الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

النكد ،،، وراك ... وراك

  • 1/2
  • 2/2

الكاتبة الصحفية: عاليه اسحاق الشيشاني - الأردن - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

تعبت (كما العديد من الناس)  من اخبار الحروب والنزاعات من حولنا ، منذ نحو اربع سنوات ونحن نشاهد الدول العربيه تتهاوى مثل احجار الدومينو الواحدة تلو الاخرى ،  وربيع ثوراتها تمت سرقته وتجييره من قبل من لا هم لهم سوى البقاء على كراسي الحكم ، ابناء الشعب الواحد يقتتلون فيما بينهم في نزاع لا ينتهي ، ووسائل التكنولوجيا الحديثه تكفلت بنقل صور تلك الفظائع لنا في بث حي ومباشر ، حتى وصلت لمرحلة توجب علي فيها مراجعة نفسي والتوقف عن متابعة القنوات الاخباريه فانا لا املك من الامر شيئا ، ولان اثار التوتر النفسي الناجمة عن تلك المشاهد قد بدأت تنعكس سلبا على صحتي .
الاقلاع عن عادة مستحكمة في الانسان ليس بالامر الهين،  ولكي تنجح في ذلك ينبغي عليك ان تملأ الفراغ الناجم عن ترك العادة القديمة باتباع عادة جديده ، وهذا ما فعلته ، فبدأت بتقليب قنوات التلفزيون املا في العثور على برنامج كوميدي او مسلسل راقي في مضمونه ، وعثرت على غايتي ( او هكذا اعتقدت)  ، مسلسل باكستاني مدبلج يحمل اسم ( حب عبر الحدود) كان الاسم مشجعا ، وبدأت في الصباح التالي بترتيب طقوس المشاهده ، كوب من الشاي الساخن مع شطيره ، والكثير من الاسترخاء امام شاشة التلفزيون . وبعد حلقتين او ثلاث ، انكشف المستور، ويا فرحة ما تمت ، فقد كان المسلسل من النوع التاريخي ، اذ يتناول  فترة استقلال الهند عن بريطانيا ثم انفصال الباكستان كدولة مستقله ، والشخصيتان المحوريتان في المسلسل كانتا شخصية (حسان ) الشاب المثقف الطموح والذي يناصر حزب الاتحاد الاسلامي وخطيبته ( بانو) الفتاة الرقيقة الجميله .
دخل حسان في سجالات حاده مع زوج عمته ( سليم ) وهو ايضا شقيق( بانو) فحسان يرى ضرورة تحديد مصير مسلمي الهند قبل رحيل الاحتلال الانجليزي واستقلال المسلمين  ضمن دولة باكستان ، وسليم يرفض تقسيم الهند ولا يرى أي خطر قادم من جهة الهندوس رغم الاخبار المتواترة من مناطق اخرى، وحتى في محيطه القريب،   حول انتهاكات وقتل يحدث بين الطرفين ، ويسافر حسان الى لاهور مع والدته للحاق بعمله ، ويقع الانفصال في تلك الفترة ويبدأ مسلسل المذابح ، ويبقى سليم حتى اخر لحظه مقتنعا بان لا خطر سيأتي من جيرانه الهندوس الى ان يهاجموا بيته في احدى الليالي مسلحين بالسيوف والخناجر ويذبحوا كل الذكور، بينما تقوم النساء بالقاء انفسهن من الطوابق العليا هربا من التعرض للاغتصاب ، تلقي زوجة سليم الحامل بنفسها الى الارض وتشاهد زوجها يتخبط بدمائه ، فتزحف اليه وكلها امل بان تتمكن من الامساك بيده قبل ان يلفظا انفاسهما الاخيره ، الا ان احد الهندوس يدوس على يدها ويعاجلها بطعنة من حربة بيده ، وتبقى بانو ووالدتها اخر الاحياء في المنزل ، لا تتجرأ بانو على القاء نفسها من الطابق العلوي فتحاول والدتها خنقها بيديها لتخليصها مما هو اسوأ من الموت . في هذه الاثناء يبادر احد الشباب الهندوس ، بعد ان استيقظ ضميره،  بمساعدة بانو ووالدتها في اللجوء الى احدى المعسكرات لترحيلهما الى باكستان ، وفي اثناء مغادرتهما للحي تحت حماية الشرطه ، تحدق والدة بانو في عيني جارتها الهندوسيه بنظرات حيره وعتاب وتساؤل ، هل هؤلاء هم الجيران والاحبة الذين تقاسمنا معهم حلو الحياة ومرها .
هي ذات المشاهد التي تعايشها بعض الدول العربية من حولنا ، بالامس القريب اسدل الستار على حرب اهليه طحنت الجميع في لبنان ، وفي سوريا يقتل الجار جاره وتنتهك الاعراض وفي العراق القتل على الهوية مستمر منذ سنوات وتفجير المساجد والمقدسات ، وفي كلا البلدين يتم الاستقواء على الاقليات الدينية والعرقيه. وهناك دول اخرى على الطريق .
لم يختلف علي الوضع كثيرا بين ما اشاهدة في النشرات الاخباريه وبين ما شاهدته في هذا المسلسل الذي قضى على امالي في الحصول على بعض التسلية والفائده في ساعات الصباح وبدلا من ذلك وجدت نفسي ابحث عن مصادر موثوقة للمعلومات تؤكد ما شاهدته في المسلسل، فاذا بي اكتشف ان الواقع ادهى وامر مما احتواه المسلسل ، تاريخ يثبت ان الانسان كان مغرما دائما بالتضحية وتقديم القرابين البشريه ، ظلوم جهول ، هو الوصف الادق والانسب الذي ورد في القران الكريم يصف هذا الكائن الذي من المفترض انه سيد الكائنات الارضيه .
قصة انفصال الباكستان عن الهند ثم انشاء دولة بنغلادش وقضية كشمير،  وما سبقها واعقبها من مذابح كان المسلمون فيها الطرف الخاسر ، اذ تغلبت دولة الاسلام على دعوة الاسلام ، وتم افناء اجيال عديده من مسلمي الهند باشراف ومتابعة حثيثة من اعرق الامبراطوريات الاستعماريه ( بريطانيا) . وفي كل مرة كان المسلمون يحرزون فيها تقدما على الارض كانت بريطانيا ومعها شقيقاتها الاستعماريات تبادر الى فك الاشتباك بتقديم مبادرات وقف اطلاق النار ومشاريع لا قيمة لها على ارض الواقع ، ليخسر المسلمون بعدها ما احرزوه من مكاسب . ومن اراد ان يعرف المزيد فمصادر المعلومات متاحه .
رحلة بانو الفتاة الجميله التي خرجت مع والدتها واعداد اخرى من اللاجئين بحثا عن طريق يؤدي الى محطة القطارات والوجهة طبعا هي الباكستان ، ومعناها بالاوردية ( الارض الطاهره او المقدسه) . تلك الرحله قطع مسيرتها اعداد من الهندوس الذين هاجموا القافله وقتلوا  واعتدوا على النساء ، وفي الصباح التالي يشاهد احد المزارعين من السيخ جثث القتلى ومن ضمنهم والدة بانو ، فيدفن الجثة ويقوم باسعاف بانو ، وبعد ان تتعافى يصطحبها الى محطة القطارات ويوصي النساء المسافرات بالعناية بها ، الا ان رحلة القطار لم تكتب لها النهايه المرجوة بسبب قيام اعداد من السيخ بمهاجمة القطار وقتل واسترقاق النساء وكانت بانو من نصيب رجل يدعى بسنت سنج ، الذي اجبرها على الزواج منه وفق طقوس السيخ ،وعاشت في بيته خمس سنوات انجبت خلالها طفلا وبقيت على اصرارها المعلن بانها تنوي الهرب والذهاب الى الباكستان الى ان يتحقق مرادها بوفاة زوجها او سيدها الذي استرقها .
على الجانب الاخر من الحدود  بقي حسان لسنوات عالقا وهو يبحث عن بانو بين الاحياء والاموات كلما وصل قطار من الهند يحمل جثثا لمسلمين ، او كلما سمع بخبر او احس ببارقة امل ، يرفض الزواج رغم الحاح والدته ، واخيرا يتملك حسان اليأس من العثور على خطيبته  ويتقدم لخطبة احدى قريباته ، لكن وصول بانو مع ابنها الى هناك يغير مجرى الاحداث مؤقتا ، وسرعان ما يكتشف الجميع ان بانو لم تعد كما كانت قبل الماساة ، واصبح همها الاكبر ليس الزواج من خطيبها ، وانما العمل على اعلاء شأن  الباكستان التي طالما رددت انها تستحق كل التضحيات التي بذلت من اجلها ،  وتدخل معترك الحياة لتكتشف ان الباكستان الارض الطاهره،  ليست كما رسمتها في مخيلتها،  فهناك وجدت قيم التغريب منتشرة بين طبقة الاغنياء ، واستغلال الفقراء واستملاك اراضيهم ، اولاد الاغنياء يدرسون في احدث المدارس الاجنبيه بينما اولاد الفقراء يفترشون الارض داخل ابنية مدارس مهدمة الجدران يرى باطنها من ظاهرها ، فتيات فاتهن قطار الزواج بسبب فقرهن وهكذا ، الواقع الذي عايشته بانو  ليس حالة باكستانيه خاصه ، ولكن تواتر التجارب المؤلمه عليها وهي بعد صغيره اثرت عليها حتى باتت منفصلة عن واقعها وينتهي بها المطاف في مصحة للامراض النفسيه بعد ان تقتل رجلا حزبيا حاول الاعتداء عليها .
وبعد ، هل تتفقون معي بان احداث المسلسل المذكور ما زالت مستمرة الى يومنا هذا ، فحال (بانو ) لا يختلف كثيرا عن حال العديد من الفتيات العراقيات سواء المسلمات او ممن ينتمين الى الطائفه اليزيديه او سواها من الطوائف ، قتل واسترقاق ونشاط محموم في  اسواق النخاسه بعد قرون من اغلاقها .
ما حدث في الهند بين المسلمين والهندوس والسيخ بسبب قضية الانفصال حدث مثله اثناء تفتيت يوغسلافيا السابقه ، اقتتال بين اطياف المجتمع اليوغسلافي بوشناق وكروات وصرب ،  وحدث ويحدث في اماكن اخرى من العالم ، فالدهر كالدهر والناس كالناس .
عندما يقف الواحد منا على شرفة منزله في ليلة صيفيه رائقه قد يتساءل : ترى ما الذي يمكن ان يعكر صفو هذا السلام والامان ، ما الذي يجعل الانسان ينتهك حرمة الجوار والاخوة في الوطن ؟
دهاليز النفس البشريه  المعقده والمتشابكه عندما تتحكم بها الاهواء والمطامع ، لن تعدم نظرية او مشروعا يتقدم الدبابة او البندقية ،، نظرية الحاكميه الالهيه ، نظرية ولاية الفقيه ، نظرية شعب الله المختار العائد الى الارض الموعوده ، نظرية الاوروبي المتحضر الذي جاء يهدي الامم المتخلفه مشاعل النور والحريه ،، وفي السياسه نظرية مكافحة الشيوعيه ، ومبدأ المجال الحيوي الذي يتيح للدول الاستعماريه ابتلاع الكيانات الصغيرة القريبة منها ، ونظرية مكافحة الارهاب ......
الى اللقاء مع مسلسل نكدي جديد .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى