يستعد مهرجان العرس الشرقي في باريس الذي تحتضنه العاصمة الفرنسية خريف كل عام، لإطلاق تظاهرة نوعية جديدة هي "إسلامك فشن أوارد"، تتوج أعمال دورته الثامنة. والتي من شأنها الإحتفال بعروض الإزياء المستندة إلى المفردة الثقافية الإسلامية. والتي سيتنافس خلالها أهم مصممي الإزياء من مختلف مناطق العالم العربي والعالم الإسلامي.
وقد نجح هذا المهرجان في أن يتأكد كأحد أهم مراكز الجذب الثقافي الفرنسي، وفق تقديمه لأفق جديد يحتفل بالثقافة العربية الإسلامية في قلب ذاكرة المهجر. ويقدم لرمز نوعي من عمق هذه الثقافة، يبلور قيم المحبة والسلام والتكافل الاجتماعي والانفتاح على الآخر التي تستند إليها. كما صار في نفس الوقت يؤسس لركيزة لها أهميتها الخاصة في حياة شباب المهجر الذين يجدون في رحابه صدى لمختلف إنتظاراتهم المتعلقة بثقافة الأفراح وطقوس الزواج، وفق تقاليد تعود بجذورها إلى قلب ثقافتهم الأم.
وفي لقاء مع " وكالة أخبار المرأة في باريس تشرح السيدة زبيدة شرقي مديرة المهرجان: "تستجيب فكرة مهرجان العرس الشرقي في باريس" في واقع الإمر لحاجة بدت ملحة من طرف الشباب الفرنسي من الأصول العربية والإسلامية، أو الشرقية بشكل عام، المقبل على الزواج في فرنسا. والذين يرغبون في الاحتفال بهذا الحدث الجوهري في حياة الإنسان بطريقة تقليدية تعود إلى عمق الذاكرة الثقافية لأصولهم العرقية. وذلك بتوفير كل ما قد يحتاجونه في هذا السياق وفق نفس الشروط التي تتوفر للقادمين على الزواج من الفرنسيين الآخرين؛ والذين يجدون أمامهم عبر مختلف الصالونات أو المعارض والتظاهرات ما قد يحتاجونه. حيث إن الدراسة الميدانية التي سبقت فكرتنا في هذا الصدد قد أثبتت إن الشباب الفرنسي ذوي الأصول العربية يتجه بشكل جوهري للاحتفال بزواجه على الطريقة التقليدية التي تستند إليها ذاكرته الثقافية وهويته الحضارية. أي إن الشاب المسلم رغم ترعرعه في الوسط الثقافي الفرنسي، بالإضافة إلى نشوئه فرنسي الثقافة والهوية الوطنية، يميل بالأحرى في إحتفاله بهذا الموعد للإستلهام من الموروث الحضاري لثقافة الأهل".
وتضيف: "هنا يتحول البحث، بالنسبة للعديد منهم عن أين يمكن أن يجد الملابس التقليدية أو أين يمكن أن يجد الحلويات التقليدية أو من يعزف الموسيقى أو كيف تتم طقوس العرس ... وخلاف ذلك من الأسئلة العملية والحضارية، إلى مهمة شاقة قد تأخذ من كل عروسين شهورا وربما سنوات. وقد يضطرون لاستيراد كل ما يحتاجونه من البلدان العربية بكل ما يكلف ذلك من مصاريف، أو يضطرون لإقامة حفل زواج آخر في البلد الأم. ومقابل هذا يوجد من يقوم ويقدم كل هذه الخدمات في فرنسا لكنه يكون في أغلب الأحيان عاطلا عن العمل لأن الطلب لا يصل إليه... وفكرتنا في البداية قد نهضت للربط بين كل هذه الاطراف والجمع بينها في رقعة مشتركة تؤسس لبداية التواصل المعني".
وتستطرد: "من جهة أخرى أردنا تطريز الحدث بخلفية ثقافية تقدم لثقافة الأفراح في الثقافة العربية الإسلامية بشكل مواكب ومتمم قد تستهوي على السواء الزائر العربي أو الزائر الفرنسي، حيث كنا نتوقع أن تجذب المناسبة عددا لابأس به من الزوار من مختلف الانتماءات. غير إن مفاجأتنا كانت كبيرة، لأننا بسرعة كبيرة قد اكتشفنا أننا لا نستجيب لحاجة عملية ثقافية ونفسية من طرف أجيال المهجر، ولكن أيضا لعطش معرفي وثقافي من طرف الزائر الفرنسي. فقد تحولت التظاهرة إلى عرس عربي إسلامي سنوي في قلب باريس يرتاده أكثر من عشرين ألف زائر في اليوم. وهو رقم استثنائي بالنسبة للصالونات المتخصصة".
وتضيف مديرة المهرجان: "من ناحية أخرى نجد إن عدد الزواج بالشكل الذي يبحث عن هذا البعد التقليدي قد أخذ في الازدياد في الفترة الأخيرة بشكل لافت، حيث نجد نسبة 35% من مجموع الــ240 ألف زواج سنوي في فرنسا هو لشباب فرنسي من أصول عربية إسلامية. وهذا غير الزواج المختلط، والذين صاروا في مجملهم يسعون للتأكيد على حاجاتهم الحضارية الخاصة فيما يتعلق وطقوس الزواج والاحتفال به. كما إن التوجهات لقضاء شهر العسل في هذه الآونة صارت تتجه أيضا إلى البلدان العربية، فمدينة دبي قد أصبحت اليوم الوجهة السياحية الأولى لقضاء شهر العسل أنطلاقا من فرنسا. وهو الأمر الذي يعكس حاجة وجودية ملحة للتأكيد على الذاكرة وعلى الهوية العربية الإسلامية لدى هؤلاء. أي أننا هنا نقابل طلبا جديدا يبحث عن الذاكرة والهوية ونستجيب له وفق هذه التظاهرة السنوية التي تختصر أمام المعنيين مسافات الخيار في رقعة واحدة، قادرة على أن تقدم في نفس الوقت دعما اقتصاديا له دلالته، وبعدا حضاريا تعتز به هذه الأجيال".
وحول إنطلاقة "إسلامك فشن أوارد" التي تميز تظاهرة هذا العام تقول السيدة زبيدة شرقي:
"ما يميز عروض هذا العام هو إنطلاقة عروض إسلامك فشن أوارد، التي ستحتفل بالإزياء الإسلامية الراقية والتي تضاهي وتنافس أهم العروض العالمية التي تشهدها العاصمة باريس. وذلك للتأكيد على قدرة الفضاء العربي الإسلامي، ورغم كل الظروف، على المساهمة بحيوية خلاقة في تطريز فسيفساء الإبداع عبر العالم. وإن الإسلام، والثقافة الإسلامية لا تتعارض مع الإبداع، ولا تعترض حيويته كما تروج له بعض الإدعاءات الباطلة. والتي تحاول في الغرب تصوير الإسلام وكأنه يمنع أو يحارب مثل هذا النوع من العمل الفني والإبداعي خاصة في مجال الأزياء".
وتواصل: "ولا يخفى إن ثمة صورة نمطية متعسفة صارت تنشر عن المرأة المسلمة، أو عن علاقة المجتمعات العربية بأزياء المرأة بشكل خاص. والتي تقدم فيها باعتبارها غير قادرة على ارتداء إي زي جميل، وإنها لا تعرف غير التخفي الكامل خلف البرقع أو الملايات السوداء التي لا تعبر عن إي جمالية للزي.
حيث نسعى هنا من خلال تقديم عروض الأزياء الراقية لعدد من المبدعين والمبدعات العرب من مختلف البلدان العربية، ومن المسلمين من العديد من البلدان كأندونيسيا وماليزيا وباكستان ..وغيرها. وذلك لتقديم صورة مناهضة ومؤكدة على جمالية الإبداع العربي/ الإسلامي في هذا المجال. وعلى حيوية التعامل مع كل ما هو جميل وراق من طرف المرأة العربية والمرأة المسلمة، ومهما كان الزي الخارجي الذي تختار أن تخرج به للشارع".