تعجز الكلمات عن وصف الموقف، وتتوقف أكثر التعبيرات بلاغة عاجزة أمام دموع الأم الثكلى التي تناقلتها وسائل الاعلام، الأم التي بكت وأبكتنا معها، مرة لاعدام ابنتها، ومرات حداداً على حقوق المرأة المسلوبة وكرامتها المبعثرة، تحت شعار الدين الاسلامي والقوانين الاسلامية.
لا تسعفني الكلمات للتعبير عما ألم بي من غضب وأنا استمع للكلمات الأخيرة لشقيقتي في الانسانية وشريكتي في انثويتنا البائسة، ريحانا جباري التي أطلقت برسالتها فلسفة خاصة تعرف مذاقها جيداً نساء كتبت عليهن الأقدار ان يزرحن تحت وطأة الحكم الديكتاتوري في الجانب المظلم من العالم.
ارتأيت ألا أرثيها وأملأ الجمل والكلمات صراخاً كما حدث في كافة المواد المكتوبة عنها، واخترت ألا أنتقي كلمات الاعدام والدموع والقهر في عنوان المقالة، فأنا بصدد الكتابة عن رمز للكرامة والقوة، وعن نبراس أمل مضيء في الظلام السائد في تلك البقعة المشؤومة من العالم التي نحيا فيها.
أي ظلام يسود عالمنا في القرن الحادي والعشرين، حتى تساق النساء الى المشنقة، كعقوبة للدفاع عن نفسها ضد الاعتداء الجنسي؟ وما هي الرسالة التي يسعى هؤلاء الجلادين الى توصيليها عن الدين الاسلامي؟ فلم نسلم من أفعال داعش الاجرامية ومتاجرتهن بالنساء واستغلالهن جنسياً وتأثير ذلك على صورة العرب والمسلمين عالمياً حتى اقترفت ايران ذلك الفعل الاجرامي، بقتل فتاة في ريعان شبابها، بعد ان قضت 7 سنوات هي الأجمل في عمر كل انسان، عقاباً لها على الدفاع عن الشرف، ضد مغتصب ينتمي للاستخبارات الايرانية.
ولمن لا يعرف قصة ريحانا فقد بدأت فصول القصة في عام 2007، حين كانت ريحانا طالبة تبلغ 19 عاماً، وتعمل كمصممة ديكور، وطلب ظابط سابق في الاستخبارات الايرانية تنفيذ الديكور الخاص بمكتبه، وبينما كانت هناك حاول اغتصابها فقتلته طعنا بسكين صغيرة، والقي القبض عليها بعدها بأيام وتوجيه التهم، وبرغم أن الحكاية تبدو سهلة وواضحة الا ان القضية يكتنفها الغموض نتيجة التحقيقات غير النزيهة والتلاعب بالأدلة، حتى صدر حكم الاعدام عام 2009 وتم تنفيذه فجر السبت الماضي.
وقد احتجزت ريحانا منذ اعتقالها في غياهب سجون ايران المظلمة، وفشلت نداءات متكررة لإلغاء حكم الإعدام بحقها، وفي جلسات المحاكمة قالت بكل قوة إنها تصرفت دفاعاً عن النفس، لكن المحكمة العليا في إيران أيدت حكم الإعدام، حيث رأى القاضي ان الدفاع عن الشرف ليس سبباً كافياً للقتل!!
وأثارت قضية ريحانة جباري، صيحات احتجاج دولية واسعة، وأدانت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوق المرأة وحقوق الإنسان الدولية، حكم الإعدام دون جدوى على مدى أشهر.
" أنا أستسلم الآن وأقابل الموت بصدرٍ رحب؛ أمام محكمة الله سأوجه الاتهام إلى المفتشين؛ سأوجه الاتهام إلى المفتش «شاملو»؛ سأوجه الاتهام إلى القاضي، وإلى قضاة المحكمة العليا الذين ضربوني وأنا مستيقظة، ولم يتورَّعوا عن التحرش بي. أمام الخالق سأوجه الاتهام إلى الطبيب «فروندي»؛ سأوجه الاتهام إلى «قاسم شعباني» وكُل من ظلمني أو انتهك حقوقي، سواءً عن جهلٍ أو كذب، ولم يفطنوا إلى أن الحقيقة ليست دائمًا كما تبدو"
"في الآخرة سنوجِّه نحن الاتهام؛ وسيكونون هم مُتهمين. دعينا ننتظر إرادة الله. "
كلمات مؤلمة من رسالة ريحانا جباري الى والدتها، التي بذلت كل المساعي الممكنة لانقاذها من الاعدام، وعاونها عدد من المحامين في مجال حقوق الانسان، وسط تنديد دولي بما يحدث داخل سجون ايران، ولكن كل هذه الجهود ذهبت أدراج الرياح، فقد تم اعدام ريحانا فجر السبت الماضي، وباتت روحها في انتظار محكمة الآخرة.. حيث سنوجه نحن الاتهام وسيكونون هم متهمين.. كما تقول لوالدتها!
وأبرزت قضية ريحانا من جديد معاناة النساء في العالم العربي والاسلامي، وتعرضهن لكافة أشكال العنف والعنصرية، ومنعهن من الحصول على حقوقهن حتى لو كان هذا الحق هو الدفاع عن الشرف، فريحانا تمت معاقبتها كونها امرأة أولا وكونها سنية قامت بقتل رجل شيعي ثانياً وهو كان ظابطاً في الاستخبارات الايرانية سابقاً، وتم العبث بأدلة قضيتها وتعريضها للتعذيب، وهو ما نددت به جميع الجهات الدولية، وساعد في تسليط الضوء على المزيد من الانتهاكات في السجون الايرانية، التي أعدم فيها ما لا يقل عن 900 شخص هذا العام بدون محاكمات عادلة، معظمهم من النشطاء والحقوقيين ومازال المزيد منهم يقبع في ظلام السجون بانتظار المصير المجهول.
وتذكرنا قصة ريحانا بالفيلم الايراني رجم ثريا، الفيلم القاسي الذي تألم منه المشاهدون في العالم دون أن يدركوا أنه مستوحى من قصة حقيقية تحدث يومياً في ايران ومثيلاتها من الدول الظلامية، وهي قصة ثريا الايرانية التي رفضت أن يتزوج عليها زوجها فقرر التخلص منها بتلفيق تهمة الزنا اليها، حيث تم رجمها حتى الموت، في انتهاك واضح وصريح للمرأة تحت ستار الدين وتطبيق الحدود.
نحن نحيا في الجانب المظلم من هذا العالم، حيث تنتهك المرأة تحت ستار الدين، وتطبق عليها الحدود التي لا تطبق على الرجال، وتتعرض للتعذيب والرجم والبيع والاغتصاب والزواج القسري وجهاد النكاح وغيرها من الأفعال الاجرامية التي تفرض عليها من جانب الرجال.. وقد أضاءت ريحانا بقوتها وفلسفتها ورباطة جأشها النادرة كامرأة لا تخشى الموت دفاعاً عن الشرف شعلة من الضوء علينا أن نحملها من بعدها، باصرار وعزيمة للتنوير والتخلص من ظلاميات العصور الوسطى، والخروج من الظلام الى حيث النور والمحبة والكرامة والاحترام.. فنضالنا مهما كان فهو يتضائل بجوار شخصية مثل ريحانا، وقوتنا كنساء يشاركن في المؤتمرات والمحافل الدولية الخاصة بالمرأة لا تقارن بما واجهته ريحانا لترسيخ قوة النساء والنداء بحقوقهن في المعاملة الكريمة.
نحن نحيا ظروفاً مشابهة للعصور الوسطى، حين كانت محاكم التفتيش تقوم باعدام النساء دون منحهن حق الدفاع عن النفس، انها عصور الاضطهاد والظلام التي تخلص منها العالم وباتت ذكرى قبيحة، أما في عالمنا فهي مازالت مقدسة بشكل أو بآخر، وسلاح الدين يتم اشهاره في وجه كل من يعترض، فيتم رجم وقتل كل من يشتبه في قيامها بفعل لا أخلاقي، بينما يفلت الرجل من العقاب وسط صمت المجتمع عن أفعاله، وان كانت المرأة في بلد عربي لا يمارس الرجم والقتل فهي على الأقل ستحيا مدانة ومتهمة وذليلة في مجتمعها، بينما الرجل يفتخر بأخطاء سيعاقب عليها في الآخرة مثلما ستعاقب المرأة.
"لا تتصرف كالمنافق وأنت تجهر بالقرآن أمام الناس" .. حفيظ، شاعر ايراني، القرن الرابع عشر
لم أكن يوماً من دعاة المساواة بين الجنسين لايماني العميق بالفروق التي أودعها الله بيننا لحكمة الهية، لكني اليوم أنادي بالمساواة في المعاملة الانسانية، المساواة في حق الدفاع عن النفس، المساواة في عقاب الرجل على جرائمه الأخلاقية مثلما تعاقب النساء، ومعاقبته عند انتهاكه لحقوق الجنس الآخر، والمساواة في منح المرأة حقها المسلوب للدفاع عن الشرف بينما يبارك المجتمع للرجل ارتكابه للقتل دفاعاً عن شرفه، وهي مطالب لا يمكن ان تفلح الا باصلاح المجتمعات ونشر التنوير في العالم العربي والاسلامي، فالأفكار الظلامية تبدأ من المجتمع ومن البيت ومن المدرسة.
ان ريحانا بطلة لبنات حواء، ورمز للنضال ضد الانتهاك الذي يمارس ضد المرأة تحت ذرائع الشرع والقوانين والقهر.. كتب علينا أن يستمر لأجل آخر.. لنضع قصة ريحانا نبراساً للأمل والكفاح والعزة.
وكانت ريحانا قد وجهت رسالة صوتية مؤثرة أبكت الملايين حول العالم الى والدتها المكافحة السيدة شعلة تمت دبلجتها الى عدة لغات من بينها العربية وهي في هذا الفيديو أدعوكم الى الاستماع اليها والتأمل في مدى قوة هذه المرأة الشابة