الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

جودة في الستينات

  • 1/2
  • 2/2

الكاتب الصحفي:عبد الله الجفري-الإمارات العربية المتحدة-خاص بـ"وكالة أخبار المرأة"

حينما نتوغل في تعريفات الجودة ومعايير تطبيقاتها ، ندخل في تعقيدات ومتاهات نظرية تبعدنا كثيرا عن مفهومها المبسط ، والذي يعنيه فيما يعنيه (إتقان العمل ، أو إتقان أداء العمل لتحقيق أفضل النتائج ...) ، وبمفهومها هذا يمكن أن نقول بأنها بدأت مع بداية الخليقة ، حينما شرع الإنسان في الكد والبحث عما يسد رمقه ، ويقي جسده من لسعات البرد القارس ، ولفحات الشمس الساطعة ، فكلما أحسن الإنسان سبل توفير كل ذلك فهذا يعني فيما يعنيه بأنه سعى نحو تحسين جودة الأداء ، وبذلك يمكن أن نقول بأن الجودة واكبت الإنسان منذ بداياته الأولى ، وعلى اثر تراكم خبراته وتحسينها صيغة نظريات الإدارة ، ونظريات الجودة ، إذا فهي موجودة في كل الحقب ، وعودة إلى ما تضمنه عنوان الموضوع عن وجود جودة في الستينات من القرن الماضي ، يمكن الاستدلال بنموذج أداء متميز لمؤسسة في إطار رقعتنا العربية ولن نذهب بعيدا ، وهذه المؤسسة هي مصفاة للبترول في مدينة عدن ، كانت تديرها شركة بريطانية ، وتقع تلك المصفاة في ضاحية من ضواحي المدينة ، ويطلق على تلك الضاحية رسميا (عدن الصغرى) وذلك تمييزا لها عن مدينة عدن الكبرى ، والشركة هي التي أنشأت تلك المدينة لتصبح مدينة عمالية لعمال المصفاة من الطراز الأول ، ولكن ما علاقة هذه المصفاة والمدينة الصغير بالجودة ...؟ هناك مناسبة اجترت الذكريات ، فقبل أيام معدودة وتحديدا في عيد الأضحى المبارك قمت بزيارة لأحد الأقرباء ، وهذا القريب كان يعمل بتلك الشركة في عقد الستينات ، وحاليا وبعد أن أنهكت كاهله السنون استقرت به الرحال في إحدى إمارات دولة الامارات العربية المتحدة ، فمن ضمن حديث الذكريات معه تطرقنا إلى ما كانت عليه المصفاة والمدينة في تلك الحقبة ، دمعت عيناه حين سمع بخبر قصفها في الحرب الأخيرة ،وجرنا الحديث إلى الجودة ومعاييرها ، وعن الاهتمام الحالي بتطبيقات معاييرها في العمل ، فوجه لي قريبي العديد من الأسئلة لمعرفة ما تعنيه الجودة ، فشرحت له بنوع من الحذلقة ، وأدخلته في دهاليز المنهجيات والتطبيقات ومدى ترابط النتائج مع تلك المنهجيات وأحسست بأنني أدخلته في متاهة فلسفية ،فبسطت له الشرح أكثر ، فما كان منه إلا أن رد علي بقوله : إن ما أوضحته لي من أمور الجودة الشاملة كانت تمارس بهذا الشكل أو ذاك في عملنا في شركة مصافي عدن في تلك الحقبة ، بل أستطيع أن أقول لك بأن الشركة التي كانت تدير المصفاة تطبق مفهوم الجودة الشاملة في موقع العمل والإنتاج ، ويمتد تأثيره ليشمل المدينة بأكملها ، قلت : كيف ...؟ قال : الشركة لم تحصر نشاطها في المصفاة فقط بل امتدت رعايتها الاستثمارية والإدارية لتشمل المدينة بكاملها ... قلت له لم أفهم ....؟ قال : سأشرح لك بإيجاز ما الذي جعل المصفاة ناجحة ، ولماذا كانت المدينة بذات المستوى من التطور والتنظيم ، وكيف كانت الشركة تطبق ممارسات جودة غير معلنة ، فمصفاة عدن كانت حينها تعتبر من أهم وأقدم المصافي التي أقيمت في المنطقة ، فالحكومة البريطانية اهتمت بهذه المصفاة في عدن نظرا لموقعها الاستراتيجي في ملتقى طرق الملاحة الدولية وبالقرب من باب المندب ، فأوكلت مسألة إدارتها لإحدى شركاتها العريقة هي شركة (British Petroleum) فهذه الشركة كانت تطبق أساليب إدارية راقية في تسيير عملها الإنتاجي في المصفاة ، ونشاطها الخدمي والاجتماعي على مستوى المدينة ، فأحرزت المصفاة نجاحا كبيرا وكسبت سمعة سوقية عالمية طيبة جعلتها ملاذا ومزارا آمنا للعديد من شركات إنتاج النفط ، والراغبين في تكريره... قلت له : ماذا يميز هذه الشركة عن غيرها ... ؟ قال : ما يميزها هو أنها كانت تدير عملها في عقد الستينات بشمولية وترابط واقتدار ،جعلها تكسب سوق تكرير النفط في المنطقة ،باختصار حسب مفهومكم الحديث اهتمت في إدارتها بمتلقي الخدمة (شركات النفط) ومقدم الخدمة (عامل الشركة) ، ولم تنسى واجباتها تجاه المدينة فكانت تديرها أيضاً ،وتوفر للعامل واسرته كل متطلبات الحياة من تعليم وعلاج وأسواق وملاعب ونوادي ثقافية ورياضية . أنظر لحالها اليوم بعد ان تسلمتها الإدارة الوطنية بعد الاستقلال كيف تدهورت انتاجاً وسمعة ، وهاهم اليوم يكملون تدميرها بإحراقها ،فدمعت عيناه ثانية . بعد هذا الحديث البسيط في طرحة ، والعميق في معناه ، فعلا أحسست أن قريبي هذا ، بما لديه من خبرة ورجاحة عقل صقلتها السنون ، فسر لي بواقعية سهلة ماذا تعني الجودة الشاملة في كل الحقب الزمنية ...؟ هي ببساطة ... إتقان الأداء بشمولية وتكامل وترابط ...!

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى