تحتفل البلاد التونسية اليوم بعيد المرأة في ظل تطور الحياة السياسية في تونس التي باتت ثقافة تتناولها جميع فئات المجتمع دون استثناء بعد الثورة. فقد حظيت المرأة التونسية بمكانة هامة رغم أنها لم تصل بعد إلى المطلوب
خصوصا بعد إقرار مبدإ التناصف كحق دستوري زاد من نسب تواجد المرأة في مواقع القرار بعد إجراء انتخابات أولى تمثلت في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي ثم في مناسبة ثانية بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية السنة الفارطة.
عرفت وضعية المرأة التونسية في الحياة السياسية وفي المجتمع عموما تطورا هاما مقارنة بما قبل الثورة من خلال تطوير القوانين والمحافظة على مكتسباتها ضمن دستور الجمهورية الثانية. فارتفاع المشاركة النسائية في الحياة السياسية لم يكن وليد الصدفة أو نمو درجة الوعي الثقافي لدى المرأة، بل كان نتيجة حزمة من القوانين المفروضة على الأحزاب المشاركة في الانتخابات،
حيث تم اعتماد مبدإ التناصف في القائمات المترشحة لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011، لتبلغ بذلك نسبة النساء المترشحات 48 % من جملة المترشحين، في حين بلغت نسبة النساء الناخبات 46 %، ليصل إلى مقاعد البرلمان 49 امرأة من جملة 217 نائبا ونائبة ما يعادل 27 % منهم أي الربع تقريبا، وهي نسبة تبدو متوسطة مقارنة بدول الجوار رغم اختلاف عدد الدوائر الانتخابية في كل بلد حيث أفرزت الانتخابات الجزائرية في ماي 2012 ، 145 امرأة، والمغرب 63 امرأة في انتخابات نوفمبر 2011.
وفي هذا السياق، وبالرغم من إقرار مبدأ التناصف، إلا أن المرأة التونسية لم تتمكن من بلوغ نصف عدد الرجال في البرلمان، وما زاد من تهميشها وجودها المحتشم في الحكومات المتعاقبة في تلك الفترة، حيث اقتصرت حكومتا الترويكا على منح ثلاث حقائب وزارية إلى العنصر النسائي وهو نفس الأمر بالنسبة لحكومة المهدي جمعة.
لكن وبالرغم من النسبة القليلة للعنصر النسائي في المجلس الوطني التأسيسي إلا أنها تمكنت من فرض مبدأ التناصف العمومي في الدستور ليتحول بذلك إلى حق دستوري، ساهم في ترفيع نسبتها في الانتخابات الموالية وهي الانتخابات التشريعية لسنة 2014، فرغم تراجع عدد النساء المترشحات إلى 47 %، منهن 12 % رئيسات قائمات وارتفاع عدد المسجلات إلى أكثر من 50 %، فقد حقق العنصر النسائي 72 مقعدا بنسبة تفوق 31 %. لكن في المقابل غابت المرأة في الانتخابات الرئاسية حيث من بين 27 مترشحا في الدورة الأولى، كانت هناك مترشحة وحيدة وهي كلثوم كنو التي لم تستطع بلوغ الدور الثاني.
هذا النجاح النسبي الذي يحسب لتونس كديمقراطية ناشئة مقارنة ببقية الدول الإفريقية والعربية، ساهم في حصول مجلس نواب الشعب على جائزة المنتدى العالمي للنساء البرلمانيات لسنة 2015 في مارس الفارط تقديرا لتصدّر تونس البلدان العربية من حيث نسبة مشاركة المرأة في البرلمان، واعتبارا لمكانتها ومشاركتها الفاعلة في الحياة السياسية.
أسباب عدم إقبال المرأة على الحياة السياسية
وبالعودة إلى أسباب عدم إقبال المرأة على الحياة السياسية رغم أنها تمثل نصف المجتمع ومع ذلك فإن تمثيليتها في البرلمان أو الحكومة الحالية التي تضم 8 نساء، 3 منهم كتاب دولة، تعكس ثقافة الأحزاب السياسية في تونس التي تصدر قيادات ذكورية بامتياز. وفي هذا السياق، صرحت النائبة بمجلس النواب الشعب والنائبة في المجلس التأسيسي سابقا عن حركة النهضة ايمان بن محمد لـ»المغرب» أن العنصر النسائي كان حاضرا بامتياز في المجال الحقوقي خاصة أكثر من السياسة قبل الثورة، لكن بعد الثورة تطور حضور المرأة ليكتسح انتخابات المجلس التأسيسي
بعد إقرار مبدإ التناصف الذي لولاه لما تمكنت المرأة من التواجد في مقاعد البرلمان. وأضافت أن أهم اللجان التشريعية الفاعلة في التأسيسي ترأستها نساء وهي لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية ولجنة التشريع العام، وهو نفس الأمر بالنسبة لمجلس النواب الحالي الذي عرف تطورا في عدد النائبات.
وأرجعت بن محمد أسباب ضعف تواجد المرأة إلى ضعف تواجدها في المواقع الكبرى صلب الأحزاب السياسية دون استثناء، حيث بينت أن نساء حركة النهضة سعين إلى التحرك في المؤتمر الفارط لإقرار مبدإ التناصف في القانون الداخلي للحزب، إلا أنه في الأخير تم تطبيقه في مجلس الشورى وستسعى نساء النهضة من جديد إلى إقرار هذا المبدأ في المؤتمر القادم للحركة.
لكن بالرغم من تقزيم دور المرأة سياسيا، إلا أننا نجد حضورا للمرأة مكثفا في العمل الجمعياتي مقارنة بالعنصر الذكوري، فأغلب الجمعيات قياداتها نسوية كما أن عددا كبيرا من الجمعيات تختص بمشاكل المرأة على المستوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي وقد برزت بكثافة خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية من خلال تشجيع المرأة على الإقبال على الإنتخاب وتوعيتها وتثقيفها خصوصا بالنسبة للمناطق الريفية.
هل ترفض المرأة بدورها مناصب القرار؟
رجال السياسة يدفعون بدورهم تهمة الإقصاء والتهميش ويؤكدون أن النساء هن اللاتي يرفضن الترشح لمناصب سياسية أو مناصب ذات مسؤولية عالية وهو ما أكدته النائبة عن حركة نداء تونس نجلاء السعداوي في تصريح لـ«المغرب» بقولها إن ضعف نسبة تواجد المرأة سواء في البرلمان أو الحكومة أو في المناصب العليا سببه الخوف من الترشح لهذه المناصب وهو ما أبرزته عملية اختيار رؤساء القائمات بالنسبة لحركة نداء تونس خلال الانتخابات التشريعية، مبينة إنه أمر يرجع للموروث الثقافي العربي إذ ترفض المرأة أن تتحمل المسؤولية. ومهما كان الأمر، فإن مشاركة المرأة في الحياة السياسية في تونس تبقى متطورة وقريبة جدا من البلدان الأوروبية بعد إقرار مبدإ التناصف ونجاح التجربة الانتخابية السابقة، يؤكد أن المرأة التونسية ستكون حاضرة بقوة في الانتخابات البلدية والجهوية.
الحضور الباهت للمرأة التونسية في الحياة السياسية لا يمنعها من الريادة في مجالات أخرى وأبرز مثال على ذلك النائبة حياة العمري التي تحصلت مؤخرا على ثلاث جوائز عالمية في المسابقة الدولية للمخترعين المنعقدة بمدينة «كان» الفرنسية، حيث تتمثل في الجائزة الكبرى الفرنكوفونية، والتانيت الذهبي للجمهورية الفرنسية، والميدالية الذهبية لمسابقة الفيدرالية الاوروبية للمخترعين.
ضعف التواجد النسائي في النقابات
تهميش المرأة لم يقتصر على الجانب السياسي فقط في تونس، بل هناك شبه غياب للعنصر النسائي في النقابات العمالية في تونس رغم وجود تعددية نقابية خصوصا بعد الثورة حيث بلغ الحضور النسوي في الهياكل النقابية 13 % من الهياكل القاعدية و4 % فقط في الهياكل الوسطى والعليا. ويتواصل تهميش المرأة في الهياكل المسيرة للاتحاد التي بقيت على حالها منذ سنة
2007 بقرابة 2 % في أحسن الحالات رغم كثافة عدد المنخرطات في بعض القطاعات (أكثر من 50 %) يقابله ضعف فادح في الحضور صلب سلطات القرار والهياكل المسيرة. فالمرأة تمثل 48 % من جملة 517 ألف منخرط بالاتحاد العام التونسي للشغل لكنها غائبة في المكتب التنفيذي، في حين اقتصرت الهيئة الإدارية الوطنية على 4 نساء فقط بالإضافة إلى منسقة اللجنة
الوطنية للمرأة العاملة التي تحضر في أعمال هذه الهيئة بصفة ملاحظ. لكن في المقابل، وقد أكدت مختلف قيادات الإتحاد أنه بداية من المؤتمر القادم ستكون هناك تمثيلية للمرأة في المكتب التنفيذي والمكاتب الجهوية حسب القانون الجديد للاتحاد. لكن منظمة الأعراف عرفت تطورا نوعيا في رئاستها بعد انتخاب وداد بوشماوي رئيسة لها إلى حد الآن وهو تطور يحسب للمنظمة.
كما أبرزت مختلف القضايا التي مرت بها البلاد التونسية ولعل أهمها الأحداث الإرهابية وعيا كبيرا لدى المرأة في إبراز دورها في الشدائد وقد أطلقت مؤخرا رئيسة الحركة الديمقراطية
للإصلاح والبناء آمنة منصور القروي دعوة إلى بعث مرصد نسائي لمقاومة الإرهاب تشارك فيه السياسيات وعالمات الاجتماع والنفس والمربيات قصد التواصل المباشر مع الأسر عامة والنساء خاصة باعتبار أن دور المرأة أساسي في مقاومة الإرهاب والقضاء عليه ،لعدّة اعتبارات منها أنّها قريبة من الأسر وقادرة على التواصل مع مثيلاتها من النساء والخوض في جميع المواضيع معهنّ دون حرج حسب ما بينته رئيسة الحزب.
جميع المنظمات الدولية والعالمية أكدت في تقاريرها النهائية بعد مراقبتها للانتخابات التشريعية والرئاسية، أن تونس قد خطت خطوة نوعية نحو المساواة بين الرجل والمرأة في الحياة السياسية مقارنة بالسنوات الفارطة. لكن عديد السياسيين يرون أن مشاركة المرأة في الحياة السياسية لا تقتصر على الحكومة أو البرلمان أو أيضا من خلال تركيز قوانين تنص على إقرار مبدإ التناصف، بل لا بد من سنّ قوانين أخرى قد ترسخ عقلية جديدة أو ثقافة لا تنظر للمرأة على أنها مختلفة عن الرجل.