مع وجود هامش نسبي من حيث النجاحات والمكتسبات والإخفاقات والمعوقات بين دولة وأخرى، فإنّ المرأة في جميع الدول العربية لم تحصل بعد على حقوق متساوية مع الرجل في كثير من المجالات ذات الصلة بوضعها كإنسان يفترض أن يكون على خط واحد من المساواة مع الرجل في جميع الحقوق، وخاصة أن المرأة أثبتت على أرض الواقع أنها غير منقوصة القدرة والأهلية على القيام على أكمل وجه بالأدوار التي تتولاها في مهامها المهنية المختلفة، وتمكنت في السنوات الأخيرة، في جميع البلدان تقريبا، من اقتحام حقول المهن العملية والفكرية كافة، بما في ذلك تلك التي كانت -لعدة سنوات خلت- مقتصرة أو حكرا على الرجل فقط، فأثبتت نتائج عملها أن هذا الاحتكار لا يستند إلى أسس علمية تبرره، بقدر ما هو تكريس لسطوة ذكورية موروثة من عهود وأزمان ماضية.
في الأسبوع الماضي احتفلت البحرين بيوم المرأة، وكان شعار الاحتفال هذا العام «المرأة في القطاع المالي والمصرفي»، وهو شعار ينسجم تماما مع واقع معاش فرضته المرأة البحرينية في هذا القطاع حيث اقتحمته بقوة ومقدرة فائقتين واستطاعت خلال مشوارها المهني في هذا القطاع أن تتبوأ مراكز متقدمة وأن تثبت عمليا أنها جديرة باحتلال مراكز متقدمة في واحد من أهم قطاعات الإنتاج في مملكة البحرين، كما أنها اخترقت قطاعا مهما لا يقل في تأثيره على الاقتصاد الوطني عن قطاع البنوك والمال، ألا وهو قطاع الاتصالات، حيث تتولى السيدة منى الهاشمي منصب الرئيس التنفيذي لشركة بتلكو البحرين، كأول سيدة بحرينية وخليجية تتولى هذا المنصب في قطاع الاتصالات.
المرأة البحرينية، تاريخيا كافحت من أجل انتزاع حقها بأن تكون رقما مؤثرا ومتساويا مع أخيها الرجل في مختلف مجالات وحقول العلم والعمل، وأتى هذا الكفاح بنتائج ملموسة حيث تتصدر المرأة نتائج الامتحانات المدرسية من خلال تفوق الطالبات على زملائهن الطلاب، بل أن المرأة أخذت تنافس الرجل على مختلف الوظائف، في جميع حقوق العمل، وخاصة بعد تدشين ما يعرف بلجان تكافؤ الفرص في عدة مؤسسات حكومية، مما مهد الطريق معيار الكفاءة كسبيل أمثل وأرقى لإثبات المنافسة بعيدا عن النوع الذي كان سائدا فترة طويلة، وكان واحدا من العوائق التي حالت دون ولوج المرأة في كثير من حقول العمل وتسلق السلالم الوظيفية أسوة بالرجل.
وإذا كانت المرأة بجهودها الذاتية وبدعم من مختلف القوى المجتمعية التي تؤمن بالمساواة بين الجنسين والتي وقفت إلى جانب المرأة في كفاحها من أجل تحقيق ذلك، قد حققت كثيرًا من المكاسب وانتزعت كثيرًا من الحقوق، فإنه مما لا شك فيه أنّ المشروع الإصلاحي لجلالة الملك أعطى هو الآخر دفعة قوية في سبيل نيل المرأة كثيرًا من الحقوق المغيبة والمطموسة بقوة العادات والتقاليد وبالقانون أحيانا،
ففي ظل هذا المشروع نالت المرأة حقوقها السياسية المتساوية مع الرجل من حيث حقها في الانتخاب والترشح للمجالس البلدية وللمجلس النيابي واستطاعت أن تكسر الاحتكار الذكوري لهذه المؤسسات بدخولها عضوا في المجالس البلدية وفي المجلس النيابي.
رغم كل الإنجازات التي تحققت للمرأة البحرينية في ظل المشروع الإصلاحي لجلالة الملك واهتمام المجلس الأعلى للمرأة والجمعيات النسائية، فإنّ الواقع المجتمعي ما يزال يفرض ضغوطا على كل الجهود التي تبذل من أجل إزالة الفوارق المجتمعية بين المرأة والرجل في كثير من الحقوق الإنسانية، الأمر الذي يفرض على القوى المختلفة، بما فيها المؤسسات السالفة الذكر، مواصلة العمل بلا كلل من أجل إزالة أشكال الفوارق كافة وعدم الانصياع للعادات والتقاليد التي استخدمت خلال عدة قرون مضت أداة لتكريس الظلم الواقع على المرأة واعتبار هذه الفوارق حتمية مجتمعية لا مفر منها وليس من حق أحد تغييرها.
وعندما نتحدث عن المكتسبات التي تحقق للمرأة البحرينية وبالاهتمام المتصاعد من جانب المؤسسات الرسمية والأهلية بتصحيح الخطأ الواقع على كاهل المرأة، فإنّ الأمانة الأخلاقية تفرض علينا أن نعترف بأن طريق تحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين ما زال طويلا وشاقا، وبأن الموروثات المجتمعية تمثل عائقا لا يستهان بتأثيره وضغطه على كل الجهود الساعية لانتزاع مزيد من الحقوق للمرأة، وبأن هناك حاجة إلى تعديل كثير من القوانين التي ما تزال تكرس تمييزا بين الجنسين، أضف إلى ذلك أننا ما نزال بعيدين عن الارتكاز على معيار الكفاءة بين الجنسين، كأداة لوضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
فالطريق للوصول إلى هذا الهدف شاق وطويل، فنحن نعيش في مجتمع شبه محافظ، ما يزال قطاع عريض منه يضفي القدسية على العادات والتقاليد الموروثة من الماضي، وما يزيد من وطأة هذه التحديات، مقاومة قوى التيار الديني للجهود التي تستهدف ضرب المرتكزات الرئيسية التي تكرس التمييز بين الجنسين، ناهيك عن هذه القوى التي لا تؤمن أصلا بالمساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة، وهي قد أكّدت ذلك من خلال موقفها من العناصر النسائية في #الانتخابات النيابية والبلدية، حيث عزفت جميعها عن تقديم امرأه واحدة ضمن قوائمها الانتخابية لهذه المؤسسات.
من المؤكد أنه لا يوجد مستحيل أمام إصرار الإنسان على الوصول إلى حقوقه الإنسانية، والمرأة، وإلى جانبها الرجل المؤمن بالمساواة وبحق المرأة في التمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها الرجل، ستصل حتما إلى هذا الحق الإنساني، فالأصل هو المساواة بين الجنسين، وليس التمييز.