من قلب الخراب الذي يخيم علي أقطارنا العربية من العراق إلي سوريا مرورا بلبنان ومن ليبيا إلي اليمن مرورا بفلسطين، أضاءت النساء السعوديات ، أكثر من شمعة في الظلام العربي الدامس، حيث شاركت المرأة للمرة الأولي في تاريخ المملكة، في التصويت والترشح، في انتخابات المجالس البلدية التي جرت السبت الماضي.
ومن بين 900 امرأة تقدمت للترشيح، في مواجهة نحو ستة آلاف مرشح، فازت 19 مرشحة، في أنحاء متفرقة من مدن المملكة، من بين 284 مجلسا بلديا يشكلون ثلثي عدد المقاعد المنتخبة، فيما يجري تعيين الثلث الآخر.
نجحت المرشحات السعوديات، برغم الظروف الضاغطة التي أحاطت بحملات النساء الانتخابية، ومنعت الاختلاط بين الجنسين في الأماكن العامة، وحظرت علي المرشحات الالتقاء بشكل مباشر بالناخبين من الرجال، فضلا عن الدعاية السوداء التي تقوم بها التيارات الإسلامية المحافظة التي لاتزال تمنع المرأة من قيادة السيارة، وتسعي لتكريس أعراف وقوانين لا تسمح للمرأة بالعمل أو السفر إلا بموافقة ولي الأمر، وتقود حملة واسعة ضد توجه الحكم السعودي لمنح المرأة هذا الحق، أو غيره من الحقوق التي يقرها الدين، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
تأتي هذه الخطوة، كتتويج لنضال المرأة السعودية – تشكل نصف تعداد المجتمع السعودي الذي يبلغ تعداده 21 مليون نسمة- الممتد لعقود من أجل نيل حقوقها في المساواة وبعد النجاح الذي احرزته في مجالات التنمية الاجتماعية والبشرية والاقتصادية، والاستثمار، وفي قيادة مؤسسات ناجحة في كل هذه المجالات، وبعد نجاحها في خوض انتخابات الغرف التجارية والصناعية، ووجودها الملحوظ والمؤثر في ميادين الحياة العامة، وبينها الكتابة الإبداعية الروائية والقصصية والشعرية.
كانت الدورة الأولي للمجالس البلدية السعودية قد انتخبت في عام 2005، وحين تمت انتخابات دورتها الثانية في سبتمبر2011، قرر حكيم المملكة الراحل الملك عبد الله، مشاركة المرأة كناخبة ومرشحة في دورتها الثالثة، وهو الأمر الذي سانده ونفذه الملك “سلمان”.
نجاح المرأة السعودية للمرة الأولي في هذه الانتخابات يثبت أن حقا لا يضيع وراؤه مطالب، وأن رياح الإصلاح باتت تغشي معاقل المتطرفين والمتشددين الذين يروجون للعنف والخرافة والجهل والتخلف ومعاداة الحداثة باسم الدين، ويفرضون علي المجتمع بتدينهم الشكلي، وعلي المرأة وصايتهم، التي تحول بينها وبين التحرر والتحقق الإنساني، رغم الكفاءة الثقافية والعلمية والمهنية، التي تكشف عنها المرأة السعودية في كل المحافل التي تظهر بها، وفي كل القضايا التي تتصدي للدفاع عنها، منتصرة لأهليتها بالمساواة، ولحق المجتمع السعودي في الاستفادة من نصفه عبر الإسهام الفعلي للنساء في كافة ميادين الحياة.