حين يكثر الكلام عن منطقة ما، فاعلم ان اسرارها من بوأها صدارة الاشعاع. مدينة اڭادير المغربية مدينة عالمية, يحجها الناس من كل فج عميق. خلال آخر مراحلي الشبابية, في اواسط التسعينات من القرن الماضي, كانت لي فرصة قضاء اسبوع هناك. نزلت الى \" الكورنيش \" عشية اليوم الموالي، سرت اقطع المسافات وحيدا الى ان اتقلني العياء فاتخدت لنفسي مكانا فارغا من الناس بجانب شجرة نخل فوق كرسي اسمنتي اتأمل البحر ورواده من المغاربة والاجانب. وبينما الكل منشغل بالاستمتاع والاستجمام والاسترخاء، كنت اهلك نفسي بوابل من الاسئلة، احاورها عن قساوة اسلوب هذه الحياة التي تبتسم لمن تريد، وتركل من لا يروق لها، غير معتمدة على أية قاعدة علمية، بل في كثيرمن المرات لا تعانق سوى الاشرار وذوي القلوب القاسية. فلو لم يات بي القدر المتمرد الى هنا لما رايت هذا المكان الجميل ابدا. في غفلة من امري، تهاوت احدى الشابات الجميلات على كرسي مجانب لي، كانت تشرب سجارة، سنها في طور الانفتاح على هذه الحياة، تطاولت وطلبت منها ان تقترب، لم تمانع، بل اتت مسرعة. استلقت على ظهرها بالقرب مني، لباسها كان شفافا، عضوها التناسلي كان مبرزا نحو السماء، خجلت من امرها، لكن من شيمتي الا اقمع الناس، فالظواهر لها اسبابها. الفتاة من اصل مسفيوي، شابة لا تستحق المعاناة، يبدو انها تمتهن العهر لتواجه سواد مستقبلها، ولتنتقم من تناقضات هذه الحياة اللعينة. مدت الي ما تبقى من السجارة لاريحها منها، اخذت منها نفسا عميقا ونفخته على وجهها البريئ، فقامت وجلست عادية. دعوتها لتشاركني في اكل بعض المعلبات، لكنها اكتفت في شرب قليل من العصير، شهيتها كانت تقتصر في اشعال السجائر. ربما تخفي في فؤادها جروج بليغة، وإن لم يكن تنبؤي صحيحا، فالاملاق من سيكون السبب. الوطن الحر لايجوع فيه الانسان ويشقى، لا يظلم ولا يحتقر. في اي وطن، يبحث الشخص عن شرفه, وشرف الانسان هو ان يملك المال، فحين يستعصي عليه ايجاده، يلتجا الى اساليب عديدة ومتنوعة. فمن الناس من يرى ان امتهان البغي لاجل اكتساب قوته اشرف من الذين لا يعملون، ومن الذين يتيهون في الشوارع ويؤدون الناس بغير حق. الفتاة المسفيوية من النوع الرديئ، يبدو انها لم تتلق دروسا وتكوينا جيدا في عالمها الجديد ( البغاء )، فسرعان ما تكشف اوراقها للزبون، اسلوبها المنحط يدرك معه المرئ مرادها بسرعة. قبل ان اودعها طلبت مني ثمن الغذاء. الرجال ثعابين بطبعهم، لا يقدمون للنساء خدمات مجانية. عوض ان اكن سخيا وامدها بما تفضلت بطلبه، سرت افتش في محفظتها بحثا عن مال محتمل حتى لا اقع في مصيدة المكبوتين، لكن بعدما لم اجد عندها سوى اربع سيجارات من نوع \" ماركيز \" ناولتها 20 درهما فقفزت نحوي وغطتني بقبلة رائعة، بها خلت نفسي صاحب هذا المكان كله. فما اجمل ان يحبك الانسان من تلقاء نفسه، هذا النوع من البشر لا خوف عليهم ولا انت محزن عليه. في طريقي نحو الفندق وجدت 20 درهما ملقات على الطريق، تخيلت لو اعطيتها 50 درهما لربما وجدت افضل منها، فايتاء الصدقة يمكن ان يتقبلها الله قبولا حسن كيفما كان اتجاهها. في اليوم الموالي التقينا في مقهى \" جور إ نوي \" المطلة على الشاطئ, المكان يعج بالناس على اختلاف الوانهم واجناسهم. قبل ان ياتينا النادل بالقهوة ، وضعت على الطاولة ما تيسر من \" الحرشة والمسمن \" وبعض الفواكه، الامر الذي اغضب جليستي وادعت اني اضحكت فيها العباد متهمة اياي بالبدوي. صرت اكل دون ان اكترت لاحد، قلت نعم انا بدوي، وان اصل الناس، قليل من اللحم والدم سرعان ما سيستوقف نبضات قلبه وسيكون من الماضي، فلماذا التباهي والتفاخر امام الغير، لقد احسست بالجوع والمكان يغري وبين يدي ما عشقته فلما لا افعل...