قالت السيدة إن حفل رأس السنة المبكر الذي أقيم في منزلها الصغير، كان غير اعتيادي، بعد أن قرر ابنها البكر ذو السبعة عشر عاما، أن يصارحها بالحقائق التي طالما أزاحت فكرة ورودها عن ذهنها، وكأنها شيطان عليها أن تستغفر ربها من مروره أمام مخيلتها.
جلس أمامها مباشرة بينما تقطع قالب الحلوى منزلي الصنع، ثم أمسك بكفه المتعرقة وجهها وأداره إليه، ليقول لها مباشرة: ماما أنا مدمن على الحشيش!
توقف الاحتفال في الوجوه الأخرى المتحلقة حول قالب الحلوى. وانقبضت القلوب الصغيرة من آخر مصائب العام 2015، والذي بقي على الخلاص منه بضع ساعات قليلة، لم تقبل أمهم أن ينتظروا، انقضاءها ليحتفلوا بشكل طبيعي، لأنهم مرتبطون جميعا بجدول أخيهم الكبير في الدراسة والاستيقاظ والنوم والأكل واللعب وفتح جهاز التلفاز والتواجد في غرفة الصالة وزيارة الأصدقاء، وعدم استقبالهم بالضرورة، والتحدث إليه شخصيا في أي شأن.
لكن حفلة انقباض القلوب لم تطل كثيرا عندما قال لها خبره الثاني والمتعلق بشقيقته الوسطى؛ حيث اكتشف أنها تتحدث في الهاتف في وقت متأخر من الليل مع “ولد”، بينما هي تغط في نومها العميق وتظن أنهم كذلك. ليس هذا فقط بل إن مواجهته لأخته ليلة القبض عليها، أسفرت عن اعتراف ساخن جدا، وهو انضمامها إلى مجموعة “فيسبوكية” محلية الصنع، تتداول الصور والفيديوهات والأخبار والمعلومات والنصائح حول علاقات لاأخلاقية.
هنا، وفي اللحظة التي كانت تبث فيها شبكة الأخبار صور حريق شب في أحد فنادق مدينة من أكثر مدن العالم سلاما وأمنا وطمأنينة، بدأت النار تشتعل من تحت أقدام الأم ومدعويها الخمسة على حفل نهاية العام.
تقول السيدة إن شيئا لم يؤثر بها أكثر من البرود الذي ساد المكان والزمان وكأن الأولاد قد بدأوا يسقطون من حساباتهم ترتيب مكانها بينهم ورهبة مكانتها كذلك.
فهي تعتقد وبعد سنوات توليها أمر قيادة البيت وتربية الأولاد، أن شيئا لن يتغير في الترتيب والنظام الذي فرضته على البيت وسكانه من سنوات طويلة. وأن “التعامل” مع اعترافات نهاية العام سيكون بنفس آليات طبقت من قبل، في قضايا سمتها هي شائكة، كتراجع علامات المدرسة، أو التأخر عن موعد العودة للبيت. تقول إن الارتباك لو بدأ بالتسلل في وجدان المنزل، فإن الحريق الذي طال غرفتين فقط سيمتد إليه بالكامل. وتزيد وهي تتحدث عن خلفية معرفية، إن أسهل طريقة لإطفاء النار هي منع الأكسجين من المكان!
فعلى الرغم من أن بكرها بدأ يشرح لها عن دورها المباشر في وصوله وشقيقته المراهقة إلى هذا الحد من التسيب. واجهها بأخطائها المتوالية وإصرارها على لم وسخ البيت وإخفائه تحت السجادة. لأن اهتمامها الوحيد هو الصورة الجميلة المؤدبة المرتبة أمام الناس. قال لها بالحرف إنها لن تتفاجأ من أخباره السيئة، لأن كل المقدمات كانت تتبختر من أمامها وهي لا تريد أن تصدق! لماذا؟ لأن مجرد النقاش في العلامات الواضحة، كالدوائر الزرقاء تحت العيون وانتهاء حزمة الانترنت الشهرية في أسبوع واحد، وهزال الجسم واكتشاف صورة “سيلفي” للبنت على هاتفها بدون حجاب وتراجع علامات المدرسة ولو قليلا، كلها ستؤدي لنتيجة واحدة؛ أنها ربما أخطأت في مكان ما، وهي في موضوع التربية، لا تخطئ أبدا!
أما الفتاة التي لم تجد مرافعة تدافع بها عن نفسها، فقد حملتها المسؤولية كافة، لأنها رفضت أن تقترب إليها، وتقصر المسافة بينهما بحيث يمكنها أن تعترف لها بهواجسها واحتياجاتها وأفكارها، كما لم تتفهم حساسيتها المبالغة وجنوحها للانفراد والبكاء وحدها على سريرها، لأن جل ما يهمها هو النتائج، والنتائج بالنسبة لها هي درجات المدرسة التي عليها أن تنافس بها أولاد وبنات العائلة!
طبعا السيدة لم تكن تشعر بأدنى ذنب تحمله لجفاف مشاعرها وقسوة تعاطيها مع أولادها. مدللة على نجاحها المتفرد بشهادات معلقة على الحيطان، منطلقة من نظرية أن المتفوق دراسيا لا يملك وقتا ليقع في الخطأ. مصرة أن علاج الأزمة الأخيرة سيكون بالأسلوب “الناجع” نفسه؛ سيطرة، تشدد، حرمان حتى يعرف جميع سكان هذا المكان، أن الله حق!