يجب أن نعترف بأن ما تحققه الفتاة السعودية من نجاحات أكاديمية ووظيفية وإبداعية تستحق الإشادة. كما يجب أن نعترف أيضا بأن إدارة المرأة للمرأة بحرفية النظام حولت بيئة العمل النسائي الى بيئة طاردة. ومع وجود التفاؤل الذي يسود المجتمع بالرغم من القراءة لعجز الميزانية وتأثيره على التوظيف، إلا أن هناك نظرة مستقبلية واعدة بتنويع مصادر الدخل ما يعني ويؤكد خلق الفرص الوظيفية لأبناء وبنات الوطن.
وفي ذات الإطار كشفت تقارير إعلامية عن بعض جوانب الخلل في بيئة العمل والتوظيف النسائي في المملكة. وصنفت هذه التقارير جزءا من المشكلة يكمن في التوطين الوهمي للوظائف النسائية. ومن هنا نسأل هل هناك معضلة في توطين الوظائف وخاصة النسائية منها؟ ومن المتسبب في خلق بيئة إدارية تسمح ببيع الوهم وتعزيز الصورة الذهنية السلبية عن المجتمع السعودي وتحديدا عن المواطنة الموظفة في القطاع الخاص؟
والتركيز على القطاع الخاص لأنه المعني بالكثير من تلك التهمة بالرغم من مشاركته الفاعلة في التنمية الوطنية.
قبل أن ابدأ بمناقشة رؤية حول تقرير التوطين الوهمي أود أن اسجل الشكر والتقدير لإدارة التعليم بمنطقة الرياض ومديرها وقبل ذلك وزير التعليم الذي جعل من الأسر المنتجة شريكا في تقديم الغذاء الصحي لأبنائنا عبر مقاصف المدارس بدلا من شقق صناعة السموم التي تديرها عمالة وافدة وسائبة. ولكي تنجح التجربة لابد من الوقوف بجدية وبروح وطنية الى جانب الأسر المنتجة. وبلغة بسيطة ورسالة واضحة "لا بد أن تنجح هذه التجربة الوطنية".
لماذا أقول هذا وبإصرار شديد؟ أولا لأني اعرف أن هناك من يستمع بإفشال التجارب وتقزيمها. وأننا إذا ساهمنا في نجاح الأسر المنتجة في الرياض بإدارة وتموين المقاصف المدرسية فهذا يعني تعميم التجربة على مستوى المملكة. ويعني خلق وظائف حقيقية للمرأة السعودية وليس توطينا وهميا. ويعني أيضا حث المدارس الخاصة على قبول منتجات الأسر السعودية ضمن توجه المدارس الحكومية. ولو افترضنا جدلا بأن كل مشروع أسري تقوم عليه خمس سيدات سعوديات - وليس "بنظام الشغالات الآسيويات" - ويغطي على الأقل ثلاث مدارس حسب عدد الطلاب، فهذا يعني الكثير من الوظائف. ولن أدخل بنظام حساب عدد المدارس الذي يفوق الثلاثين الفا وقسمة ذلك على كل فريق وإنما أحثكم على القيام بذلك لنعرف كم عدد الفرص الوظيفية المتوقعة في هذا القطاع وحده.
وطالما أنه مشروع وطني بدأ فعلا، لذا لا بد من دعمه ومحاسبة كل من يسعى لإفشاله أو يضع العراقيل والاشتراطات التعجيزية أمامه. فلقد مللنا من دف النساء السعوديات الى نفق "الدلالات" التقليدي على ارصفة الأسواق الشعبية.
وبالعودة الى موضوع التوطين الوهمي الذي بدأ يتكشف مع ظهور المرأة في كشوف قطاعات كالمقاولات وتجارة التجزئة ما ينذر بوجود توطين وهمي. ومع هذا اكدت وزارة العمل أن تسجيل ما لايقل عن 477 الف سعودية في نظام التأمينات الاجتماعية هو نجاح لبرنامج التوطين النسائي الذي تقوده الوزارة، ولم تغفل عن حقيقة وجود توطين وهمي لكن ليس بالمبالغة التي تشير الى ما يقارب من ال 300 الف وظيفة وهمية في تلك القطاعات.
ولن تقف الوزارة مكتوفة الأيدي عن ردع تلك المخالفات حيث وضعت غرامة تصل الى 25000 ريال عن كل حالة توطين وهمي يتم الكشف عنها وتتعدد بتعدد الحالات. يضاف الى ذلك المتابعة التحليلية لرواتب الموظفات وحالات الاستقرار الوظيفي. ولعل ما يلفت الانتباه في رؤية الوزارة أن قطاع المقاولات قطاع واعد حيث يضم حوالي 120 الف موظفة في الخدمات الإدارية المساندة وهو رقم ضئيل ولا يمثل سوى 3% من إجمالي العاملين في القطاع بشقيه التشييد والبناء وقطاع التشغيل والصيانة، والذي يصل الى حوالي خمسة ملايين عامل. وهو رقم كبير عند مقارنته بعدد السكان وعدد الوافدين من العاملين في القطاع. ما يهمنا هنا هو الأرقام الحقيقية والوهمية والقطاعات النسائية التي يخدمها القطاع وتمكين المرأة السعودية من خدمة المنشآت النسائية بدلا من خدمات الوافدين بعد خروج الموظفات.
فعلى سبيل المثال جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن ومدن الطالبات في الجامعات السعودية أولى من غيرها بالتوطين الحقيقي للوظائف النسائية. وكم أتمنى ان تتابع صحافتنا المحلية نشر تقارير عن حجم توطين الوظائف النسائية في الخدمات المساندة في المدن الجامعية النسائية. وهذا سينسحب على الكثير من مدارس البنات. وهنا قد تقفز في ذهن بعض سيدات الأعمال السعوديات ومنهن مهندسات ومن اسر تجارية فكرة تأسيس شركة مقاولات وصيانة وتشغيل نسائية كبرى! لو ظهرت شركة نسائية كبرى سنكتشف بقية الجانب المظلم للتوطين الوهمي للوظائف النسائية.
ولكي ينجح مشروع التوطين الحقيقي للوظائف النسائية يجب أن تكون بيئة العمل جاذبة للكثير من تجارب التوطين الحقيقي للوظائف، وآمنة للمرأة السعودية من تحرش بعض ضعاف النفوس، وتحمي أيضا بيئة الرجال من التهم غير المنصفة في بعض الأحيان. فإصلاح بيئة العمل وفرض العقوبات الصارمة سيجعلان من بيئة العمل بيئة آمنة للمرأة السعودية، بل وبداية لتصحيح كثير من التعاملات مع المرأة في الشارع والأسواق. وفي هذه الفقرة الأخيرة اتحدث عن ثقافة بعض الشباب وليس عن الأنظمة الرادعة للسلوكيات الخادشة للحياء. خلاصة قول العرب في هذا الجانب إن "من لم يرب معروفه فقد ضيعه".