رواية “الحافيات” الصادرة عن دار أزمنة الأردن عام 2006 بجزئيها الأول “وفاء” والثاني “فضيلة” هما قصتان طويلتان أقرب منهما إلى الرواية، خصوصا الجزء الأول المتعلق بوفاء. الرواية تتحدث عن امرأتين يجمعهما أكثر من قاسم مشترك واحد، وهو في الغالب مايجمع معظم نساء هذا الجزء من العالم الذي عاشته المرأتين، فهناك العقم تلك الإشكالية التي تعني الكثير بالنسبة للمرأة والرجل الشرقي سواءً كان الرجل السبب أو المرأة وإن تكن الضحية في أغلب الاحيان هي المرأة كما حدث للشخصيتين الرئيسيتين وفاء وفضيلة، فمع كليهما كان العقم سبباً قاهراً من الأسباب التي حولت حياة المرأتين إلى حياة مريرة لم تستطيعا أن تتجاوزاها بكل صورة ممكنة وكانت كل الحلول المتاحة تقود دائماً إلى نهايات مؤلمة وخسارات فادحة، فوفاء كان عليها بحكم الواقع الإجتماعي الذي تنتمي اليه أن تعوض العجز الذي يعاني منه زوجها ناصيف ” اقتدت كشاة أعدت للذبح، وكان الاتفاق مع القيمين بأن يكون الزرع لرجل أبيض، وكان ذلك، أُخذت من أحدهم مُني الحياة، ووضعوها في جوفي، مجهول الهوية يكون من حملت منه، وزوجي الماثل أمامي يفتخر بمنيّه الكاذب، يتفاخر بألا عيوب لديه، بأنه رجل متكامل، خلوق، حنون، مخلص … وصبر كثيراً على تأخري بالإنجاب.ص16 وتكررت مأساتها مع مولودها الثاني، فليس المطلوب منها أن ترضي غرور وحاجة زوجها فقط بل عليها أيضاً أن تلبي رغبات المجتمع أيضاً، بينما مع فضيلة تختلف الحالة فالمراة هنا هيً من تكون العاجزة عن الإنجاب، في مجتمع يعتبر الذرية مقياس لنجاح أي زواج،”لم يستطع الزمن الذي خذلنا جميعاً أن يسعدني بذرية.39″ لتتحول تلك السعادة المفقودة، الى مشكلة اجتماعية حينما تواجه من قبل شقيقها وزوجها بموضوع رغبة زوجها الزواج من امرأة أخرى تنجب له ما ينتظره من أولاد”- إذن يجب أن نجد حلاً … وشقيقك سامح موافق.- حل، سامح، لا أفهم، على ماذا يوافق شقيقي؟ وكان شقيقي أول دعاة عذاباتي، شقيقي الذي أحب يشجع زوجي على تطليقي، إن لم أوافق على زواجه من أخرى.ص43″.
القاسم المشترك الآخر لحياة الشخصيتين هو “الفقدان” سواءً فقدان من لا نحب أو نكره كما حدث مع وفاء بخسارتها لأشقائها الثلاث بالذبحة الصدرية الحادة، ثم وفاة أمها منيرة التي استحوذت عليها بطريقة ما وحولتها إلى دمية تلعب بها كيفما تشاء، كذلك يحدث نفس الشيء لفضيلة حين تُفجع بفقدان معظم أشقائها التسعة، ومن ثم هروب أبيها وموته، ومن بعده موت امها وزوجة أبيها فاطمة، ثم هناك “البحث” الذي يجمع بين وفاء وفضيلة، وهو أشبه ما يكون بهاجس مرضي، عن جدوى الحياة حين نتقاسمها مع الآخر مهما كان شكل العلاقة التي تربطنا به، سواءاً كان رجلا نكرهه كما يحدث لوفاء مع ناصيف، أو شخصاً نحبه كما يحدث لفضيلة مع عشيقها عبد، هذا البحث يتحول مع مرور الوقت وتوالي فصول الرواية إلى مهمة عسيرة تحتل حيزاً كبيراً من ذهن وفاء وفضيلة، في محاولة للوصول إلى الخلاص مما هن فيه من حيرة وارتباك وحصار فكري وجسدي يقترب بهن كثيراً من حافة التمرد والجنون كما حدث مع وفاء في واحدة من ساعات هروبها المستمر من بيت الزوجية ” داعبتني فكرة خبيثة، نزعت عني قميصي وبقيت بالصدرية، نظرت الى جسدي الابيض، وجدوته جميلا ناصعا كالثلج، ابتسمت أمام المشهد استمررت في طريقي قدت سيارتي بكل ثبات في شارع شديد الازدحام.19″ وحتى لو كان هذا البحث يخص حيوات أخرى كانت على تماس مع حياتهن كما يحدث لوفاء في بحثها الدؤوب في حياة أمها منيرة ” بحثت عن وضوح المواقف، نقبت في ذاكرتي عن أشياء تلهمني على تفسير كنه وشخصية هذه المرأة، التي يمكن لكل امرء أن يقع في حبها متجاهلاً متناسياً عيوبها. ص12 ” فلقد أثرت هذه الشخصية التي تحتل المكانة الثالثة في ترتيب الشخصيات الروائية بعد وفاء وفضيلة، بما تضمنته حياتها من خصوصيات وتشعبات كانت مؤثرة في حياة الكثيرين من الناس الذي عاشوا معها أو عاصروها، تلك المراة التي غامرت بالبقاء ببئر لأسابيع طويلة منتظرة إياب حبيبها، ولم تيأس من لقائه حتى بعد ثلاثين عاماً، لتلتقيه من جديد وتقضي معه ومع أسرته أسبوعاً لتعود بعد ذلك خائبة مكسورة الجناح.ص11 . بحثٌ آخر كان يشغل وفاء هو البحث عن المجهول كما تصفه، ذلك الذي وهبها أولادها دون أن تعرف من يكون؟ لتنطلق في اللحظة التي تموت بها أمها منيرة وانكسار شوكة زوجها ناصيف رحلة البحث عنه في “بنك الزرع″ متجاوزة كل الموروثات القيميّة والأخلاقية في موقف كهذا، ربما كان ما يحركها في بحثها هذا هو اثباتها لنفسها ان ماتهمت به من نقص”العقم” لم تكن هي سببه بل زوجها العنيد والمكابر ناصيف،”سأبحث عن المجهول، وها هو أول خيط رهن يدي الان، سوف اسير في طريق البحث، هذا الملف الاحمر تكلفته كبيرة، سأحافظ عليه ريثما يأتي موعد لقائي مع .. بنك الزرع.ص13″. هذا البحث يتحول الى فكرة مسيطرة تهيمن على حواسها وتدفعها الى المزيد من التيه والتضحيات، رغم سعادتها الظاهرة بوليدها ماهر وسامر، اللذين لم يستطيعا تعويضها ما حرمت منه مع زوجها ناصيف،” يجب أن أتعرف على ذلك الرجل المجهول الذي منحني الامومة، يجب أن أعرف اسمه بالكامل وعنوانه، سأذهب اليه و…. لكن لماذا أكلف نفسي بكل هذا العناء، لماذا يجب أن أعلم.ص18″. تلك الحيرة تكون مقاربة للفشل الذي ينتظرها في نهاية المطاف، بعد أن يمتنع كادر البنك بإعلامها عن شخصية الرجل المجهول. بينما نجد هذا الهاجس “البحث” لدى فضيلة يكون أعمق وبطريقة فلسفية ربما يتسامى مع تحصيلها الدراسي ومستواها الثقافي حين تتطرق الى الموضوع بطريقة مباشرة مُلمة بكل أسبابه”ضاقت بنا البلاد فقرننا الرحيل، كان قراراً مصيرياً اتبعناه،حتموا علينا الغاء وجودنا منذ اللحظة الأولى لولادتنا العسيرة، لقد انجبنا التاريخ من بطون الخطأ، ورمينا في صحراء سميت الحياة، وها نحن ومنذ اللحظة الأولى نبحث عن السؤال الصعب، لماذا نحن هنا، ومن قرر ذلك، وما الفائدة، ومن المستفيد!ص40″.
العامل المهم الآخر الذي تتقاسمه وفاء وفضيلة هو “الزمن” والزمن بالنسبة لوفاء يكون تأثيره كبيراً وسلبياً في كثير من الأوقات التي تواجه بها نفسها، وتحاول أن تتغلب عليه، بما تتيحه لها التقنيات والعلاجات الحديثة، فللزمن فعله في الحياة، أكبر من أن تحتويه كل مختبرات العلاج والكيمياء، “وقفت أمام المرآة كالصنم أصلي بدعائي لكوارثنا التي راح فيها الأعزاء، أحمل هدايا الوحدة القاتلة، أنطر لذاتي الخاسرة،وللذين ذهبوا ولن يعودوا، للمرتحلين المعذبين، للهاربين من العالم الملوث.ص6″ تلك معضلة كبيرة أن تكون وحيداً في مواجهة العالم بعد أن ينفض عنك الاخرون، وتنعكس تلك الوحدة مع مرور الزمن على الجسد وتقاسيم الوجه وملامحه، لتحيلها إلى غضون وتجاعيد واخاديد، يحفرها الزمن بهدوء وتأني لتتفاجأ بها وفاء وهي تقف أمام المرآة، لتلاحظ ما فعله الزمن بها” تعلو وجهي قسمات مترهلة، هنا وهناك، وهنا ايضاً، لمست نعومته بقمة الرقة بأناملي، ونزلت بها الى رقبتي، وما فوق الرقبة بقليل، هناك نزول بسيط، يغتاله بطن صغير يتحد معه ويشده الى الأسفل.ص4″. ذلك هو فعل الزمن الذي لم تلاحظه وفاء إلا ساعة وفاة أمها، وكأنه جرس انذار بنهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة من حياتها لن تكون حتماً أسعد مما سبقتها.في الجزءالأول من رواية الحافيات في حكاية “وفاء” نجدها حكاية أكثر حبكة وأعمق فكرة وأكثر انضباطاً في إدارة النص، والسيطرة على تفرعاته، وهناك أيضاً ثراءً فاحشاً في اللغة السردية كان يقترب في مواضع كثيرة من لغة الشعر، في انسيابيته، وسلاسته، وطلاقته، حتى تحوّل النص، بطريقة مقصودة أو غير مقصودة من الكاتبة، إلى رواية شعرية، كانت المفردات فيها تتسابق في جماليتها وفي غناها وفي رفد الموضوع بما تحتاج من مفردات سيمولوجية أغنت النص بكثير من الصور الخلاقة المبدعة، وكانت مبرراً لإفلات النص من المباشرة والإيغال في التعمق في سرد الأحداث المتلاحقة، حيث استخدمت الكاتبة تقنيات لغوية، تعتمد بناء النص على مرتكزات دلالية سيمولوجية، تتوالد منها صفوف متعددة من المفردات المشتقة من تلك المرتكزات والداعمة لها”أحببت هذه اللعبة لعبة التعليق، وكرهتها أيضاً، لكنها علمتني مطاوعة الأيدي دون تذمر والإستسلام للأقوى دون معارضة،هي لعبة من نوع آخر، لعبة الغواية والعجز، الجنوح والاندحار، العبث والهزيمة، الاقتحام والخوف منه، الحرية والوثوق بها والخوف منها!ص29″.وإذا كانت وحدة الموضوع في مجملها، “العقم – والموت – والبحث بكل أشكاله” قد سيطرت على مجمل النص السردي، في جزئيه، الأول والثاني، فإن الأفضلية تكون للجزء الأول “وفاء”، أما الجزء الثاني من الرواية”فضيلة” وإن كانت فضيلة كشخصية رئيسية قد تقاسمت الكثير من ثيماته كالموت والبحث عن المصير والزمن في تحولاته العسيرة، والهجرة الإجبارية، واللغة السردية الثرية بالمفردات الجميلة، إلا أن ثيمتها قد ضاعت أو أفلتت من يد الكاتبة، بسبب استغراقها الشديد وولعها وتعلقها باللغة، كمنفذ ومنقذ للكثير من مكملات أي نص سردي مثل المكان الذي ظل عائما ومجهولاً، رغم انتقال فضيلة وزوجها أو بمفردها إلى الكثير من المدن والبلدات ، كما في الصفحات”40 -44-63-” وكانت تلك الرحلات في أغلبها رحلات مستمرة في البحث عن الذات التي أضاعتها سواء مع زوجها صاحب أو مع عشيقها عبد، والذي كان يمكن استثماره بطريقة سردية أفضل كثيمة شاخصة من ثيمات النص، مشكلة أخرى عانى منها النص وقد تكون حدثت نتيجة الطبع وهي تكرار طبع أجزاء متعددة من الرواية كما في الصفحات”32- 37 .ومما عاناه هذا الجزء من الرواية هو الانتقالات السريعة وغير المبررة في بنية النص من خلال تناول مصائر الشخصيات السردية كما يحدث بوفاة أو مقتل أو انتحار أو جنون معظم أشقاء فضيلة، بعد استدعائهم للتجنيد الإجباري، دون أي اشارة للزمن الذي تمت به تلك الواقعة أو المكان، كما يحدث لفاضل ،ص29 . وانتحارعاطف وعلي، ص30. وانتحار نادر،ص29 وهروب من تبقى من أشقائها خارج البلاد، ص30 . وتوجت تلك المأساة بهروب الأب بعد أن تخلى بصورة رسمية عن أولاده، “من حينها ذهب في طريق حياة معاكس، طريق الصمت، الحزن، الهذيان، لا يستطيع مجابهة زوجتيه، ثم هرب من البيت.ص31″. ووفاة الأم وفاطمة زوجة أبيها،ص39.ومن ثم تعرفها على صاحب وزواجها منه، واكتشافها لعقمها وما أحدثه لها من مشاكل كبيرة ثم تعرفها على عشيقها عبد، وكذلك الجانب المهم من الرواية وهو علاقة الأب بزوجتيه أم فضيلة وفاطمة ومن ثم وفاته ورحيلهما، كل تلك المواضيع كانت تحتاج لكثير من الاستفاضات والتوسع وكثير من الصفحات لإغنائها واشباعها قبل التنقل فيما بينها.تبقى رواية “الحافيات” للروائية المثابرة دينا سليم رواية شاعرية وإنسانية، كتبت بيد ماهرة وعقل مُتقد لتلامس ولو بشفافية الكثير من الإشكالات التي تواجه المرأة العربية حاضراً وماضياً، وكل ماكانت تحتاجه هو المباشرة، والبيئة والزمن الحقيقي، وليس الافتراضي الذي وقعت به كل تلك الأحداث المهمة، لتكون قريبة أكثر من العقل والقلب.