هل يتمكن الفلسطينيون من إدارة وتوجيه الهبَّة الجماهيرية الحالية؟
أم أنهم سيتركونها بغير توجيهٍ وإدارة، فتصبح هبَّة عشوائية؟
ما موقف الأحزاب الفلسطينية من هذه الهبة؟
ما آلياتُ إسرائيل لركوب موجةِ هذه الهبَّة الجماهيرية؟
أسئلة عديدة وإجاباتٌ قليلة، غير أن تجاربنا السابقة في مسلسل الانتفاضات الفلسطينية، يجعلنا نُشكِّك في قدرة الفلسطينيين على الاحتفاظ بزخم الهبات الشعبية، فمعظم الهبات الشعبية، والانتفاضات، كانت تبدأ بالزغاريد والهتافات، وتليها مرحلة النقد والتجريح الخجول في السرِّ، ثم تصل إلى أسوأ المراحل، مرحلة اللطم والعويل والصراعات، وتصل في النهاية إلى أبشع مراحلها؛ الندم على ما فات!!
إن أكبرَ أخطائنا في إدارة الانتفاضات، تتمثل في توظيف الانتفاضات لخدمة الأحزاب والتيارات السياسية، وفي هذا الإطار تقوم بعض الأحزاب بأبشع العمليات الجراحية على جسد الهبَّات الجماهيرية، فبدلا من تقويتها بفيتامينات الصمود، تشرعُ في ركوب موجتها، في محاولةٍ لاحتكارها، وتوجيه بوصلتها نحو الحزبية، بدلا من الوطنية!
ومن نتائج هذه الأفعال، أنَّ معظم الجماهير الوطنية المخلصة، تُصاب بالإحباط، وتتخلى عن دورها، وتتحول من مشارك، إلى مُراقب، ومِن ثم إلى ناقد، ثم لائم ورافض، ونادم، وهذه أبشع المراحل، وأكثرها إحباطا!
ومن نتائج ذلك، أن تصاب قطاعات المجتمع الرئيسة بالهزال والضمور، وتصل في كثير من الأحيان إلى الإفساد المتعمَّد، فلا رؤية في ضوء الهبات العشوائية، للإدارة الاقتصادية، فتتقلص الحركة التجارية والاقتصادية، ويفسد نظام التعليم بالكامل، لأن الشباب دائما هم وقود الهبات الشعبية، فتقوم الأحزاب والتيارات بإخراجهم من مدارسهم ومعاهدهم، وجامعاتهم، بدون خطط لتعويضهم عما فاتهم من دروس، وهكذا يجري إفساد النظام التربوي والتعليمي!
كما أنّ الأحزاب تتحول من أحزاب مُبشِّرة ومُثقِّفة ومُعلمة إلى ميليشيات عسكرية قامعة ومُرعبة!
أما عن إسرائيل، فإنها تُتابع الهبات الشعبية متابعة دقيقة، لفهم آليات الهبات، ثم تركب موجتها، وتشرعُ في تسييرها وفق مصلحتها، فتدسُّ فيها العيونَ والأرصاد، وتغذيها بالدسائس، وتستخدم الإعلام والشائعات لغرض تدمير آثار الهبات في النفوس، وإرجاع اليأس والإحباط إلى نفوس الفلسطينيين.
وتتولى إسرائيل بعد هذه الخطوة توظيف الهبات والانتفاضات لمصلحتها، فهي تسعى من وراء هذه الهبة، إلى إفساد حياة الفلسطينيين الصامدين في أرضهم، منذ عام 1948، لهدف التخلص من كبر عدد منهم بإتباعهم للسلطة الفلسطينية، في إطار حلَّ شامل، ومقايضتهم بالكتل الاستيطانية، وهي خطة إسرائيلية مُعلبة منذ وقتٍ طويل!
ولعلَّ أهم الوسائل لتحقيق أهداف إسرائيل يمرُّ عبر آليات (الحصار) بمنع العمال من العمل في إسرائيل، وتصدير مشكلاتهم الاقتصادية إلى الهيكل العظمي الفلسطيني، المتمثل في السلطة الفلسطينية، وهنا تبدأ معارك طواحين الهواء، ويصبح الصراعُ الفلسطيني الفلسطيني، مُقدَّما على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي!