للإعلام عدة مهام ووظائف حيوية ومهمة، منها نشر الأخبار والأحداث ونحوها، لكن له وظيفة أيضاً لا تقل أهمية تتعلق بالمعرفة ونشرها على نطاق واسع، ذلك أن المعرفة سلاح الحياة والسلام. إلا أن هناك من يتبنى زاوية غير سليمة للانطلاق في طرح القضايا التي يهتم بها، ثم يقوم بفرضها على المتلقي بمختلف الطرق ببثها كتحقيق أو كظاهرة لها أهمية بأن يتم مناقشتها، لعل من هذه المواضيع ما يطرح في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بين وقت وآخر عن التباين بين المرأة والرجل، وكأنهما فعلاً من كوكبين مختلفين أو كائنين على درجة كبيرة وشاسعة من الاختلاف، مثلاً يتم طرح قضية للنقاش يقال فيها لماذا المرأة كثيرة التسوق؟ أو لماذا تحب المرأة اقتناء الماركات الثمينة والمجوهرات؟ ويتم تعزيز هذا الجانب، ببديهية السؤال الذي يتم طرحه وكأن الموضوع مسلم به ولا مجال للنقاش حوله والمطلوب فقط الإجابة لا أكثر، ولا مانع أن تتضمن الإجابة تحليلاً ورؤية.
اليوم يتم طرح مثل هذه المواضيع بدرجة مغايرة وفي مجالات حياتية مختلفة، في نفس السياق تلفحك موضوعات يتم طرحها للنقاش تتعلق بالشباب وإن كانت بدرجة أقل حدة، ولكن أيضاً هذا موجد. والذي يجلب علامة استفهام كبيرة، هل طرح مثل هذه المواضيع الغرض منه فعلاً مناقشة ظاهرة حقيقية؟ وإذا كانت ظاهرة كيف تم اكتشافها؟ وهل تمت دراساتها بوساطة استبيانات استطلاعية علمية؟ أم أن الهدف هو تلوين الصفحات بمواضيع حتى وإن كانت غير دقيقة أو تعبئة ساعات البث الفضائي بمواضيع لا طعم لها أو فائدة سوى خلق هوة وتباين بين إنسان وآخر.
مع الأسف يتبنى البعض الحديث عن المرأة وكأنها شئ مختلف أو غير مفهوم، وفي العموم فإن هذه النوعيات هي لأناس تعثرت حياتهم الزوجية، وحتى يغطي على عيوبه وفشله يبدأ بوصف بنات جنسه بأنهن غريبات الأطوار أو أنه لا يمكن فهم المرأة، أو نحوها من الصفات التي لا تغني أو تسمن من جوع.
مع الأسف أن محاولة خلق هوة وتباين بين المرأة والرجل له تاريخ كبير في ذاكرة الإنسانية بأسرها، ومع الأسف أيضاً أن هناك إرثاً بشرياً طويلاً يحتوي على مقولات وقصص تظهر المرأة بأنها مختلفة، هذا الاختلاف هو اختلاف نقص لا اختلاف تميز، ولإظهار محاولات التقليل من عقل المرأة ومنجزها وإنسانيتها، أستحضر مقولة يتم ترديدها وهي: ستظل المرأة لغزاً مجهولاً.. في الوقت الذي يعتقد الرجل أنه قادر على حله". فهل الزوجة والأم والأخت والابنة.. لغز؟ لدرجة أن الرجل يعتقد أنه يعرفها وهو في الحقيقية يجهلها، ألا يمكن أن يكون هذا الرجل هو اللغز المحير وهو المجهول؟ مثل هذه المقولة تعزز مفهوماً بأن المرأة تكذب وتخفي كل حقيقة عن وجودها ومشاعرها، ولنستمع إلى مقولة أخرى لا تقل عن سابقتها وهي :" عقل المرأة في جمالها وجمال الرجل في عقله". هل يوجد تسطيح أكثر من مثل هذه المقولة؟ هل من المعقول أن يتم حصر عقل المرأة في الجمال؟ الذي يتبنى حقوق المرأة يجب أن يتبنى الدفاع عن مثل هذه المسلمات والمقولات الظالمة، ولبعض وسائل الإعلام ارتقوا أكثر...