عندما تدور دائرة الأيام على الإنسان فيصبح الكبير صغيراً ويصبح العظيم حقيرا،عندما نبتئس اليوم من كان سعيداً بالأمس ويخبو الصوت الذي كان يملأ الدنيا رغبة ورهبة ليحل مكانه صوتاً آخر على النقيض منه تماماً. عندها يحق للعين أن تبكي بدل الدمع دما؛ فإذا ما كانت دورة الأيام بما كسبت يد عظيم الأمس حقير اليوم فلتقطع الحسرة فؤاده وليذهب الندم بلبه؛ أما إذا ما كانت دائرة السوء قد دارت عليه بقضاء رباني لا يد له فيها فليصبر وليحتسب (فإن الأيام دول)هناك في مملكة عظيمة كانت لها صولتها وجولتها في الزمن الغابر كانت تقطن أسرة عريقة من النبلاء قد وليت إحدى الولايات بحكمة وحنكة جعلت أفرادها ينعمون بالحظ الأوفر من قرب ملك تلكم المملكة فيحصلون على نعيم الدنيا لا ينقصهم منه شيء يتمناه امرؤ في زمانهم بسبب تلكم الحظوة.
في الحقيقة :إن الوالي عبد الرحمن هو من كانت بيده مقاليد الأمور في المملكة فالملك يثق برأيه ورجاحة عقله فإذا ما ادلهم خطب أو نزلت نازلة اجتمع الملك مع مستشاريه ووزراءه وعقد الجلسات والاجتماعات ثم أمر عبد الرحمن فنظم الاجتماعات. فكان هذا الأخير يستمع للجميع بإنصات وهدوء ومن ثم يخلو بنفسه لساعات فيخرج برأي في الأعم الأغلب يكون الحل والمخرج في ثناياه.
ولاية (نمرين )كانت جدا جميلة فهي منطقة ريفية جميلة بمروجها الخضراء وجداول مياهها الرقراقة وحقول التين والزيتون والرمان .وأجمل ما فيها قصر الوالي عبد الرحمن الذي اجتمع فيه ما تفرق في أنحاء الولاية.
لقد كان عبد الرحمن موضع احترام وتقدير جميع أفراد ولايته بسبب دماثة طبعه ورجاحة عقله وكريم شمائله وعدله الذي شهد له به الجميع؛ ليس هذا فحسب بل لقد ذاع صيت الوالي عبد الرحمن في أرجاء المملكة وكل ولاياتها.
يكمن السر في نجاح والينا الحبيب في نجاح بيته وعلاقاته الأسرية.
في إحدى السنوات أجدبت المملكة وافتقر أهلها فلا يجدون إلا النزر اليسير مما يسد جوعتهم ويقضي حوائجهم، اجتمع الملك بأعوانه للبحث عن مخرج من تلكم الأزمة فعسر الأمر على الجميع وطال الانتظار وكثرت الاجتماعات ولكن دون جدوى.
ذات يوم اجتمع عبد الرحمن مع أفراد أسرته في مجلسهم الأسبوعي الذي كانوا يعقدونه ليناقشوا فيه مختلف القضايا التي تتعلق بأفراد الأسرة، طرح الوالي (الأب )الموضوع للنقاش واقترح أن يخلو كل فرد من أفراد الأسرة بنفسه لمدة نصف ساعة ويدون ما ينقدح في ذهنه من حلول وبعد ذلك تعقد جلسة لمناقشة الحلول المقترحة؛بالفعل لقد وجد المخرج فقد اقترحت خديجة (ابنة عبد الرحمن )أن يجمع الطعام الذي في المملكة في مكان واحد (كل الطعام )ومنثم يعين شخص يثقون بأمانته مع مجموعة يختارها فيقسمون الطعام بالسوية بين جميع أفراد المملكة (حصة أسبوعية لكل أسرة )وهكذا سر الجميع بالفكرة وكانت موضع التنفيذ الفوري (/رغم اعتراض بعض الطامعين والأنانيين /)وبفضل الله تعالى الذي وفقهم لهذا التكافل الجميل كان المخرج من الأزمة وكانت السنة التالية سنة خير وعطاء وازدهرت الأحوال ووضعت خطة (للتخزين الإحتياطي لمثل تلك الأزمات )وبكل تأكيد فإن هذه الحادثة زادت من رصيد عبد الرحمن وحظه من الوالي أضعاف ما كانت عليه.
)والسبب أنه عاش لغيره(سعيد ابن عم الملك والي أكبر الولايات مساحة وأكثرها سكانا (ولاية شيحون )كان واليا عابثا يحب اللهو والبذخ وكانت كل محاولات الملك لإصلاح أحواله تبوء بالفشل. لقد كانت له بطانة سوء تجمل صورته عند الملك وتبين له أن أفراد الولاية ينعمون بالأمان والخير الكبير وكي لا يتهمهم يبينون له أن من أخطائه حبه للهو والبذخ. ......
في الحقيقة لقد كان الوالي سعيد يدبر الدسائس ليوقع بعبد الرحمن مستعيناً بمستشاريه في سبيل ذلك.
لقد حاول مراراً وتكراراً تشويه صورة عبد الرحمن أمام الملك والرعية ولكن عبثاً كانت تلك المحاولات.
حتى أشار عليه وزيره المقرب بقتل الوالي ووراثة ملكه من بعده؛ راقت الفكرة للوالي سعيد فقدر ودبر ودس السم لابن عمه الملك في وليمة كان قد أعدها خصيصاً له .وكان قد أعد العدة فانقض على كرسي الملك ببطانة سوء أوصلته إليه بأفكارها الشيطانية.
تغيرت أحوال المملكة وعم الظلم أرجاءها. فأصبح الملك يفرض الضرائب الباهظة على السكان بكل طبقاتهم وتسلط الوزراء والأعوان على منابع المال في المملكة وأصبح الناس يعملون في أملاكهم المغتصبة كالعبيد.
ضاق الناس ذرعا بهذا الوضع الذي وصلوا إليه ورفعوا شكايتهم إلى الوالي عبد الرحمن الذي لم يحر جوابا لأنه يعرف أن هذا الذي وصل إلى كرسي الملك ظلما وعدوانا لن يسمح لأحد أن يهدد مجده المزيف.
إن مما اعتاده سكان المملكة الاستيقاظ المبكر والانطلاق إلى الأعمال المختلفة (كل في شأنه )وكان شباب المملكة يعقدون الجلسات العلمية يتدارسون العلوم المختلفة؛ فأبى عليهم هذا الملك إلا أن يحرمهم هذا الخير الكبير بسبب زيادة الأعباء ونشر الفقر في الرعية فقد فرضت الضرائب الباهظة وصودرت الأملاك بسبب واه ملفق أو بدون سبب فأصبح الناس لا هم لهم سوى تحصيل لقمة العيش والضريبة السنوية التي سيدفعها مقابل الإبقاء على مصدر رزقه الوحيد.
لم يكتف الملك سعيد بنشر الرعب والظلم في رعيته بل لقد قام وبأسلوب ممنهج بمنع عقد تلك الجلسات العلمية وذلك بوشاية أحد وزرائه الذي أقنعه أن الأمة لو أعطيت الحرية فتعلمت ووجدت الوقت الكافي ففكرت لأدى ذلك إلى نتائج لا ترضي الظالمين. (فاكتفى بتعليم أبناء الأمة أشياء يشرف عليها ندماء الملك وجلاسه. تشرف عليها الطغمة الفاسدة المقربة من الملك
بكل تأكيد ازدادت أحوال الناس سوءا وانتقلت المملكة من سيء إلى أسوأ.
حجم الوالي عبد الرحمن فأصبح لا قيمة لوجوده إلا كموظف يروح ويجيء إلى مقر ولايته فلا يستمع لرأيه ولا يستشار في الملمات ولا يجلس مع الملك خاصة الجلسات.
ليس ذلك فحسب بل لقد بدأ الملك بوضع العقبات وكيل الاتهامات. لما يشكله من خطر على عرشه المصطنع وبمعونة وإجماع بطانة السوء المحيطة بالملك إحاطة السوار بالمعصم.
وفي نهاية المطاف قام بعزله بحجة أنه قد أرهق من كثرة ما حمل من أعباء طوال الفترة السابقة فأراد إكرامه كما يدعي. فنفاه إلى مصيف جميل في المملكة فيه كل ما يتمنى المرء من نعيم الدنيا.
كيف الوصول إلى حماه
عرف عبد الرحمن أن هذه النهاية لا بد سيصل إليها مع ملك البلاد سعيد
فقام بتأسيس فريق من الشباب والشابات يعمل على وضع الخطط الإصلاحية والتربوية ليعيد للمملكة سالف أيامها وغابر مجدها.
وكان ابني عبد الرحمن على رأس الفريق
فترأس خالد مجموعة الشباب وخديجة مجموعة الفتيات.
وصل الخبر إلى الملك عن طريق العيون التي بثها تتصيد له الأخبار. استدعى والينا الحبيب عبد الرحمن عبس في وجهه وبسر وأمر به فسجن بتهمة التآمر على أمن المملكة وما هي إلا أيام قلائل حتى صدر حكم القاضي بالإعدام على هذا المخرب الذي يعبث بأمن البلاد بتهمة الخيانة العظمى.
إعدام الوالي
في صبيحة أحد أيام الجمعة اجتمع الناس في الساحة العامة ليشهدوا إعدام الوالي الذي طالما أحبهم وأحبوه وأحسن إليهم فشكروا له صنيعه.
اجتمعوا اليوم لا حول لهم ولا قوة ليشهدوا إعدامه بصمت قاتل. وما هي إلا لحظات حتى نصب العرش للملك ونصب عود الصلب للخاءن وحضر الجلاد فأطاح بالرأس الذي كان قد امتلأ حكمة لا يسمح الظلمة ببقاء حامليها.
أعدم عبد الرحمن وصلب سحابة ذلك اليوم بأمر من الملك فلم يجرؤ أحد على إنزاله ومواراة جسده الطاهر التراب. إلا ما كان من طفل في العاشرة من عمره أرسلته خديجة فاستخرج ورقة كان عبد الرحمن قد كتبها واستطاع بشق الأنفس أن يخبر ابنته أن إذا ما مت فأرسلي أحد تلاميذك فليخرج من قميصي رسالتي إليكم..
دالت دولة عبد الرحمن ومضى حيث مراد الله تعالى وذلك على حين غفلة من الحق وأهله؛ لكنه قضى غير آسف على ما قدم فلديه الحجة البالغة يقدمها بين يدي مولاه سبحانه يوم القيامة.
أما الورقة فقد جاء فيها ما يلي :- {أبنائي الأعزاء إن الله تعالى قد كتب في هذه الدنيا أنه لا يرفع شيئا إلا وضعه، وأنها ليست بدار بقاء، وإني والله لم أكن يوما طامعا بأمر من أمورها ولكن واجبي قد حتم علي أن أتسلم بالأمس ما كان السبب في موتي اليوم. وقدوتي في ذلك قول الله تعالى على لسان نبيه يوسف الصديق عليه السلام (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم )
-وصيتي إليكم أيها الأبناء الأعزاء يا أبناء المملكة أن تحافظوا على ما كنا قد اعتدنا عليه في خير أيام ملككم العادل وأن تجدوا وتدأبوا حتى ترجع إليكم أيام الخير والعطاء الرباني وإن ذلك لن يكون بغير إرادة حقيقية تجتمعون عليها وتدأبون من أجل الوصول إليها بإخلاص وتفاني وهم وهمة لا تعرف الكلل ولا الملل ولا اليأس.
فاصبروا وصابرو ورابطوا وافعلوا الخير تنالون مرادكم بإذنه تعالى.
أترككم برعاية الله وحفظه.
(وكلي ثقة بأن دولة الباطل سوف تزول عندما يريد الحق ذلك )