الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

انتفاضة تاء التأنيث في الشعر النسوي الموريتاني

  • 1/2
  • 2/2

نواكشوط: عبد الله ولد محمدو - " وكالة أخبار المرأة "

تزاحم المرأة الموريتانية الرجل في الآداب والفنون والإعلام كما تنافسه في مراكز صنع القرار، مفصحة عن تصوّراتها الفكرية لقضايا بنات جنسها أو أمتها، كاتبةً بيراعتها عن رؤاها، راسمةً بريشتها أحلامها، وهي تُسجّل بامتعاض، على لسان الدكتورة تربة بنت عمار، ميراثاً من الغبن والتهميش التّاريخيين مُورِسَا على إبداعها عبر عقود، ساعيةً إلى تجاوز واقع يرمق كبرياءها بعيون الازدراء.
البحث عن وجود
ترنو المرأة الشاعرة ورائدة القصيدة النسائية الحداثية مباركة بنت البراء إلى المرتقى الرّفيع بإصرار لفرض «الأنا» على «زمن بليد»، رافض لوجود هذه المرأة التوّاقة إلى السمو في عالم لا يُصغي كثيراً إلى صوت الأنثى، إنه البحث عن وجود متصدر لمسيرة التاريخ، تكون الشاعرة فيه «نقطة البدء»، ليس بمنّة رجل يمنحها نسبة تفضيلية، بل بارتقائها مكاناً علياً تنتزعه بمقارعة كوابح شموخها، فهي مُشهرة رمحها في نحر كل العوائق، صامدة في كفاحها حتى تتحقّق مطامحها، وتقول:
«سأرفع طاقتي للخلود…
وأشرع رمحي بقلب الوجود
فيفهم هذا الزمان البليد
بأني هنا
علم للصمود
بأني نقطة بدء».
إن هذه الشاعرة تتغنّى بالعشق، لكنه عشق من نوع خاص، له ميثاقه، عشق الذات الشاعرة، وهي بهذا العشق تأتي أمراً جللاً يهز عروش القيم الغزلية الشعرية السائدة، لذا نراها تسكّن من روعها بهذه الجملة المتكرّرة «لا تحزني»، طالبة من ذاتها البحث عن خلاص لجسدها المنبوذ الذي هو رمز كبريائها:
«قال لي الوتر:
للعشق دستورٌ فيا شاعرتي لا تحزني
لا تحزني وحاولي أن تنقذي جسدك المنبوذ
لا تحزني شاعرتي».
إن العشق الرجولي توشيح لجسد المرأة بلآلي الثناء، بينما تنعكس الآية هنا، فتصبح المرأة الشاعرة هي مصدر التوشيح، تخلع من عليائها أو «أنجمها» وشاحاً على صدور الرجال، حيث مكمن العشق، وتضع وساماً على رقابهم؛ مصدر التحكُّم، إنها تمنحهم من سموّها ما به يزدانون ويرتقون:
«وضعتُ للرجال منّي أنجماً على الصّدور
أتحفتهم أوسمة على الرقاب».
وتقاسم الشاعرة الراحلة خديجة بنت عبد الحي، بنت البراء هذا الشعور بزهو الأنا وشموخه الذي يتسامى كباسقة النخل رافضاً كل هوان:
«نخلة هـا هـنا أنـا أخـواتي/كبريائي تأبى قيود الهوان».
إن الشاعرة بنت البراء مهوِّمة مبحرة في تيه من الضياع بحثاً عن وجود، ورفيقُها في هذه الرحلة شطرُها الآخر، أو الشاعر، تعاني النّفي في عالم رجوليّ، لكن سلاحها هذه المرة ليس الرمح، وإنما هو مقول الصوت الصّدّاح وريشة الإبداع:
«ضائعةٌ ووتري مثلي
ونحن العاشقان
ضائعةٌ
منفيّةٌ
لكنّ لي روحين
لي قلبين
يا مدينتي
لي ريشة
ولي لسان».
هموم امة
تعالج الشاعرة حواء بنت ميلود قضايا أمتنا الخانعة المستسلمة بطريقتها الخاصة في قصيدتها «عفواً سيدتي»، وهي تعلن التخلّي عن صفتها كامرأة شامخة أبية، لتتحوّل إلى رجل سلام خانع وديع بعد أن تخلّى هذا الرجل عن «معتصَمِيّتِه» إزاء صرخات المظلومين، وهي بهذا التحوّل إلى الرجولية في لحظة اليأس والضعف تُعيد بأسلوبها الخاص فكرة شموخ المرأة واستعلائها على الرجل لدى الشاعرة بنت البراء، فلم تعد بنت ميلود تلك المرأة العظيمة الشامخة، بل أصبحت هيِّنةً هوانَ الرجل خانعةً خنوعَه:
«عفواً سيدتي !
سيدتي…
أرجوك لا تصرخي …
أرجوك لا تستنجدي…
كم من مرّة قلت لك إنني لست المعتصم !
وأن صراخك لا يُثير فى نفسي أية حمية …
أنا يا سيدتي أصبحت «رجل سلام»…
سيدتي..
لقد نفّذت جميع بنود الاتفاقية.!..
مزّقت دفاتري وأوراقي …
واستوردت نوعاً جديداً من الأقلام
لا يعرف الكتابة إلّا عن «السلام»!
يا سيدتي
فأنا لم أعد «أنا…»
بل أصبحت رجلاً يبحث عن السلام».
أما الشاعرة بنت عبد الحي فتصوّر، بمرارة، حال أمة لبست جلباباً من الشؤم، واتخذت من الخطابات الجوفاء جُرَعاً مهدئة/ لكي تبقى لاهية عن همومها:
«لا در يُرجى في وهاد أتـرعــت
من نقع طير الشؤم تهوي كالظلل
ما في الخطابات الطويلة سلوة
خسئت خطابات الحديث المرتجل
جـرع مهـدئـة تـزيـد عـنـاءنـا
مهـمـا بقـيـنـا وحـدنـا حـول الطلـل
لتظل من خلف الستائر زمرة
في الكهف لا يدرون ماذا قد حصل».
وتلوذ الشواعر الموريتانيات في معالجة هموم أمتهن أو قضايا المرأة بإرادة قوية، لا ينال منها الساخرون من أحلامها، فلها رصيد من الصبر لا تصل إلى كنهه أو تدرك مداه الأقمار الكاشفة، تقول بنت البراء:
«نِعَمُنا محسودةٌ من الجميعْ
لم يستطيعوا الآنَ فهمَ سرِّها
لم تكتشف أقمارُهم مخازنَ الصبرِ ولا مصانعَ الوعودِ والكلامْ».
لقد عالجت الموريتانية قضايا الأمة بقلب مشفق مثقل بالجراح، لكنها، في علاجها قضايا المرأة، لم تخلص من عقدة الشعور بهيمنة الرجل، فوجهت إليه سهام نقد لاذع بخطاب منتفض موتور فيه قدر كبير من الاستعلاء على رجولته.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى