ان فقدان العدالة يعني فقدان حق الإنسان في الحياة الكريمة وخصوصا في زمن تكثر فيه المحن بسبب سوء الحكم ،وفساد الأنظمة السياسية،الذي يسبب أزمات كثيرة.. وبروح العصر، ولأن المثقف حين يتكلم فأن هذا يعني انه جزء من ضمير العصر. كتب الشاعر يحيى السماوي مؤخرا دولة الفرهود وبالمعنى الكامل للكلمة.. وبروح العصر اللا ذهبي أيضا، شهدنا جميعا حقيقة اللا ازدهار في إدارة شؤون الدولة ووزاراتها ومؤسساتها (معظمها) إن لم تكن كلها.
دولة الفرهود ماهي إلا جزء من تفاصيل حقيقة مؤلمة لمرحلة محددة، ومرآة حقيقية تعكس تفاصيل الأحداث التي توثق وتحدد الزمن وكما ورد في المقالة، استعادة للذاكرة عن دولة الزعيم والحكومة السابقة والحكومة الحالية. وعليه حين يتمتع الفرد بالثقافة تصبح حياته متناسقة في (المعنى الإنساني) بالمعنى الواسع وهذا يجعله يتمتع بحرية وسعادة تمتد لان يكون خلاقا مبدعا تمتد به العلاقة ليرتبط بين مجتمعه في سياق العلاقات الاجتماعية الحقيقية، وبين ذاته الواعية بشكل يجعل تلك الحقائق أكثر صلة، وماورد في المقال من أدق التفاصيل إنما يؤكد صدق وعمق الحضور اليومي للمثقف في سياق الحياة ذاتها، ومن الجميل أن يختص شاعر كبير بقضايا وطنه كونه يؤمن بأن الشاعر أولا وأخيرا ابن شعبه، يصور الحياة بأدق التفاصيل مُرةً أو حلوة، لذا فإننا بالتأكيد سنحصد كنتيجة عمل منجز لأجيال، وذلك يعتمد بالتأكيد على إرادة ووعي تأتى من الحرية الممنوحة وهذا ما يكتبه الفكر الواعي.
خلاصة القول: في مآسي (الديمقراطية المزيفة) يمكن أن يتسرب الشر فتتحول إلى (نظام ظالم) ونكث في الوعود وتسويف في تنفيذها. وبين الدولتين (دولة الفرهود - ودولة افلاطون ) بون واسع في المعنى، الرابط المشترك بينهما هو فكر المثقف حين يرفض الظلم فيؤسس فكرة ترفض السكوت على ما يجري وإحلال الوضع المنطقي كحالة بديلة لابد منها.
المعنى الأول: اسماه الشاعر يحيى السماوي ووفق الوضع الحالي في العراق حيث لا يحتمل إلا أن يكون تحت هذا المسمى خاضعا لمبدأ السببية، حيث كرس حيزا من شعره لقضايا العراق وطنه (الملتهب بالنهب) بالتلميح، والتصريح، والإبانة بالأدلة في مقالة وقصيدة (دولة الفرهود)
حيث كتب يبرهن بأدلة عن دائرة البحث العقلي والملموس أو كتعريف بسيط لما يحصل في ظل دولة العراق في ظل حكم سياسيوه الذين عكفوا أن يقدموا المصلحة الشخصية على المصلحة الوطنية بدلا من أن يكونوا منقذين والعين الساهرة على امن وسلامة المواطنين. دولة الفرهود قضية محلية فيها تصريح وإبانة، فيها دعوة وتلميح في فضح ألاعيب مسؤول، أوسرقات وزير في الدولة، ثم يشير إلى ماآل إليه حال الإنسان العراقي والحياة التي يعيشها والتي تفتقد لأبسط الخدمات الرئيسية وأولهما (الكهر ماء) على الرغم من حالة الاستقالة لبعض الوزراء فلم يحصل أي تغيير في الحال ناهيك عن فقدان الأمان، واحترام الأكاديميين والعلماء" تسن ذيول للقوانين يبتغى == بها جلب قوم للكراسي الشواغر".
أما المعنى الثاني: جاء به أفلاطون، تدور فكرة دولة أفلاطون على العدالة التي أراد منها إصلاح الفساد بالعدل، الذي أراد أن يتجسد في مدينة (سميث) لتصبح الجمهورية الفاضلة، الفكرة هي أن يوضع برنامج تربوي مشروط يجعل منها دولة فاضلة سعيدة خالية من الشرو والآثام، وقد جاء بهذه الفكرة لسببين:
أولهما: الزمن الذي عاشه كان كثير الفساد وفي أنظمته السياسية والتي توصف بالظلم
ثانيهما: إعدام أستاذه سقراط الذي كان له الأثر العميق في نفسه .
إن هذين السببين دفعا أفلاطون إلى التفكير بإيجاد دولة تقوم على أسس أخلاقية متينة وهذه الفكرة تستعين ببرنامج لتربية المواطنين منذ ولادتهم تتصف (بالعدالة) وعلى من يحكم هذه الدولة أن يكون من الفلاسفة، قسم الدولة بشكل يناظر أجزاء النفس الإنسانية حسب تصوره. السؤال
هل أراد بها الديمقراطية؟ أي حكم الشعب، وان العدالة تجعل أن يكون الإنسان سعيدا؟ وعليه يجب (أن يتولى حكم الدولة أشخاص متميزون) من غيرهم عند ذلك يستطيعون أن يحققوا السعادة للجميع..! ولأنهم وحدهم بحكمتهم يمكن أن تتحقق تلك العدالة على أساس إنها الاستقامة والمساواة والميل إلى الحق (عكس الظلم) وبعيدا عن العدالة المزيفة وما أكثرها اليوم في الأنظمة الحاكمة، وما أحوجنا إلى العدالة في عالم اليوم الساخر بالظلم والغدر والموت المجاني على أساسات شتى. الحكومات على رأي أفلاطون ثلاثة:
1- الثيموقراطية (حكومة الأنفة والأمجاد) وهذي تعمل على استغلال ثروة الدولة لمصلحة الحكام الشخصية وان المال والمنصب مسيطران على تفكيرهم .
2- الاوليجاركية (حكومة القلة الموسرة) وهولاء اخرجوا من الطبقة الثيموقراطية، كانوا يجمعون المال مع الحكومة السابقة مما يجعلهم مندفعون متجاوزين القانون والعدل من المصلحة الشخصية.
3- الحكومة الديمقراطية (حكومة أغلبية الشعب)وهذه تأتي انقلابا على النمط السابق بسبب ظلمها. . كما اعتقد أفلاطون إن الفلاسفة هم اقدر الناس على إدارة دفة الحكم. ووسط هذا يتساءل السيد حسب الله يحيى يذكر في إحدى مقالاته : هل يملك المثقف القدرة على التفكير بنظام سياسي يحكم العراق الجديد؟ هل يمتلك المثقف إرادة انجازه و ماهي المعايير؟). وعليه يبقى السؤال، هل بإمكان الأنظمة إن تقوم على أساسات الفكر والحكمة لفيلسوف أو مثقف لأجل إدارة الدفة؟
تبقى الأفكار تطرح، والمثقف يكتب طالما هناك أنظمة فاسدة، ومفكر حقيقي، لأنه لا يستطيع أن يقف غير مكترث بما يجري، اذ انه يفهم التاريخ على انه يجب أن يسير إلى الأمام، ولابد من إيضاح الحقائق بقوة الأفكار لإدراكها؛ لأنها ستمنع الكثير من لتخبط،ل لايقبل بالظلم، ولن يبقى صامتا البتة.. صفوة القول إن الأصناف الثلاثة التي صنفها أفلاطون تحكمنا اليوم وحكمتنا !!!
وكلنا صر يحلم بالديمقراطية والعدالة، حتى أكبر الفلاسفة حلموا بها لكنها بالتأكيد ليست مجرد آراء ، وليست مجرد رغبة، ويجب أن لا تكون مزيفة، لقد ورطونا ضمن زيفهم وجعلونا نعيش المأساة لأنهم لا يعملون في ضوء المصلحة العامة وإنما ضمن تناقضات مصالحهم وتكتلاتهم الحزبية وانتماءاتهم الطائفية. ان العدالة لا تأتي إلا من إصلاح النفس الإنسانية، بتربيتها وبالشكل الصحيح، وما حصل في العراق ليس خطأ فادحا فقط، إنما عملية خداع للشعب العراقي وتلك جريمة تستحق العقاب آجلا أو عاجلا. وكما قال الشاعر الكبير الجواهري:" لقد مل هذا الشعب أوضاع ثلة== غدت بنيه مثل الحروف النوافر".