الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

السوق الافتراضي

  • 1/2
  • 2/2

السوق التي ساتحدث عنها اليوم ليست سوقا تقليديه ، مع انها تحمل كافة مواصفاتها ، ففيها  بيع وشراء ، اموال ، بضائع ، تجار ، متسوقون ، محتالون ، نشالون   ، بغايا .  بشر تروح وتغدو على مدار الساعه .
انها سوق الانترنت بكافة تفرعاتها  : شبكات الاتصالات ، مواقع التواصل الاجتماعي ، ( فيسبوك ، توتير،  انستغرام ... الخ ) .
تعلمنا ونحن صغار  في المدرسه،  الكثير من الادعية التي يجب ذكرها في مواطن عديده منها ما يقال عند البدء بتناول الطعام ، او عند الاستيقاظ من النوم ، ومن ضمنها دعاء دخول السوق ( اللهم اني اسألك من خير هذه السوق وخير ما فيها ، واعوذ بك من شر هذه السوق وشر ما فيها ، اللهم اني اعوذ بك من ان اصيب فيها صفقة خاسرة ، او يمينا فاجرة) ولا عجب في ذلك ، ففي السوق ( كما يقال) ينصب الشيطان راياته ، وعلى المرء تحصين نفسه قبل الولوج اليها .
قرأت في مكان ما احصائية تقول ان عدد مستخدمي النت في الاردن ناهز الخمسة ملايين ، اذن نحن نتحدث عن سوق يرتادها  جل الشعب ، لكن للاسف بعض البشر لا يتركون ركنا صالحا من اركان العمران دون ان يندسوا فيه ليبيعوا بضاعتهم الفاسدة للناس ، فمن منا لم يتلق على بريده الالكتروني ولو لمرة واحدة، رسائل يقوم بتحضيرها واعدادها نصابون محترفون , تدغدغ نصوصها اماني الفقراء والحالمين بحياة افضل لتقول لهم ( لقد ربحتم ملايين الدولارات ) او رسالة وهمية باسم شركة عالمية تفيد بان هاتفك قد ربح جائزة كبرى ، واشكال الاستدراج تتفاوت من ايهام للضحية بالحصول على الثراء السريع او بحسابات وهمية لاشخاص يدعون انهم موظفو بنوك في دول افريقية ( وبوركينا فاسو هي المفضلة لديهم دائما) وهناك دعوات للمشاركة في تبييض الاموال ، اما اكثرها طرافة فهي تلك التي تنبئك بان شخصا ما مشرف على الموت واختارك انت من دون الناس ليهبك امواله طالبا منك ارسال رقم حسابك قبل ان يطلع السر الالهي ويفوت الاوان ، وعادة تعنون هذا النوعيه من الرسائل بعبارة ( writtin from hospital ) .
من كل قلبي اتمنى ان اشاهد احد موظفي سوق النصب وكيفية ادارته لعمله ، اصابني فضول شديد لاستكشاف مكامن نفسيته ، هل هو مثلا يتوجه صباحا الى مكتب معين ام يعمل من منزله على جهاز اللابتوب خاصته ؟ هل يجلس زميل او زميلة له الى جانبه ؟ هل يطلب كوب قهوة وينهمك بعدها بممارسة مهنة النصب وايجاد طرق حديثة لسرقة الاموال  وحسابات البنوك ، غير تلك التي وعاها وكشفها المتسوقون ، وقبل كل ذلك هل يردد قبل البدء بالعمل العبارة التي كنا نقولها  في الصباح قبل مباشرة عملنا ( استعنا على الشقا بالله ) ؟؟ هل هو مؤمن بما يقوم به ؟  وبأنها وظيفة مثل سواها ، كيف يوطن نفسه على السرقة والنصب ؟؟
         سوف أتجاوز كل هذه التساؤلات وانتقل مباشرة الى الحديث عن احد اكبر فروع السوق الالكترونيه ، واكثرها ازدحاما بالناس والمكائد والمهاترات والصراخ والبيع والشراء ، انها سوق الفيسبوك ، هي سوق ممتده فيها ملايين الدكاكين وكل دكانة يملكها شخص وتسمى    ( الحساب الشخصي ، او الصفحة الخاصه) وفي دكانك او على بابها يمكنك ان تقول ما تشاء لمن تشاء ، اما رمزا او صراحة . في دكانك يمكنك ان تدعو الى ما تشاء وتعرض البضاعة التي تحلو لك ، وترسم لنفسك صورة مثالية  تجمع بين البراءة والتدين والاستقامة من خلال استئجار لوحات جاهزة تسمى (بوستات) او يمكنك رسم وتنفيذ لوحاتك الخاصه, لتحصد اللايكات وتنتشي بانجازاتك ، وفي المقابل يمكنك ايضا ان تظهر عوراتك الجسديه والعقليه والنفسيه دون خجل ، وان تصبح كل اخبارك العائلية في الشارع ، فهنا يتخلص المرء من جبنه وتردده وينتقم ممن ظلموه واساءوا فهمه في  العالم الواقعي  فيشرب حليب السباع ويفتح دكانه ويقف على بابها ، ويبدأ بارسال الشتائم والانتقادات والتهديدات غالبا دون تحديد أي دكانه من الدكاكين  هي المقصودة حتى يحفظ خط الرجوع. أنه مبدأ (الكلام الك يا جاره ، واللي على راسه بطحه يحسس عليها ) . والطرف المعني لن يسكت ايضا ما دام يملك دكانا في سوق الفيسبوك فمن حقه الرد ، وهكذا يضج افق السوق بصيحات المنتسبين اليها ، كل يصيح من باب دكانه . افتح دكاني الخاص في الصباح لاشاهد اعلانا علقته احدى جاراتي على باب دكانها وفيها جمله واحده ( يا بقره !!) واخرى تقول ( انا بوريكم) ناهيك عن الاشارات البذيئة بالاصابع وما خفي اعظم . وبعد ان يصل الخصوم الى نقطة النهاية ينبري الطرف الاكثر اتزانا فيهم لمهمة  التهدئة ، فيبدأ بتعليق لوحات اعلانية على باب دكانه تدعو الى التسامح ونبذ الفرقة وضرورة التأليف بين القلوب لينقلنا فجأة الى عصر الصحابه رضي الله عنهم .
       لقد افتتحت دكاني الخاص في سوق الفيسبوك قبل حوالي ثلاث سنوات لهدفين لا ثالث لهما ، اولا : لأساير الموضة ، وثانيا : لأتجسس على دكاكين اولادي الذين يسيرون الى طور المراهقة ولكي احميهم  من كل متطفل ومختل يحاول الاختباء في دكاكينهم واقتحام حياتهم ، لكنني مع الوقت اكتشفت ان تلك الدكانة الخاصة بي وسيلة جيدة لنشر انتاجي الادبي والتواصل مع اصدقائي . بنيت صداقت جديده واحييت صداقت قديمه  ، وبدأت ارصد حركة المعجبين بانتاجي فحصلت الفرح احيانا وخيبات الامل احيانا اخرى ، من عرفته للتو شجعني وانتقدني النقد البناء ، ومن صادقته عمرا طويلا وشاركني في هواية القراءة والمطالعة بقي يتفرج من بعيد ، يرسل لي اللايكات دون حساب على أي بوست او صورة  او مناسبة ، الا فيما يتعلق بانتاجي الادبي فانه يحدق فيه من مكان بعيد دون ان تصدر عنه لايكة واحدة او تعليق ولو حتى سلبي .  أرأيتم ؟ لكل سوق مزاجه الخاص به ، فها انا المرأة  التي تسير بخطى حثيثه نحو عامها الخمسين ، اجدني وقد دخلت في مزاج ( الولدنة ) هذا ، ووصلت بي الحال لاحصاء اللايكات على ما اعلقه من بضاعة ادبية في دكاني الالكتروني .
رأيت  ايضا خلال وجودي في السوق الافتراضي اشخاصا يفتتحون دكاكين خاصة للارتزاق ولو بالمال الحرام فاحدهم انشىء دكانا علق عليها لافتة تقول ( تخاريف البخاري) في البداية ظننت ان صاحبها مشوش الذهن والتفكير،  فدخلت الى دكانه وحاولت التحاور معه والوصول الى نقاط بحث مشتركة ، ولكنني اكتشفت انه مجرد ( جامع لايكات) ولا يكترث بكل اولئك الذين يدخلون دكانه  سواءا لكي يحاوروه بالمنطق،  او ليبصقوا في وجهه ، يستوي عنده من يخاطبه بكلمة يا استاذ ، او يا ابن ... ، المهم ان يدخلوا دكانه ، لعل سعرها يرتفع في سوق البغاء الفكري . رايت في دكانه خلقا كثيرا ، اناس طائفيون وآخرون متنفعون كسحرة فرعون والقائمة تطول ...
طرق ملتوية اخرى يلجأ اليها البعض فيضع في دكانه صورة طفل مريض او مشوه ويكتب تحتها الله يقطع ايدي ورجلي اذا لم اكبس  لايك واكتب الحمد لله , والبعض الاخر يضع صورة احدهم وهو يدوس على القران الكريم طالبا من اصحاب الدكاكين الاخرى كتابة لايك على هذه الكوارث .
في سوق الفيسبوك كما في السوق الاعتياديه لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة ، وكل شيء ممكن ما دامت هناك القوة اللازمة لتحقيقه .
 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى