المرء عندما يتقدم في السن ، وتذوي قوته عاما اثر عام ، وتخونه صحته ، يحتاج كغيره من البشر ، الى اهتمام خاص ورعاية وابتسامة طيبه نابعه من القلب ، انه بحاجة الى فترة زمنية لاستيعاب وتفهم التغييرات الجسديه التي تطرأ عليه والتي يواكبها في الغالب تأثيرات نفسيه ، وهذا الكلام ينطبق على الذكور والاناث . وقبل كل ذلك المسن بحاجة الى الشعور بالاحترام والتقدير ممن حوله .
ذات مرة اشتكى لي احد المعارف من كبار السن ، من ان وسائل المواصلات العامه غالبا تتجاهله عندما يومىء لها على الطريق ، وتستمر في سيرها دون ان تتوقف وتقله . وعندما سألته عن السبب ، اجاب لانني رجل طاعن في السن ، وحركتي بطيئة وسائقو الباصات والسيارات العمومي دائما مستعجلون لالتقاط المزيد من الزبائن ولا يهدرون وقتهم في انتظاري ، ومضت الايام ونسيت ذلك النقاش ، الى ان كنت متواجدة ذات مرة بالسوق لشراء بعض الحاجيات ولمحت رجلا مسنا يومىء لباص ركاب بالتوقف قابضا بيده على اجرة الركوب مسبقا ، الا ان الباص مر من جانبه وابطأ قليلا من سرعته وعند اقتراب الرجل منه واصل السائق طريقه دون ان يقله ، بقي المسكين يهز رأسه بأسى واقفا في الحر .
لست بحاجة الى القول انني لا اقصد التعميم ، فهناك العديد من سائقي العمومي على خلق وتهذيب واتقان لعملهم ، لكن هناك على النقيض من ذلك ايضا ، وهذا ما شاهدته بعيني ، اظن ان على سائقي المركبات العموميه وخاصة الباصات الادراك بانهم يقدمون الخدمة لمواطنين من مختلف الاعمار والفئات ، وعليهم التوقف بشكل تام لتحميل وتنزيل الركاب ، بدل السباقات التي يخوضونها مع بعضهم البعض على الطرقات لتحميل عدد اكبر من الركاب وبالتالي تحقيق ايراد اكبر ، ارجو منهم ان يفهموا انهم ليسوا في تمرين عسكري يخفف فيها سائق العربة من سرعته قليلا دون توقف ليقفز الجنود منها .
برغم مرور اعوام طويله على حدوثه ، الا انني لا انسى مشهد رجل مسن حضر الى احدى فروع دائرة الجوازات العامه بغرض تجديد جواز سفره ، سار ببطء متكئا على عصاه وبيده اوراق ، ليسأل احد الموظفين من اين يبدأ بمعاملة تجديد جواز السفر ، وبدون مقدمات بدأ الموظف يكيل له سيلا من الانتقادات ، ساحاول ان اعرضها بالعربية الفصحى (انت رجل كبير ، لماذا حضرت لوحدك لانجاز معاملتك ؟ لماذا لم يحضر معك أحد من ابناءك او اقاربك ليساعدك ؟ انا اعرف انك حضرت لوحدك عن قصد ، لكي تجبر احدنا هنا على السير امامك واتمام معاملتك نيابة عنك ، حسنا تفضل امامي ) .
ما جدوى المساعدة التي قدمها الموظف لذلك الرجل اذا استبقها باللوم واتبعها بالمن ؟ كل ذنب ذلك الرجل المسن الذي وقف مشدوها من انتقادات الموظف ، كل ذنبه انه حاول الاعتماد على نفسه في تصريف شؤونه لاسباب عديده قد يكون من بينها ان لا احد من ابناءه تطوع لمساعدته او لوجودهم خارج البلاد او لعدم وجود ابناء لديه اصلا وغيرها من الاسباب المحتمله ، وبعد ذلك نلوم كبار السن عندما يعتمدون علينا في امور حياتهم او يتدللون كالاطفال ، بينما في الغرب نرى المسن وقد ناهز التسعين يقود سيارته بنفسه ويتسوق احتياجاته ويرتاد الحدائق والمتنزهات ويحظى بالمعامله الطيبه اينما حل ، هيئوا للمسنين في بلادنا ظروفا مشابهه لظروف هؤلاء، ثم لوموا بعد ذلك اذا لمست منهم السلبية والتكاسل .
البعض لا يقوى على ايواء والديه او احدهما عندما تداهمه الشيخوخه ، ويستشعر في نفسه الضيق من خدمتهم فيلجأ الى ادخاله الى دار لرعاية المسنين ، وقد تنذر الاخت الكبرى نفسها لخدمة اخوتها الصغار بعد موت والدتها مضحية بامالها واحلامها في الزواج والانجاب او حتى التعليم ، وبعد ان يكبر الاخوة والاخوات ويتخذ كل منهم لنفسه اسرة وحياة خاصه يكون دار رعاية المسنين من نصيب تلك الاخت التي ضحت بنفسها .
احدى الناشطات في العمل التطوعي اخبرتني قصصا مؤلمه شاهدتها في مراكز ايواء المسنين بعض المقيمات هناك يتوسلن الى الناشطات الاجتماعيات اثناء الزياره للسماح لهن باستخدام هواتفهن للاتصال باخوتهن او ابنائهن وبناتهن ، وامام الحاحها ورجائها تستجيب الناشطه لطلبها ، ثم وبعد دقائق تتلقى مديرة المركز اتصالا من ذوي تلك السيده يحتجون فيها على السماح للنزيله بالاتصال بهم وازعاجهم .
المسن يحتاج الى التفهم والاحتواء واللطف لاعانته على السير قدما بحياته ، قد يحتد عليك لسبب تافه ، وقد يسرد على مسامعك نفس الحكايات والمواقف عشرات المرات ، وقد يعطل اشغالك بحركته ومشيته البطيئه ، ولكنه في النهاية انسان له الحق في استيفاء اجله ورزقه اللذان قدرهما الخالق له دون امتهان لكرامته .
ودائما نقول ، الخير في مجتمعنا باق باذن الله .