تاريخيا لم تتعوّد شعوبنا العربية على حرية الاختيار، أو لنقل أنها لم يكن أمامها خيارات متعدّدة لتمارس حقّها في الاختيار، فقط الزعيم الواحد والمرشّح الوحيد للحزب الحاكم الوحيد.
الحراك الذي أنتجته ثورة 17-14، غيّر موازين القوى وأحدث تحوّلات كبيرة في المشهد السياسي التونسي. انتخابات 23 أكتوبر2011 أفرزت قوى جديدة كانت مقصاة من المشاركة السياسية طوال العقود الفارطة. مثّلت تجربة الترويكا أنموذجا جديدا للحكم إذ تشارك في إدارة أمور الدولة حزب إسلامي أغلبي (حركة النهضة) وحزبان علمانيان من اليسار الديمقراطي الاجتماعي (المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل الحريات). بينما اختارت بقية القوى اليسارية والليبيرالية البقاء في المعارضة وعدم المشاركة في الحكم.
اختلفت التقييمات لتجربة الترويكا، حيث أنّ قوى المعارضة حكمت عليها بالفشل قبل حتى أن تبدأ في تشكيل الحكومة، وعمل بعض الإعلام المعادي للثورة على تشكيل رأي عام سلبي حول حكومة الترويكا ورئيس الجمهورية السيد منصف المرزوقي، ومن جهتها قدّمت أطراف الترويكا انطباعا سيئا حول أداءها بسبب الارتباك والخوف وانعدام الخبرة في تسيير مؤسّسات الدولة. وانتهت التجربة بانسحاب أطرافها الثلاث من الحكم وترك المجال أمام حكومة "تكنوقراط" من أجل إنقاذ البلاد من فتنة قد تأكل الأخضر قبل اليابس، خاصة وأنّ زرّ الاغتيالات وورقة الإرهاب كانت تدار في كواليس "الدولة العميقة".
الحلقة التي بقيت عصيّة على القوى المضادّة للترويكا هي رئاسة الجمهورية، حيث أنّ الرئيس منصف المرزوقي رغم الضغوطات والشائعات بقي متمسّكا بموقعه غير آبه بالتهديد والابتزاز.
أعلن رئيس تونس المؤقّت (كما يحلو لوسائل الإعلام تسميته) السيد منصف المرزوقي أنه لن يخرج من قصر قرطاج إلاّ حين يقول الصندوق كلمته. ولن يسلّم الرئاسة إلاّ لمن سيختاره الشعب عبر انتخابات مباشرة حرّة وشفّافة.
عملت القوى المضادة لمسار الثورة (داخل الترويكا وداخل المعارضة على حدّ السواء)، على تهميش استحقاقات الثورة وعطّلت تحقيق العدالة الانتقالية، وأسقطت قانون تحصين الثورة والعزل السياسي لقوى النظام القديم. ليصل الشعب إلى استحقاق انتخابي مشوّه ومشبوه، إذ مثّلت المنظومة القديمة القوة الأكبر انتخابيا، عادت آلة التجمّع المنحلّ للاشتغال مستعملة جميع "المخازنية" الذين تواروا عن المشهد بعد ثورة 17-14 2011. عاد وزراء العهد القديم من الخارج بعد أن رحلوا خوفا من المحاسبة، واستعادت الشُعَب الدستورية عافيتها وخرجت من الجحور المظلمة لتنشط في العلن متحدّية قوى الثورة. وعملت "ماكينات" التزوير والتشويه والإعلام المروّج للإشاعات. واستغلّ أنصار النظام القديم غضب الناس وعدم رضاهم على تجربة الترويكا، وعملوا على توظيفها لمصلحة "النداء" مستعملين أساليب قديمة في التأثير والتعبئة والتجنيد. وكانت نتيجة الانتخابات التشريعية لصالح المنظومة القديمة ( 38% من مقاعد البرلمان). بينما حصلت حركة النهضة على (32 % فقط). أمّا الجبهة الشعبية (تشكيلة من الأحزاب اليسارية والعروبية) التي تُعتبر القوة الثالثة لم تحصل سوى على 8% من مقاعد البرلمان.
فضّلت حركة النهضة عدم تقديم مرشّح للرئاسية، ودعت إلى اختيار رئيس توافقي يكون حوله إجماع، وقرّرت في مرحلة ثانية وبعد عدم استجابة جميع الأطراف المعنية بالرئاسية لمبادرتها حول الرئيس التوافقي، ترك حرية الاختيار لقواعدها وعدم إلزامهم بمرشّح بعينه. ممّا أثار غضب الأطراف المتنافسة (أضداد المرزوقي) لأنّ جمهور حركة النهضة الذين يمثّلون قرابة المليون ناخب، أكثر من 70% منهم اصطفّوا خلف السيد محمد منصف المرزوقي.
من البديهي أن يصطفّ جمهور حركة النهضة خلف المرشّح للرئاسة رقم 24 السيد منصف المرزوقي، فهم يشاركونه المشروع ويقاسمونه الحلم، وهو بجموحه يحلّق بهم عاليا في سماء الحرية ويبعث فيهم روح التفاؤل المجنون، هو يشبههم في تمسّكه بمطالب الثورة واستحقاقات الثوّار ويُترجم انتظارا تهم بعد معاناة طويلة من عدم الاعتراف والتهميش.
السيد منصف المرزوقي، المناضل الحقوقي يليق بأبناء الشعب العميق، وشرف لهم أن يجلسوا أمامه يحدّثونه عن همومهم ويصارحهم بهواجسه ويزرع فيهم فيروس التفاؤل. الرئيس محمد المنصف المرزوقي فتح أبواب قصر قرطاج طوال الثلاث سنوات الماضية ليستقبل أبناء الزواولة والمهمّشين من الأطفال والشباب والمثقّفين، وسخّر نفسه للإنصات لعائلات الشهداء والإستجابة لمطالب جرحى الثورة.
الأكيد أنّ السيد منصف المرزوقي لا يليق بمن تعوّد على نمط معيّن للرئيس، لا يليق بمن لا يرى في الرئيس غير "هيبة" ربطة العنق و"ريشة" ولد البلدية، ولا يليق بمن تعوّد على التصفيق والمناشدة، ولا يليق بمن تعوّد على الاسترزاق من كتابة الخطابات وإسناد الدكتوراه الشرفية لمن لا يتجاوز مستواه التعليمي السادسة ثانوي، ولا يليق بمن تعوّد على المجاهد الأكبر وصانع التغيير... لكن الأكيد كذلك أنّ الدكتور محمد منصف المرزوقي، الحقوقي والمناضل، يليق بشعب يتوق إلى الحرية.
ننتصر... أو ننتصر.