فى الوقت الذى تتصاعد فيه الأصوات المنادية بحجب المرأة، واعتبار كل ما يبرز منها عورة، حتى صوتها، يجتهد الباحثون عن سماحة الإسلام فى إبراز جمال الدين، ومساحات الفن والحرية التى لم تكن حكرا على الرجال فقط، فطوال الوقت كانت النساء تشارك جنبا إلى جنب فى غزوات المسلمين، ويعلّمن، ويمرّضن ويحفّظن القرآن، وهوما دفع الشيخ أبو العنين شعيشع قبل وفاته فى 2011 للتقدم بطلب رسمى للإذاعة المصرية، يدعو فيه إلى اعتماد مقرئات للقرآن الكريم، بعد موافقته على طلب انضمامهن للنقابة، واجتيازهن الاختبارات بنجاح، فقد وجد أنه ليس هناك مانع شرعى من عمل المرأة قارئة قرآن، وقد عملت بالإذاعة قارئات منذ 50 عاما.
قد يبدو غريبا للبعض أن يعرفوا ذلك، لكن بالفعل كانت هناك قارئات للقرآن فى #مصر، تمتعن بأصوات جميلة وحضور قوى، مع ذلك اختفت سيرهن وسط موجات التشدد الدينى فلم يعد أحد يعرف عنهن شيئا!
"مبتدا" يفتح ملفات التاريخ ويتذكر معكم أهم قارئات القرآن فى #مصر.
الشيخة أم السعد
اسمها أم السعد محمد على نجم، ولدت عام 1925 فى قرية البندارية بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وشاء القدر أن يُصيب المرض عينيها بينما لم تكن قد تجاوزت العام الأول من العمر، واتجه أهلها للعلاج الشعبى المتاح فى القرى فى ذلك الوقت، بالكحل والزيتون، مما أدى إلى فقدان بصرها بالكامل.
اتجهت أم السعد لحفظ القرآن فى سن الخامسة عشرة من عمرها، وحصلت على إجازات في القراءات العشر، وهى فى الثالثة والعشرين من عمرها، وحينما ذهبت إلى الشيخة نفيسة بنت أبو العلا، التى كانت توصف بشيخة أهل زمانها، اشترطت على أم السعد ألا تتزوج أبدًا، وفى اعتقادها أن البيت والأولاد ومتاعب الحياة الزوجية، تُلهِى البنات عن القرآن الكريم.
وافقت أم السعد على الشرط وقتها، وحصلت بالفعل على إجازات فى القراءات العشر من شيختها نفيسة، لكن بعد عدة سنوات، خالفت شرطها وتزوجت الشيخ نعمان محمد فريد، أشهر القراء فى إذاعة #الإسكندرية، وأقرب تلاميذها إليها، واستمر زواجهما أربعين عامًا، لم تنجب فيها أطفالًا، وعلقت على ذلك قائلة: "الحمد لله، أشعر أن الله يختار لى الخير دائمًا، فلو أنجبت ربما انشغلت بأولادى عن القرآن، وربما نسيته".
كان أكثر ما أسعدها أن مئات القراءات يبدأ سندها (تسلسل الحفاظ) باسمها، ثم اسم شيختها نفيسة، ليمتد عبر مئات الحفاظ والعلماء، حتى ينتهى بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أشهر طلابها القارئ الطبيب أحمد نعينع، والشيخ مفتاح السلطانى.
توُفّيت أم السعد فجر يوم 16 من رمضان عام 2006 وشُيعت الجنازة من مسجد ابن خلدون بالإسكندرية.
منيرة عبده
قرأت القرآن الكريم وهى فى الثامنة عشرة من عمرها عام 1920، وكانت كفيفة أيضا، وهى أول مصرية تعتمد كقارئة للقرآن فى الإذاعة المصرية، وأحدث ظهورها ضجة فى العالم العربى.
انتشر صوتها العذب خارج #مصر، حتى إن أحد الأثرياء التوانسة عرض عليها إحياء شهر رمضان مقابل أجر "ألف جنيه"، فى عام 1925، وهو مبلغ ضخم وقتها، لكنها رفضت، وفضلت البقاء فى القاهرة، فقرر التونسى قضاء رمضان فى القاهرة حتى يتمتع بصوتها العذب.
وفى عام 1934، كانت منيرة فى طليعة الذين رتلوا القرآن، وتقاضت أجرا 5 جنيهات، فى الوقت الذى كان الشيخ محمد رفعت يتقاضى فيه 10 جنيهات، ولكنها اصطدمت بفتوى ظهرت فى بداية الحرب العالمية الثانية تلخيصها أن "صوت المرأة عورة"، فكفّت عن التلاوة.
كريمة العدلية
احترفت ترتيل آيات الذكر الحكيم بصوتها العذب، وإنشاء المدائح النبوية، ووصل صوتها إلى العالم العربى من خلال الميكرفون أيام الإذاعات الأهلية، حتى تم تمصير الإذاعة، وكانت تُذيع القرآن الكريم بصوتها، حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية، وكان الشيخ على محمود يُفضل صوتها العذب الجميل على أصوات بعض القُراء الرجال.
سكينة حسن ونبوية النحاس
إضافة إلى ما سبق، فإن السيدة سكينة حسن هى أول قارئة تسجل بصوتها آيات قرآنية على أسطوانات، فى مطلع القرن العشرين، كما تعتبر السيدة نبوية النحاس، آخر سيدة مصرية ترتل القرآن الكريم فى الاحتفالات العامة، والمناسبات الدينية، وكان الاستماع إليها مقصورًا على السيدات.