هل نحن كلما كبرنا لا نملك القدرة على النسيان؟ هل نصرُّ بكامل إراداتنا أن نتذكر أحداثاً مضت تركت جروحاً في نفوسنا وقلوبنا، أو أن الأمر يختلف بين إنسان وآخر، وبين ثقافة وأخرى، ووفقاً لحجم الخسائر التي نتجت عن الأحداث التي مضت في حياة كُلٍّ مِنَّا؟.
ولأنني كبرتُ ونسيتُ أن أنسى الهواية الجميلة التي أعشقها ـ وهي القراءة ـ التي أدين بعشقي لها لجدتي الحبيبة مُعلمة اللغة العربية، أدعو الله أن يجازيها عني خيراً، فقد بدأت منذ أيام أتفحص بعض الكتب التي زوّدتني بها ابنتي وصديقتي العزيزة (أميرة)، لعلمها أنها الهدية الأكثر قيمة عندي، وراق لي عنوان رواية للكاتبة الكويتية "بثينة العيسى"، وهو: (كبرت ونسيت أن أنسى). والكاتبة بحق تتمتع بالأسلوب السهل الممتنع؛ فالرواية تتسم بالبساطة، على الرغم من العمق والرمزية اللذين يلحظهما القارئ عبر صفحاتها كلها.
من القناعات الراسخة لديّ أنه من حق القارئ أن يستنتج ما يشاء من رسائل الرواية التي بين يديه، ولذلك عادة ما يكون معي قلمي الفوسفوري؛ لأضع علاماتي على فقرات تمسُّ شيئاً في داخلي، أو أريد أن أعيدها على مسامع أحد من أفراد أسرتي أو أصدقائي، أو أستخدمها عند الكتابة عن الرواية، خاصة وأن الرواية جمعت بين الفصحى ولمسات بسيطة من العامية، وضمت بين سطورها أبياتاً من الشعر، وهذا التنوع في الكتابة ينقل القارئ نقلات تجعل الملل لا يتسرب إلى نفسه، ولذلك لفت انتباهي هذا العمل الأدبي المميز.
تنقل رواية "بثينة العيسى" القارئ إلى أجواء المجتمع الكويتي، وللوهلة الأولى يبدو موضوع الرواية وكأنه موضوع تقليدي عن وضع المرأة في المجتمعات الذكورية، على غرار الكثير من القصص والحكايات التي تتمركز حول سلطة الرجل، واضطهاده للمرأة، ولكنّ الروائية استطاعت بذكاء أن تنقل القارئ في سلاسة من شخصية إلى أخرى، ومن حالة إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر، من دون أن تشتت القارئ، فما بين حياة الطفلة "فاطمة" في أسرتها التي تضم أباها وأمها؛ تلك الحياة الطبيعية لطفلة من حقها أن تلعب بدميتها، وتخرج وتجري، وتحيا طفولتها مع صديقتها "حياة"، فجأة يقع الحدث الأخطر في حياة أي طفل، إنه "اليُتم".. فجيعة موت الأبوين، والخروج من دائرتهما إلى دائرة أخرى، حتى لو كانت بيت الشقيق أو الشقيقة، أو أحد الأقارب. فاليتم يظلّ يتضخم بين جنبات نفس اليتيم وقلبه، خاصة إذا ساعدت الظروف على نمو هذا الشعور وتكاثره وانتشاره، مثلما حدث عندما انتقلت "فاطمة" بطلة رواية "كبرت ونسيت أن أنسى" إلى بيت شقيقها من أبيها، الذي يظن خطأ بأن المحافظة على الأنثى تكون بالقسوة والأوامر والنواهي باسم الإسلام، مثله مثل شريحة من البشر، وربما تكون شريحة نسائية، أو حتى منتمية لأديان أخرى، فهذا الفكر يوجد في المجتمعات البشرية كافة، ولكن ما يؤلم أن شخصية "صقر" منتمية إلى الدين الإسلامي، الذي منح المرأة المكانة التي لم يمنحها إياها دين آخر، وهذا كلام مكرر، يطول الحديث فيه، فلا يمكن وفق فهمنا الخاطئ للإسلام أن نخنق البشر، ونحلّل ونحرّم كما نشاء، و نمارس أنواعاً من القسوة في بعض المجتمعات على المرأة، فتُحرم من حقوق كفلها لها الإسلام، كأن تلتحق بتخصصات علمية أو أدبية معينة، أو العمل، أو تحقق طموحاتها ما دامت مشروعة، ولكن لماذا الأحلام طالما أن مقرها النهائي هو البيت؟!، وهذا ما فعله "صقر" الأخ غير الشقيق لـ"فاطمة"، بعد أن أصبح وليّاً لأمرها، فباسم الإسلام الذي جاء ليحرِّم وأد البنات يريد "صقر" أن يئدها وهي على قيد الحياة، عندما يغتصب أحلامها وطموحاتها وآمالها!.
تصف "فاطمة" السرداب الذي أسكنها فيه أخوها بأنه "كان السواد دامساً، والرائحة تفضح التفسخ البطيء لمكان مات منذ زمن وما زال يتحلل على مهله."، ولم يعد بعد فترة هو السرداب الوحيد في حياة "فاطمة"، بل تعددت السراديب داخلها، وعانت من الوحدة التي أصبحت تشعر بها داخل هذا السرداب و داخل نفسها، فأصبح اليتم والحرمان والقسوة دوائر حياة "فاطمة" التي تدور فيها.
مَنْ ينقذ "فاطمة" من السجن والسجان؟!.. في الحقيقة لم تضع الكاتبة "التوابل" الموجودة في الروايات التي تحرر المرأة بالانحراف، والعلاقات المتعددة، والممارسات الشاذة.. إلى آخر طابور مخلِّصات المرأة من الظلم الذكوري الذي يقع عليها في بعض المجتمعات، ذائع الانتشار في معظم الروايات المكتوبة والمرئية. وإنما تحررت "فاطمة" بالكتابة. نعم، الكتابة التي تُعدّ أعظم اختراع في تاريخ البشرية، كما ذكر المؤرخون القدامى، ووصفتها "فاطمة" بأنها "فائقة على الحياة، بل إنها تجاوز لها"، فأصبحتْ تتحرر بالكتابة شعراً.. الشعر الذي يمكن للقارئ أن يدرك أنه البطل الحقيقي للرواية، بعد أن أصبح هو وفاطمة كياناً واحداً، من الصعب أن ينفصلا، فلولاه لماتت "فاطمة" إكلينيكياً.
ولكن، كيف يمكن أن تهرب "فاطمة" من قبضة سجانها الذي ينظر إلى ممارسة أو التخصص في مجال الأدب على أنه قمة الرذيلة وقلة الأدب؟!، وفي سبيل الخلاص من هذا العار المتجسد في هذه الأنثى، يسجنها في انتظار من يأتي ليخلصه من هذا العار بالزواج، وتظل "فاطمة" في السرداب تمارس الشعر وتحاور السرداب وما فيه، لينتهي الأمر بالزواج من شخصية تتعامل معها برقة ولطف، ولكنها تحمل مبادئ "صقر" نفسها في منع المرأة من التعليم والعمل والكتابة، وهذا ما يجعلها تشعر بأنها لا تزال سجينة، وإن اختلف السجن والسجان، ويظل الحرمان من تحقيق أحلامها باستكمال تعليمها ونشر كتابتها هو الشعور المسيطر عليها، لتدور في فلك الأدوية المنومة والمهدئة التي قالت عنها:"العقاقير، الحبوب المنومة، مضادات الاكتئاب، الصداع النصفي، الكوابيس..."
استكمل الرواية التي قد نختلف أو نتفق مع أحداثها وشخوصها ونهايتها، فلكلٍ مِنّا قراءته الخاصة، والرسائل التي يمكن أن يتلقاها من العمل الأدبي الذي يمكن أن يحفِّزه أو يصيبه بالإحباط، ولكن يبقى أننا يمكننا أن نتعلم شيئاً مما نقرأه، حتى ولو كانت رواية واقعية أو خيالية أو.. فتسامح "فاطمة" مع "صقر" أثناء مرضه قائلة "أنت لا تستحق السماح ولكنني أمنحه لأنني أستحقه...."، يذكِّرنا بأن مبدأ التسامح مع من تسببوا في ظلمنا في كثير من الأحيان يكون من أجل المتسامح نفسه، فالتسامح هو الذي يحررنا من الداخل، أما الكره والحقد والذوبان في لعب دور الضحية للأبد فمن أهم أسباب الإعاقة النفسية، بل إن هذه المشاعر السلبية يمكنها أن تسرق أعمارنا وحياتنا وأحلامنا، وإصرار الإنسان على اجترار كل الذكريات الحزينة لن يغير شيئاً سوى توليد طاقات سلبية تحول بينه وبين الحياة.
انتهيتُ من الرواية وقد زادتني إصراراً أنني كلما مَدَّ الله في عمري وكبرتُ سأتذكر أن أتذكر وألا أنسى كل الأحداث والذكريات الجميلة التي تتوارى في أغوار الذاكرة، التي نملأها بالأحداث والذكريات المؤلمة، فهل تشاركني عزيزي القارئ في ما سأفعله بعد الانتهاء من كتابة المقال، وهو فتح صندوق الذكريات، والتنقيب في ذاكرتكَ عن الكلمات الرائعة التي استمتعتَ بها، وأشخاص أمدوك بالأمل، ولحظات نجاح، مهما كانت صغيرة؟. ما رأيكَ عزيزي القارئ أن تزيلَ التراب عن كل ما هو جميل في حياتك، مهما كان صغيراً، ومهما كان من وجهة نظر الآخرين تافهاً، وحياة كلٍ مِنَّا لا تخلو من الحزن والسعادة، والنجاح والفشل، والأشياء تُعرف بأضدادها.
ولتسمح لي الكاتبة الرائعة "بثينة العيسى" التي حفّزتني روايتها، على الرغم من بؤس أحداثها.. لقد كبرتُ وتجاوزتُ منتصف العمر، سأنسى ألا أنسى معلمتي الحنون، والجيران الطيبين، والهدايا التي أسعدتني، ودموع الفرح، ولحظات الحب والأمل.. وسأسامح وأتسامح، لأكمل الحياة، طالما في العمر بقية بإذن الله.
عبير الكلمات:
الحبُّ يحتاجُ إلى الصِّدقِ كي يُمنَحَ جوازَ مرورٍ يتجدَّدُ تلقائيّاً بلا تاريخٍ لنهايةِ الصلاحيّةِ.