بلهجةٍ نبطية بدوية أصيلة وصوت ذي إيقاعٍ يأخذ المستمع إلى متعة الشعر وعمق الإحساس, تلقي الشاعرة الفلسطينية إلهام أبو ظاهر من قطاع غزة قصائدها الشعرية بِمداد الدم والصمود الفلسطيني حتى حصدت لفلسطين الوطن نجاحاً أدبياً كبيراً من خلال تأهلها للمراحل النهائية من مسابقة شاعر المليون، وهي المسابقة الشعرية الأكبر على مستوى الوطن العربي في الشعر النبطي، والتي تُعقد مرة كل عامين في أبو ظبي. "فلسطين" استضافت الشاعرة أبو ظاهر عبر صفحاتها للحديث عن مسيرتها الأدبية.
البداية
نشأت أبو ظاهر وسط عائلةٍ بدوية مثقفة تُحب القراءة والمطالعة , فكان والدها يُحضر إليها وهي في عمر الثلاثة عشر ربيعاً روايات الأدب الروسي تقون بقراءتها بتمعن.. تقول: "قراءتي للأدب الروسي العميق والصعب غرس فيّ أشياء ثقافية جميلة , وصقل شخصية إلهام الشاعرة شيئا فشيئا، وتمثلت بداياتي في الشعر من خلال جمل تخرج مني على هيئة سجع، فكنت الوجه المتكرر في الإذاعة المدرسية لما كانت تراه في شخصيتي إدارة المدرسة من قوة في الإلقاء", وبالتالي فإن الشعر بالنسبة لأبو ظاهر فِطرة جُبلت عليها منذ الصغر.
لم تتمكن شاعرتنا من إكمال دراستها الثانوية لفترة من الزمن نظراً للظروف الأمنية التي كان يمر بها القطاع في الانتفاضة الأولى, ولكنها عادت إليها والتحقت بالجامعة وأنهت دراسة البكالوريوس في علم الاجتماع, ثم رسالة الماجستير في علم السياسة، وخلال هذه الفترة بدأت تصنع لاسمها مكاناً مرموقاً في فضاء الشعر حتى مكنتها موهبتها من ذلك, وتضيف: "كانت أول قصيدة لي عبارة عن أبياتٍ غزلية, لا أذكرها تماماً لكنّ فترة المراهقة هي من أملت على قلمي مداده".
فلسطين مداد القلم
وفي سؤالي عن مِداد قلمها، أجابت بنبرة عَلى فيها صوتها: "فلسطين ووجع احتلالها, والحروب التي تتوالي على غزة، والظلم الذي يُلاقيه الأقصى, والأحلام المسلوبة من شبابنا, ومؤبدات الأسرى وقيدهم, كلها تعد مداد الشاعر من الحالة التي يعيشها مع شعبه", حيث تناولت قصائدها الشعرية الأدبية ما يُرسخ المبادئ والثوابت الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي أكسبها عدّة ألقاب أبرزها "شاعرة الأسرى" و"شاعرة المقاومة".
وتشير إلى أنها تطرقت في الكثير من أعمالها الفنية والأدبية للمرأة الفلسطينية ودورها في دعم الكفاح الفلسطيني , وأن المرأة الفلسطينية تحمل شخصية قوية وأنثوية في ذات الوقت , المهم أن تكون مقتنعة بما تقوم به مهما كان غريباً على المجتمع حتى تستطيع إقناع الآخرين.
ويعتبر الشعر "النبطي" من الأشعار الصعبة، لكن البيئة البدوية التي تعيش فيها الشاعرة كانت أرضا خصبة لإتقانها هذا النوع من الشعر , حيث إن هذا النوع من الشعر غَلَب على قصائدها، وتقول: "أنا لم أختر الشعر البدوي، بل هو من اختارني ، فالشعر شعور يأتي في أي مكان وزمان ، وفوق كل ذلك أني بدوية وأتقن هذه اللهجة".
ورغم ذلك لم تقتصر أبو ظاهر على كتابة الشعر النبطي، بل كتبت قصائد شعرية بعدة لهجات، وجزء كبير منها كان شعرا فصيحا.
التألق الأخير
وشاركت أبو ظاهر في العديد من الفعاليات والمهرجانات خارج فلسطين وداخلها، وحازت على جوائز عربية وإقليمية ومحلية في الضفة الغربية وقطاع غزة, وكان آخر ما وصلت إليه بتأهلها للمراحل النهائية من مسابقة "شاعر المليون" بقصيدة تحمل عنوان "الباب" التي كتبتها وهي في طريقها إلى لجنة التحكيم.
ومن المواقف التي دمعت عيون أبو ظاهر خلالها، حين أخبرت لجنة التحكيم أحد المتسابقين من سلطنة عمان أنه يوجد معهم شاعرة فلسطينية تنافسهم على اللقب، حيث ردّ العُماني عليهم (إذا تأهلت فلسطين فقد تأهل العالم العربي أجمع).
"أيأكل الحُر وشعبه جائع؟!" بهذه الكلمات أجابت أبو ظاهر على سؤال لجنة التحكيم وسؤالنا "ماذا لو فزت بشاعر المليون؟!، وتابعت: "شباب فلسطين لديهم مساحة واسعة من الإبداع والتميز في مختلف المجالات لكن لا يجدون من يرعاهم ولا يشجع تفكريهم ولا يملكون الإمكانات اللازمة لتحقيق ما يُريدون لذا أخذت قسماً على نفسي أن أتكفل بهذه الأحلام إذا ما حصلت على هذه الجائزة".
طريق النجاح لا يمكن أن يكون مفروشاً بالورود والتسهيلات, فلكل ناجح صعوبات تواجهه في حياته ولعل أبرز ما واجه أبو ظاهر في الفترة الأخيرة من صعوبات يتمثل بإغلاق معبر رفح البري الدائم، وهو الأمر الذي يزيد من صعوبة تنقلاتها للمشاركة في مسابقة شاعر المليون.
ورغم إيمانها بجمال وعمق ما تكتب من قصائد إلا أن أبو ظاهر ترى أن القصيدة الأجمل لم تأتِ بعد لكنّها تعتبر القصائد التي تُخاطب الأسرى وأمهاتهم وشهيدات فلسطين هي الأقرب لقلبها.