تميزت الهبات التي شهدها العالم العربي في بداية هذا العقد بمشاركة واسعة من النساء . لقد تواجدن بكثافة في ميادين التحرير في مصر واليمن وفي تونس، وفي الثورة السورية عندما لم تزل في طابعها السلمي المدني، قبل أن يجري حرف مسارها نحو الاقتتال الداخلي، وتأتي جحافل التكفيرين إلى الأراضي السورية .
مع ذلك فإن النساء، كفئة مجتمعية، كن الأكثر تضرراً واستهدافاً أثناء هذه التحركات . تكفي الإشارة إلى حالات التحرش الواسعة التي عرفها ميدان التحرير في القاهرة، وربما في غيره من الميادين المشابهة في عواصم عربية أخرى . سيبدو الأمر أكثر فداحة حين نتأمل في "عواقب" هذه الهبات على وضع المرأة العربية .
في الأصل فإن فكرة التقدم والعدالة الاجتماعية اقترنت دائماً بضمان حرية المرأة وكرامتها وتقدمها، ويمكن التذكير هنا بالعبارة الشهيرة لكارل ماركس وهي أن "معيار تقدم أي مجتمع يقاس بمدى تقدم المرأة فيه"، وهو ما أدركه رواد النهضة العرب في القرن التاسع عشر، وطلائع حركات التحديث الفكري والمجتمعي التي أتت بعدهم .
ليست مجرد مصادفة أن قاسم أمين سبق في إصدار كتابيه: "تحرر المرأة" و"المرأة الجديدة"، إصدار الشيخ علي عبدالرزاق كتابه عن "الإسلام وأصول الحكم" عام ،1925 فيما صدر الكتابان الأولان، على التوالي، في عامي 1889 و ،1900 ما دلّ على وعي العقول التنويرية يومذاك ما للنهوض بأوضاع المرأة وحقوقها من مكانة كبرى في النهضة الحضارية عامة .
لكن المفارقة أننا، رغم تلك الهبات، عدنا، على الأقل في الكثير من الأوجه، القهقرى، إلى المرحلة التي ثار على قيودها قاسم أمين ومجايلوه من رواد النهضة، حيث يسود خطاب مهين للمرأة ومزدر لدورها، ويتراجع وعي النساء أنفسهن بحقوقهن، من حيث كونهن صاحبات قضية لها خصوصيتها، حتى لو كانت مرتبطة بالشأن المجتمعي العام .
تبدو الباحثة المصرية د .شيرين أبو النجا على حق حين تطرح في مطالعة حديثة لها مأخذاً على الحراك الوطني المصري، الذي اتخذ من ميدان التحرير منطلقاً وساحة له، وهو تغييب المطلب الخاص بحقوق المرأة من أن يكون أحد مطالب الثورة في حينه، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار المساهمة الحاسمة للنساء في تلك الثورة .
لا يصح هذا على مصر وحدها . لنتذكر أن الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح وصم مشاركة نساء بلاده في الثورة عليه بأقذع العبارات .