلامي مشحون ما بين العرب والغرب، وقد تغذى هذا الوسط بأخبار كثيرة محورها الإساءة للمرأة هنا وهناك، وبصورة ارتجاعية تنكص بنا الى قرون مضت، أبرزها على سبيل المثال تصرفات تنظيم ما يسمى بالدولة الاسلامية في العراق والشام، التي عرفت باسم «داعش»، هنا وهناك تجاه المرأة.
ففي الوقت الذي تقدم فيه فرنسا للعالم صورة شابة عربية أنيقة وجميلة باعتبارها وزيرة للتربية في فرنسا، تتسابق وكالات الأنباء العالمية في ترويج أخبار وصور صحيحة ومزيفة أيضا عن إقامة سوق لبيع النساء كجوارٍ في شمال العراق على يد «داعش»، وصورة أخرى لرجم امرأة لم توضح تهمتها تماما، وصور كثيرة عن عقوبات لنساء لم يلتزمن بالحجاب الإسلامي و.. و.. الخ.
وإذا كان أغلبية العرب والمسلمين يرفضون «داعش» ومعظم ما يأتي منه من سلوكيات وتصرفات وقرارات تتعلق بشؤون الحياة، وخصوصا تجاه المرأة، الا أن الكثيرين منهم لا يستطيعون إنكار أن مثل هذه التصرفات تمارس فعلا ضد المرأة في بعض البلدان الاسلامية قبل ظهور «داعش»، وما زالت مستمرة.
نجاة آية الله!
الغريب أن العرب والمسلمين الذين شعروا بالحسرة وهم يتابعون أخبار نجاة بلقاسم، ويشيدون بحكومة فرنسا التي لم تحفل بأصل تلك المرأة ولا خلفيتها العرقية أو الدينية وهي تسلمها أحد أخطر ملفات الدولة الحديثة وهو ملف التربية، تابعوا لاحقا وباستغراب الموجة العنصرية التي اندلعت ضدها من قبل بعض التيارات السياسية في فرنسا نفسها!
وكانت تلك الموجة العنصرية قد عبرت عن نفسها بعناوين ومقالات وصور غريبة على أجواء الصحافة الفرنسية عموما، منها مثلا مجلة «فالور أكتويل» Valeurs Actuelles، التي نشرت على غلاف عددها التالي لخبر تشكيل الحكومة صورة مقربة لنجاة بلقاسم بعينين متحديتين كتبت فوقها عبارة «اية الله»، وفي الداخل وصفت المجلة الوزيرة الشابة بأنها تهدف إلى «إعادة تربية الشعب وقف منظورها الإسلامي»!
أما مجلة مينوت Minut، فوصفت اختيار «المغربية المسلمة» كما أسمتها، متجاوزة مواطنتها الفرنسية، لمنصب وزيرة التربية بأنه اختيار استفزازي.
ورغم أن الفرنسيين من أصول غير فرنسية أو اوروبية، خصوصا من العرب، كانوا قد اعتادوا على مثل هذه الاصوات العنصرية التي تظهر بين فترة وأخرى، الا أن هذه المرة اختلف الوضع بوجود نشاط متقد لشبكات التواصل.
وبحسب فرانس 24، ولدت نجاة فالو بلقاسم عام 1977 ببلدة بني شيكر بإقليم الناظور، وهي منطقة أمازيغية تقع شمال المغرب، من أب مغربي وأم جزائرية، وترعرعت في كنف عائلة كثيرة العدد. وهاجرت إلى فرنسا مطلع الثمانينات من القرن المنصرم، ولم تكن تتجاوز الخامسة من عمرها بعد برفقة أسرتها. وحصلت بلقاسم على تعليم جيد أهلها لأن تلتحق بمعهد العلوم السياسية بباريس، وبعد تخرجها عملت مستشارة قانونية في مجلس الدولة وفي محكمة النقض، حيث أمضت ثلاث سنوات اتجهت بعدها للعمل السياسي بانضمامها للحزب الاشتراكي، وفي الوقت نفسه عملت كمستشارة في ديوان رئيس بلدية ليون، جيرار كولومب، الذي كان أيضا عضوا في مجلس الشيوخ الفرنسي.
خبرة ومهنية
وخلال سنوات قليلة، شغلت بلقاسم مناصب سياسية وحزبية كثيرة أثبتت فيها نجاحا كبيرا يستند على ايمان شديد بما تؤمن به من أفكار يسارية تشربتها بحكم نشأتها في وسط عائلي يساري أولا قبل أن تصبح منهاجا شخصيا لها. وظلت تلك الشابة الطموح مخلصة لأفكارها وبما تؤمن به، فقد كانت بلقاسم منذ بداياتها العملية مهتمة بتعزيز الديموقراطية في الأحياء الشعبية ومقاومة التمييز العنصري والدفاع عن حقوق الإنسان، بالاضافة الى اهتمامها الخاص بإيجاد فرص عمل ومساكن للشبان الذين يعيشون في أحياء شعبية ويعانون من البطالة، بالاضافة الى محاربتها للافكار المسبقة التي تروج ضد النساء، حتى أنها أنشأت قبل عام تقريبا «المجلس الأعلى للمساواة بين الرجال والنساء»، وهي هيئة تدافع عن مبدأ المساواة بين الجنسين في جميع مجالات الحياة.
منطق شرقي
لكن هذا السجل الحافل بالعمل والخبرة والانجازات لم يمنع البعض من الفرنسيين من الاستعانة بالمنطق الشرقي التقليدي في النظر الى المرأة باعتبارها عورة وأن اجازاتها لا تتحقق غالبا إلا بتنازلات تقدم عليها، وغالبا ما تتعلق تلك التنازلات بالشرف في مفهومه الشرقي أو العربي تحديدا! حيث تساءل بعض «الرجال الفرنسيين»، وليس الشرقيين أو العرب، عن طبيعة «التنازلات» التي قدمتها الشابة الجميلة نجاة بلقاسم للرئيس هولاند حتى يختارها وزيرة للتربية. وقال أحد المسؤولين المحليين، وهو فرانك كيللر في تغريدة له على تويتر حرفيا: «ما التقديمات التي أعطتها نجاة للرئيس فرنسوا هولاند ليمنحها حقيبة بهذه الأهمية؟».
تصفيق حاد
ورغم أن كيللر سارع لاحقا الى حذف تغريدته تحت ضغط من قبل المدافعين عن المرأة في فرنسا، فان التغريدة كشفت عن وجه عنصري قبيح ومزدوج في رؤيته العنصرية تجاه الفرنسيين من أصول غير فرنسية وتجاه النساء في الوقت نفسه!
حسنا... ماذا كان رد نجاة بلقاسم نفسها على كل هؤلاء؟
لم تزد الوزيرة الشابة ذات الخبرة والمهنية العاليتين كما يبدو على جملة واحدة قالتها فألجمت بها الجميع: «العنصرية ليست وجهة نظر أو رأي، بل جريمة يعاقب عليها القانون»! تصفيق حاد لهذا الرد!