ازدهرت هذه الأيام مهنة صحافة الاتصالات الهاتفية، وهذه المهنة أسميها مهنة الصحفيين العاملين من غرف نومهم، أو من مكاتبهم، ممن يتحولون من صحفي يطارد الأخبار إلى جامع آراء كسول، بواسطة الهاتف، ثم يقوم بإعادة صياغة الحصيلة الإخبارية من جديد.
هذه الطائفة لا تجمع الأخبار والتعليقات من المختصين مجانا، وتتقاضى عليها أجرا ، وتأخذ في أحيان كثيرة جوائز ومكافآت، على عملية الجمع المجانية فقط، بل إن كثيرين من المنتسبين إلى هذه الطائفة، وبخاصة في بلادنا، يرتكبون أفدح الأخطاء في حق الأخلاق الصحفية!!
إن عقد اللقاءات الصحفية عبر الهواتف موضوعٌ مُقرَّرٌ في كتب الصحافة الأكاديمية، وهو اليوم أكثر ازدهارا، بسبب ازدهار وسائل الاتصال، ولا أتحدث عن هذه الظاهرة كظاهرة سلبية مطلقة، ولكنَّني سأشير إلى أبرز عيوبها؛
أن صحفي سمَّاعة الهاتف، يتحول من الصحفي المشاهد والمستمع للمتحدث، الصحفي المتفاعل مع الأقوال، الذي يشاهدُ انفعالات القائل وحركاته، وتعبيراته، إلى صحفي مُستسلم لسماعة الهاتف، أُسميه صحفي (الأُذُن)، يقوم بتلخيص أقوال سماعة الأذن، هذا النوع من الصحفيين، بالتأكيد، لا ينقل وجهة النظر الصحيحة، ولا يلتقط الأقوال وفق رؤية قائلها بالضبط، بل إنه يقوم بإعادة صياغتها، وفق أسلوبه وفهمه للمغزى، وهذا هو الخطأ،
لذا، فإن إعادة صياغة الأقوال تحمل أخطاء عديدة، وقد تكون في كثير من الأحيان جسيمة، تُناقض أهداف قائليها!
وهناك طائفةٌ أخرى من صحفيي الآذان، من هواة جمع الأقوال، وإعادة صياغتها يقومون بتزييف الأقوال، مع نسبتها إلى قائليها، لغرض الإثارة، وجذب أعداد كبيرة إلى مواقعهم الصحفية، وصحفهم، ومؤسساتهم الإعلامية، وهؤلاء يرتكبون جريمة صحفية، مع سبق الإصرار والترصد!
وهناك أيضا فئةٌ أخرى، وهذه الفئة الصحفية، تبرزُ في مجال صحافة الأحزاب السياسية، مِمَن يقومون بعملية تحريف الأقوال، وتقريبها إلى وجهات نظر الأحزاب، والتيارات التي ينتمون إليها، بغض النظر عن قائليها، وقد تكون تلك الأقوال لا تمتُّ بصلة إلى حقيقة قائليها، وهذه جريمة أخرى في حق الصحافة!
وتكثرُ تلك الأخطاءُ عندما يكون الصحفيُ غيرَ مثقفٍ، يعتمد على خبرته، أو شهادته الأكاديمية، بدون أن يُطور نفسه، فالصحفي ضحلُ الثقافة والوعي، يعجزُ عن فهم مدلول الألفاظ، فيهرب من هذا النقص، ويقوم بعملية التحريف والتزييف!
وتكثر حالات التزييف عند الصحفيين( الموظفين) في القطاعات الحكومية والحزبية السلطوية، ممن يخشَون على وظائفهم ، وعلاواتهم التشجيعية، فيلجؤون إلى التزييف لإرضاء مسؤوليهم، وإظهار الدعم لأحزابهم، وتمسكهم بالتقاليد والأيدولوجيات الفكرية المغلقة، بغض النظر عن جوهر التعليق ومصداقيته!
كذا فإن طائفة أخرى من الصحفيين يعمدون إلى ارتكاب جريمة صحفية أكبر، حينما يقتطعون الجمل والمفردات من سياقها، ويُظهرون الأقوال مجتزأة من سياقها العام، وهذا النمط يكثر في صحافة المراسلات التلفزيونية والفضائية، فالصحفي، أو المُراسِل، ُيُسجِّلُ المقابلة كاملة، بالصوت والصورة، ولكنَّ المقابلة عندما تصل إلى الرقيب في المحطة الفضائية، يقوم الرقيبُ العامُ باقتطاع ما يشاء منها، بما يخدم فكرَهُ، أو مبادئ الفضائية، وسياستها الخارجية، بحجة الوقت، ويتحوَّل المحللُ، والمعلق، أو الباحث المسكين، صاحب الأقوال، ضحية هذه الممارسة، مما يدفعُه إلى أن يصب كلَّ غضبَه على الصحفي الأول المسكين، ويتَّهمه بعملية الاقتطاع والاجتزاء!