تنبهت بعد وقت طويل من شرودي وأنا أقف متصلبة كالصخرة لا أبرح مكاني حيث إنني أقف بالمطبخ كعادة كل ربات البيوت التي تعشق المطبخ وتعتبره الركن الأهم بالبيت كنت أمسك بيدي ملعقة بدأت أحرك بها داخل كأس زجاجي فارغ ظننت أنني قد وضعت سكرا في سائل أذيب به شيء من قهوة أو شراب آخر ،كانت الملعقة تدور وتدور ويصدر عن الحركة صوت قوقعة ،لكن بدون شيء بداخله ، كان صدى الأفكار بداخلي يسيطر على تفكيري ويغطى أيضا على صوت حركة الملعقة داخل الكأس ،وكانت لحظتها ابنتي تشد ذيل ثوبي دون جدوى أو فائدة كي أنتبه لها ، أشعر بخيبة أمل كبيرة لغيبوبة انتابتني ، غيبوبة لم تسفر عن وقوعي على الأرض أو ارتطامي بالجدار المتهالك، وإنما كانت عيناي مفتوحتان تنظران بشرود نحو الأفق البعيد ،في حين أن حركات يدي مستمرة بالتحريك ،وقدماي لا تحملاني بسبب زيادة وزني مؤخرا نتيجة بعض الاضطرابات الصحية ولتناولي عقار الكرتوزون بإشراف الطبيب طبعا ، تعايشت مع وضعي وأصبحت ملامح وجهي الشاحبة تلازمني وشبح الموت يطاردني، وتخبط الأطباء أوهمني بذلك، وغرس بداخلي فسيلة شجرة تترعرع على قسوة الفراق و مشاعر سلبية تنتبني تدفعني لكره الحياة.
شدتني في البداية ريشة المروحة المثبتة في النافذة الزجاجية وهي تدور كدوران الحياة، دوران بمثابة حركة تعرض شريط الذكريات، ثم توقفت عيناي على الحبل المتدلى في نهايته قطعة بلاستيكية سوداء تلامس ورق صبار اثناء انقطاع المياه من صنبور حوض الغسيل، ومع غياب الصوت وجدت نفسي تنساب متجهة نحو المطبخ والأواني المرصوصة بعشوائية على الأرض والحوض وفرن الغاز ،لتنتقل إلى عالم متخبط بين الواقعية والخيال بين الحلم والحقيقة بين المتعاكسات مجتمعة في صورة شبح الفراق عمن أحب وأعشق ، البعد عنهم بلا عودة، وما زالت أسئلة تدور برأسي بلا اجابات ،تتطاير كورق الخريف على رأسي، وانين اسمعه من بعيد يقترب إلى أذني إنه صوتي المتألم من الداخل ، كان الصوت صوتي والأنين أنيني قادم نحو .
تنبهت أخيرا لحركة ابنتي الصغيرة تشد ثوبي ، وصوتها الذي لم أسمعه لشرودي بدا مبحوحا من شدة البكاء والصراخ، انحنيت إليها وحملتها وقبلتها بكل عواطف الحب التي أشعر بها نحوها ، لاضمها لصدري واقبلها بحنان غير عادي ، وهي تبحث عن مصدر حياتها في جسدي بشفتين صغيرتين يمتعاني بغريزة الأمومة، فلحظة خروج الحليب من عروق صدري المتدفق بالحب والحنان اشعر بقشعريرة تفوق الغريزة نفسها التي تحول الحياة إلى أجمل سيمفونية عذبة تحلو بصوتها الشادي ، واني أتربع بها على عرش الخلود دفء خدها الملامس لجسدي وحركة شفتيها الدؤبة مع ضغط اناملها على مصدر الحياة غير فكري وجعلني اكثر تمسكا بكوني امرأة، فالسنوات التي مضت من عمري قبل وجودها في حياتي كانت بلا معنى حقيقي، كنت ناكرة لذاتي ويائسة من قهر الأيام وعدم اتخاذي اي قرار، واليوم ياتيني قرار الفراق وسلب غريزة اخرى من غرائز حبي للحياة، بأمر الطبيب تفطم ابنتي وامنعها من الرضاعة وامنع نفسي من لذة الشعور بحلوة وروعة الأمومة.
مجرد الفطام ومنعها الرضاعة من ثدي الحنون يؤرقني، كيف ستنام نومها الهادىء في ليلها الطويل ومازالت للألىء فمها تنبت، عام ونصف مضى من عمرها الحالي وطعامنا المطهو لا يناسبها، كنت افكر قبل دخولي في الغيبوبة في مصدر أخر للحليب مفيد وغني بالفيتامينات وباحتياجاتها الطبيعية ، اهتديت إلى سيدة عجوز تمر تبيع اللبن يوميا أمام منزلنا بعربة قديمة يجرها حمار هزيل، المشكلة انني لم استطع مقاومة الغلاء واكون زبونة عند صاحبة العربة، غير انني سأتعرف لأول مرة على الكمية التى تتناولها ابنتى، ففي الماضي كانت ترضع والكمية غير محددة ، واليوم سوف اعد عليها واترجم الكيلو بالفلوس، سوف احرم من نومها على صدري ومن مداعبة اناملها الرفيعة لخصلات شعري الأسود الطويل التى ترسم لي به في بعض الأيام شارب كشارب والدها، سأحرم من ابتسامتها التي تجبرني على الضحك وقضب حاجبي لها في مداعبة يسعدها ويضحكها بهيستيريا.
وحين بدأ العد التنازلي وحان وقت الحرمان من ثديي ودقت ساعة الفطام ،كانت تقترب من صدري بثغرها الصغير كي تحصل على غذائها لكنها تصطدم بحلمة غرقت في بحر من الصبار، تبتعد وتقترب ثم تبتعد بدون اقتراب، وقلبي يئن من ملامح وجهها المعبر عن الحزن والجوع والمصحوب بصرخات متصلة وضربات اعتراض برجليها الصفيريتين في بطني، وأبكي معها لسيل الدموع الذي يشق صدري لنصفين، بعد أن بدأت تنفر من مرارة الثدي الذي وضعت عليها مادة لا تحبها مرة ،فترمي نفسها على السرير ،أو الأرض أو أي مكان إلا صدري ،و حضني تأبى أن تركن له او تشم رائحته أصبحت نافرة منه ومني مبتعدة، ثم استسلمت وتركتني لمطبخي بما فيه من اواني مبعثرة ومياه منقطعة وشعلة نار لا تنير دروب التي أسودت بفطام طفلتي الرضيعة ،أو أن تشغلها ريش المروحة التي توقفت عن الدوران هي الأخرى متضامنة مع أبنتي الطفلة ،تركتني أتأمل جدران المطبخ المتواضع المشبعة بالزيت، وورقة نبات الصبار الكبيرة النائمة على حوض الغسيل والحليب الذي يخرج من جميع مسام جسدها سطر تاريخ فطام ابنتي، تشدني مشيتها نحو الصالة ودموعها تحفر في خديها مجرى نهر متدفق خصبا وحبا وحنانا ، امشي من خلفها ببطء اتابعها مترنحة تلتقط انفاسها عند أول كرسي وتلتفت إلي بدون صراخ أو حتى بكاء، تحدق في رافعة يدها بانكسار لتودع، تصعد إلى الكرسي بعناء دون مساعدتي في شيء ثم تطأطئ رأسها وحبات الدموع تنزل على ركبتيها المكشوفتين فتمسحهما برفق ساندة راسها على المسند وتغط في النوم.