عندما طرقت ليندا مطر باب جارتها في أحد الأيام الانتخابيّة في بداية الخمسينيّات، لم يكن في نيّتها أكثر من سؤال المرأة عن الوجهة التي أخذت فيها سيارة غريبة ابنها المعوّق ذهنياً، بعدما جذبت انتباهها سيارة ركنت أمام بيت الجارة، فتوجّهت إليها لسؤالها عن مصير ابنها. لكن إجابة الأم أثارت غضب مطر: لم تكن والدة الصبي تدري تحديداً إلى أين أخذوا ابنها، سوى أنهم «سيعطونه ورقة ليسقطها في صندوق الانتخابات ثم يعيدونه».
عادت مطر إلى بيتها برأس يدور حول سؤال واحد: «ابن جارتي معوّق ذهنيّاً وينتخب، بينما أنا بكامل عقلي وممنوعة من الاقتراع؟». لم تنتهِ الحادثة عند هذا الحدّ. أيام قليلة وطرقت بابها سيدتان عرّفتا عن نفسيهما كعضوين من «لجنة حقوق المرأة اللبنانية». وبعد تعريف بسيط بالجمعية، دعتاها للتوقيع على عريضة الحق بالاقتراع والترشح إلى الانتخابات اللبنانية. وهكذا بدأ مشوار مطر النضالي. ولكن قد يكون من المُجحف بحقّ هذه المرأة، أو اختزال من قصتها، عدم العودة في سيرتها إلى الماضي أكثر. ليندا مطر أنهت تعليمها المدرسي بصعوبة. لماذا؟ اضطرت المرأة التسعينية (مواليد 1925) إلى العمل في سنّ مبكرة (12 عاماً) بسبب ظروف العائلة المادية. عملت في معمل للجوارب ثمّ في مصنع للحرير، بينما تابعت دراستها الثانوية في مدرسة ليليّة. بدأ شعورها بالتمرّد يتشكّل من حينه، أي منذ بدأت برؤية بعض النساء اللواتي لا يحظين في حقّ الاستشفاء وبعجزهنّ عن شراء الأدوية.
وعلى عكس ما هو مُتداول، لم يكن الزواج المبكر عائقاً أمامها. ربّما لاستثنائيّة ما فيها أو في شريكها، ولكن في نهاية الأمر نجحا سويّاً بدحض النظريّة السائدة. تزوجت وهي في السابعة عشرة من عمرها من «رجلٍ يملك تفكيراً مختلفاً، يعرف قيمة الحياة أكثر منّي».
ليندا مطر التي تدرّجت من عضو عادي في لجنة حقوق المرأة اللبنانية إلى مسؤولة فرع فمسؤولة منطقة وأمانة سر حتّى أصبحت رئيسة في العام 1978 وأُعيد انتخابها في العام 1981، لا تترك فرصة إلا وتدعو فيها إلى الحوار مع الرجل «علينا أن نتحاور مع الرجال الذين يملكون القرار في أيديهم من دون اللجوء إلى المواجهة أو إلى التصعيد».
تفخر بتجربتها اليساريّة، فانخراطها في الحزب الشيوعي علّمها رؤية الأمور من منظار متكامل، وتقديم استقالتها لم يكن إلا لرغبة منها بتفريغ نفسها لقضية المرأة من دون أي صيغة سياسية.
تعداد إنجازات هذه المرأة أشبه بالدخول في نفق لا ينتهي، نفق يعجّ بالمعجزات. من مشاركتها في تأسيس عدد من الهيئات النسائية وعضويّتها في قيادة الاتحاد النسائي الديموقراطي العالمي ومشاركتها كخبيرة وباحثة في عدد من المؤتمرات التحضيرية لمؤتمر بكين، وصولاً إلى اختيارها من مجلة «ماري كلير» الفرنسية في العام 1995 كواحدة من مئة سيدة يحرّكنَ العالم، وترشحها للانتخابات النيابية في العامين 1996 و2000 ولم تنجح، فيما كانت على دراية بالنتيجة، فهي مقتنعة بانعدام قدرتها على مجاراة البيوت السياسية وأموالها، وهي غير نادمة على ترشحها مع العلم أنها انسحبت من الأخيرة قبل يوم الاقتراع.
قليلٌ من تاريخ المرأة المذكور أعلاه، يجعل من الطبيعي فهم انزعاجها من غياب ثقة المرأة بنفسها. ما الذي تدعو إليه المرأة قبل كل شيء؟ «الاعتراف بأن عقل المرأة كامل»، هنا لبّ الحكاية. ومع كلّ ما حققته مطر في مجال نصرة المرأة وحقوقها ما زالت مؤمنة بأن الطريق طويل، وأنه ما زال أمام المرأة الكثير لتحققه. وعلى الرغم من كل الصعوبات لا تتراجع مطر أمام التحديات، حاملةً مبادئها قبل أي شيء آخر. من هنا ينبع انزعاجها، الذي عبّرت عنه في أكثر من لقاء صحافيّ، من تدفق الأموال لمساعدة جمعيات المجتمع المدني. برأيها هذا ما أفسد أسس عمل الجمعيات بحيث باتت تنشأ بغية الحصول على تمويل. هذا الرأي يُحيل إلى يوم رفضت اللجنة عرضاً تمويليّاً من وكالة التنمية الأميركية بعد احتلال العراق 2003، وذلك لارتباطه بالإدارة الأميركية ولاشتراطهم وضع شعارهم على المنشورات.