ريادة الأعمــال في لبنان ليست أمراً سهلاً في ظـلّ الاعتـماد الكامل على المبادرة الـفــردية مـــن دون وجود دعم حكومي ملحوظ للمشاريع الخاصة سواء كانت صغيرة أم كبيرة، حتّى ولو على صعيد تأمين البنية التحتية اللازمة لنجاح أي مشروع.
وحين تكون الريادة بصفة المؤنّث، يكون التحدّي مزدوجاً لأنّ العقبات «الكلاسيكية» ليست وحدها ما يواجه المرأة، بل هناك منظومة اجتماعية متكاملة يمكن أن تتصدّى لها بدءاً من عائلتها الصغيرة وصولاً إلى المجتمع ككلّ، حيث تُعطى الثقة للرجل أكثر من ناحية الأعمال، لأنّه «يتحمّل مسؤولية» و«جريء» أكثر من المرأة، كما هي الأفكار السائدة منذ زمن طويل.
لكـــن علــى رغم ذلك، هـنـــاك نساء لبنانيات يؤمنّ بالريادة وبتحدّي الذات للوصول إلى أفضل المراتب من ناحية الأعمال وفي مختلف المجالات، حتّى تلك التي طالما كانت حصرية للرجل. فقد شهدت السنوات القليلة الماضية في لبنان نهضة نسوية، دعمتها الجمعيات الأهلية والمنظّمات الدولية وحتّى المصارف المحلية لتحريك عجلة الاقتصاد التي لا يمكن للرجل وحده أن يديرها. لكنّ هذا الدعم لم يُزل الحواجز نهائياً بل ساعد في شكل أساسي في كسر الصورة النمطية للمرأة غير القادرة على تحقيق النجاحات الكبيرة في عالم الأعمال، ما يزيد من الآمال على صعيد تعزيز موقعها في المجتمع اللبناني.
خطوات راسخة
حين تتخـذ المـــرأة فـــي لبنان قرار إطلاق مؤسستها الخاصة أو إنشـــاء أي عمل لها، تجد نفسها في مواجهة تساؤلات عدة: من أين أبدأ؟ مــن سيموّلني؟ ماذا لو فشلت؟ كيف أدير حساباتي؟... والريادة تكون بإيجاد الأجوبة الملائمة عن هذه الأسئلة وتطبيـقـهــا واقعياً. وهذا ما تخبر عنه سهر، التي بدأت بتربية النحل بهدف بيع العسل الطبيعي كعمل صغير خاص بها. لكنّ الفترة الأولى كانت مليئة بالمعوقات لناحية إدارة المشروع وتطويره ليكون عملاً مربحاً ويتحوّل إلى مؤسسة فعلية.
وعنــدها قـرّرت سهـر اللجــوء إلى منظمـــة «شيري بلير للمرأة» - فرع لبنان، حيـــث شاركت في ورش عمل مكثفة حول ريــادة الأعـمال من ناحية ابتكار هوية الشركة وإدارتها في الشكل الصحيح والبحث عن شركاء، إضافة إلى طرق استخدام التكنولوجيا الحديثة لتطوير أعمالها.
وسرعان ما وجدت سهر نفسها قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة حول مستقبل شركتها وكيفية تعزيز قدراتها، وفي غضون فترة قصيرة حقّقت توسّعاً بنسبة 60 في المئة في عملها مع حصولها على قرض مصرفي لتأمين حاجات شركتها الأساسية، لكي تكون قادرة على تلبية أكبر عدد ممكن من الزبائن.
كذلك الأمر بالنسبة لكريستين سلهب التي كانت تعمل في معمل لتصنيع الشوكولا، وقد وجدت نفسها بعد فترة غيــــر قادرة على تحسين موقعها أو تطوير ذاتها في هذا المكان. عندذاك أتتها فكرة إطلاق متجرها الخاص لتحضير زينة الشـــوكولا والأكسسوارات الخاصة بالأعياد والمنـــاسبات، لكن ذلك كان يتطلّب منها تأميــن مبلغ لا يقلّ عن 50 ألف دولار لشراء المعدّات الأساسية واستئجار مكان ملائم. إلا أنّ فكرة الاقتراض لم تخف كريستين، خصــــوصاً أنّ المصــرف ســاعدها في تنظيم حسـاباتها ودفعـــاتـها الشهرية كيلا تشعر بالضـــيق خلال الفترة الأولى من الانطلاق.
وسرعان ما بدأت مبيعات كريستين ترتفع لتسدّد أقساط البنك، وقد افتتحت منذ شهر متجراً ثانياً لها وهي تحضّر للتوسّع إلى البلدان العربية. ونصيحتها لكلّ سيدة تريد أن تكون ريادية أن تثق بنفسها وحلمها، وأن تستشير خبراء اختصاصيين ليساعدوها على إيجاد المسار الصحيح لتطوير عملها.
الاستفادة من التطور التكنولوجي
تُعتبر ورش العمل والدورات التدريبية مــن أهــم الطرق لمساعدة السيدات اللواتي يطمحن للريادة، وكذلك الأمر بالنسبة لانخـراط المصارف في هذا المجال وحضهن علـــى الريادة من خلال البرامج المتخصصة والجــوائز المحــفّزة، لكن في الوقت ذاته فإنّ التكنولوجيا العصرية تُعتبر الداعم الأول لهـــن. والسبب أنّ كــلّ امرأة يمكن أن تكون ريـــادية اليـــوم بوجود مواقع التواصل الاجتماعي كالـ«فايسبوك»، «إنستغرام» و«تويتر». فخلال الأعوام الأخيرة، انطلقت شركات كثيرة متوسطة أو حتّـى كبيرة من هــذه المـــواقع التي لا تتطلب تكــاليف ضخـمة، ويمكن من خلالها تعريف مختلف الفئات على العلامة التجارية.
وهذه التجربة تخبر عنها كارلا مخيبر، وهي أم لولدين، فقد كانت تهوى تحضير الطعام في منزلها والكلّ يُعجب بالأطباق التي تعدّها. ونشرت صوراً لأكلاتها مرّات عدّة على «فايسبوك»، إلى أن نصحتها صديقتها بتأسيس صفحة خاصة بها ونشر الصور واستقبال الطلبات في حال رغب أحد بذلك.
ولم تتصوّر مخيبر أنّ التجاوب سيكون كبيراً، لكن سرعان ما انهالت عليها الطلبيات فبدأت بتوظيف فتيات لمساعدتها واستأجرت مكاناً لتحضير المأكولات بدل منزلها. وخلال سنتين فقط، باتت تملك مؤسسة لتأمين مختلف أنواع الأطعمة إلى المناسبات، وبمدخول شهري عالٍ يتيح لها توسيع عملها أكثر.
إلا أنّ الأمر يتطلّب الكثير من الدقة والالتزام كما تشرح السيدات اللواتي أصبحن رياديات في مجال عملهن، فتأسيس عمل خــاص يحتاج إلى جهود جسدية وفكرية كثيرة، وأحـياناً الاقتراض لتوفير الرأسمال الأساسي. وهذه الظروف الصعبة لا تزال تشكّل حجر عقبة أمام أخريات يخشيَن من أن يؤثر العمل على حياتهن الأسرية، من دون أن يدركن أنّ الطريق إلى النجاح في هذا العصر لا يمكن أن تمرّ إلا عبر الريادة.
الحياة