الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

حاملات هم أم صانعات همة؟

  • 1/2
  • 2/2

د. ديمة طارق طهبوب - " وكالة أخبار المرأة "

لم يكن عبد الرحمن بن عوف أي صحابي بل من العشرة المبشرين بالجنة و من أصحاب السبق و الموقف في حياة المصطفى و بعد مماته صلى الله عليه وسلم، لذا فرؤيته وتصرفه تنبع من المدرسة النبوية والتصاقه و التزامه بها وتصدر عن مشكاتها، ثم وجوده في موقف حساس عهدت اليه الأمة بأمانة الترجيح بين مرشحين في زمن الخلافة الثالثة بين عثمان و علي فكان فعله غاية في السمو و التقدم والوعي. وقد جاء في الحديث الذي يخبر عن هذه المرحلة: «ثم نهض عبد الرحمن بن عوف يستشير الناس جميعا فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس و أقيادهم جميعا وأشتاتا مثنى وفرادى ومجتمعين…حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن…»
و في العبارة «حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن» ايحاءات غاية في الدقة فهو في هذا الأمر العظيم والوقت العصيب و مفترق الطرق من حاضر و مستقبل الأمة لم يقبل أن يُهمش نصف المجتمع، لم يرض ان تكون المرأة متلقية للقرار السياسي الذي سيؤثر على حياتها بل أرادها مشاركة و صانعة له منذ الخطوة الأولى، لم يقبل بالرجال لينوبوا عنها أو توكلهم في أمرها، فلماذا يكون رأيها مطلوبا في زواجها تصريحا او تلميحا و لا يكون مطلوبا في قضايا المجتمع؟ ألا تتأثر فيها بذات درجة تأثر الرجال؟! ألا تصب القرارات التي يأخذها الرجال في محافلهم العامة في صلب و منتصف حياتها و بيتها ؟فلماذا يسد عنها أحد في القرار و الرأي و ماذا يمنع أن تكون هي حاضرة في صناعة الحدث؟! في العبارة اشارات أخرى يدل عليها فعل (خَلُصَ) بمعنى ان ابن عوف بذل جهدا في تغيير المجتمع وعاداته واقناعه حتى يخلّو بينه و بين استشارة النساء فالمجتمع القبلي المحافظ الخ من تعدد الصور و الالقاب كان بعمومه لا يرى المرأة سوى حاملة للذرية و راعية للبيت حتى جاء الاسلام و أكرمها بالفاعلية و العطاء، و لكن بقيت علائق فكرية و ممارسات تحصرها فقط في خدرها و تبالغ في وضع القيود عليها، أو تفسر الدين على الهوى و تعزله عن سياقه حتى بلغت السفاهة أوجها في ايامنا فجرى المثل «شاوروهن و خالفوهن»، و لم تعد المرأة تذكر الا و يستدل المغرضون و الجهلة بحديث ناقصات العقل والدين دون فهم معناه وسياقه فيسيئون للدين وصورة الدين الذي أتى لإكرام المرأة!
لم يرض ابن عوف وهو في موقع المسؤولية و الأمانة أن تقبل المرأة ان تنأى بنفسها عن الميدان او تكون مجرد زوجة او ابنة او راعية بيت او ربة منزل فقط، كل هذه منازل عظيمة و لكن لا يمنع معها أن تكون صاحبة وعي و فكر و دور اجتماعي فحولها من دور المتلقي و المنفذ إلى دور الاطلاق و المبادرة، فهم أن دوره كرجل مسؤول يقتضي ان ينهض بالجميع رجالا و نساء حتى من اخترن لأنفسهن ميدان العائلة فقط، ففي أمر الأمة رأى ابن عوف أن دور ورأي المرأة بذات الأهمية كدور الرجال و لم يقبل بالوكالة أو الإنابة عنهن.
تأتي هذه الممارسة في العصور الراشدة لتوضح التباين الكبير الذي وصلت إليه مشاركة المرأة فيما يعرف بمواطن صنع القرار وحالة الغياب شبه التام او الوجود التجميلي للمرأة فيها الذي جعل المجتمعات الدولية تلاحقنا بعصا العولمة والعلمنة لما يعرف بحرية المرأة وحقوقها التي أدركناها وهم ما زالوا في اوروبا يتناقشون في روح المرأة و كيانها من روح الرب ام روح الشيطان؟!
تأتي هذه الممارسات لتكون شاهدا على الحركات الإسلامية التي تتبنى المرجعية الدينية في ايديولوجياتها و ما زالت تناقش في وجود المرأة و محدداته و الأبعاد الشرعية ويتشدد بعض ويتساهل آخرون و تضيع المسألة و يبقى وضع المرأة في الحركات الإسلامية كما عدديا و ليس نوعيا بل يلجأون إلى الكوتا من باب التمكين التدريجي لإدماج المرأة في العمل السياسي الإسلامي وأي تدرج ظل ونحن في القرن الواحد والعشرين و بعض الدول تقودها نساء؟! بل أي رجل من الذين يعملون في الحركات الإسلامية يمكن أن يقدم أو يؤثر امرأة كفؤة بمنصب شغله الرجال من قبل؟ بل أي حركة أخرجت النساء من قطاع العمل النسائي الصرف إلى العمل في كل القطاعات؟!
لقد عدنا نحبو بعد أن كنا قطعنا السباق كله في عصر الرشد ولكن الرائد يومها كان ألمعيا مجددا استفز في المجتمع كل طاقاته وحرك كل أفراده و لم يرض للنساء ان يبقين في حجرهن، لم يرض ان تحمل النساء هم قرارات الرجال في الحرب أو السلم، في الإقدام أو الاحجام، بل أراد لهن ان يكن صانعات القرار وباعثات الهمة ومنطلق العمل فكل العظيمات من النساء اللواتي خلد اسمهن في التاريخ كن جنبا إلى جنب رجالهن و ليس كما يقول المثل «وراء كل رجل عظيم امرأة»!
إرثنا الإسلامي و الحضاري متقدم بل و سار كل المسيرة و قدم النموذج، نحن الذين تأخرنا عن اللحاق و أعاقنا البعض من الداخل فمن أراد العودة إلى السكة فعليه بنهج الراشدين المهديين كما أخبر الرسول في تفعيل المرأة و دورها حتى لا يبقى المجتمع يحجل على قدم واحدة و يعمل بنصف طاقته!

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى