مرت بالعديد من الأقطار العربية حروب طاحنة ، وكانت مدنها هي مرتع تلك الحروب في الأغلب ، والمرأة كانت معاناتها من تلك الحروب أكثر وطئا من أخيها الرجل ، فالرجل عادة أكثر جلداً وصبراً في الحروب ، إلا أن المرأة معاناتها أكبر لرقتها وعطفها وكرهها للحروب وويلاتها ، وعدن هي أحدى المدن العربية الأكثر تعرضاً لحروب متكررة ، ولمياء فتاة عدنية منفتحة على الحياة بشكل ملفت .. تطلعاتها ليس لها حدود أو سقف .. تتبدى مظاهر تفاؤلها في المستقبل من خلال تواجدها وتفاعلها في قاعات الدراسة في مرحلتها الثانويةالمختلطة حينها .. تتمتع لمياء بجمال انثوي أخاذ قد يؤدي إلى طمع البعض فيها كأنثى بتلك المواصفات بين زملاء في سن المراهقة الحرجة ،إلا إن تفوقها الدراسي ، وجمال روحها ، ودماثة خلقها كانوا بمثابة جدار صد للعبث معها ،ففرضت احترامها على الآخرين من حوالها .. لمياء محظوظة بمحيطها التعليمي والاسري ، فكان والديها - بالرغم من أنهما من بيئة محافظة - إلا أنهما لم يقفا يوما كحجر عثرة في سبيل تحقيق طموحاتها العلمية والحياتية .. فبعد تفوقها في الثانوية العامة "القسم العلمي" وتأهلها بجداره للحصول على منحة دراسية إلى المجر"هنغاريا" في مجال الطب البشري .. سمحا لها باستكمال دراستها ..شريطة أن تعقد القران على خطيبها عصام الذي حصل على منحة في الهندسة الكيماوية بنفس البلد "المجر"..
ذهبت هي وعصام في رحلة تأهيلهما العلمي لمدة سبع سنوات ،وعادا بعدها ليخدما مدينتهم عدن.. أتما زفافهما في احتفال كبير .. بدأت لمياء تحقق بعض طموحاتها المهنية والاسريةبالتدريج .. أسسا منزلاً متواضعاً .. مرت السنوات وأنجبت ولدين وبنت واكتفيا بهذا العدد حتى يستطيعا تربيتهم أفضل تربية .. تخصصت فأصبحت أخصائية جراحة عامة ، واشتهرت كطبيبة ناجحة .. لمياء كغيرها من نساء عالمنا العربي طموحة في بقاء حياتها وحياة أسرتها بسعادةواستقراردائم، إلا أن الرياح كانت تجري بما لاتشتهي سفن أحلامها .. باطلالةعام 2015 كان من نصيب عدن حرباً أكثر دماراً وهلاكاً واهلاكاً من الحروب السابقة.. فاشتد قصف الطائرات وانهمار القذائف .. انقطعت المياه والكهرباء ، وأغلقت المتاجر والمطاعم وكل أماكن التسوق والخدمة وعمت الفوضى ، إلا مهنتها كطبيبة لم تتوقف بالرغم من ظروف الحرب .. بل أن الحاجة إليها كطبيبة زادت .. دائما ما تبادر للذهاب إلى المستشفى لإنقاذ الجرحى وإجراء العمليات الجراحية للحالات الحرجة .. تقضي ساعات طويلة في المستشفى .. في تلك الساعات كان فكرها مشغولا بأولادها وبيتها ، كيف يدبرون أحوالهم في أجواء تلك الحرب المجنونة .. بعد ساعات من العمل المتواصل والمضني تغادر المستشفى وسط الغارات الجوية والقذائف المتساقطة في كل حدب وصوب ، وبين زخات الرصاص التي تملأ الأجواء لتولج منزلها لتجدهكعادة كل ليلة في ظلمة حالكة عدا شمعات استطاعت عمتها "أم زوجها" من أضاءتها لتكسر حدة الظلمة الموحشة تلك ، ليس هناك ماء للشرب أو الاغتسال سوى دبة ماء استطاع ابنها الأكبر منير جرها من بين براثن زحمة الناس المتهافتة والمتزاحمة على بئر مهجورة للحصول على أدنى قدر من احتياجاتهم للمياه غير النظيفة .. عمتها تماشياً نع ظرف الحرب فرضت نظاما قاسياً لاستخدامات الماء في المنزل،فمنعت الغسل والاغتسال وطالبت أن يظل الماء لاحتياجات الطبخ والشرب فقط ، فتحت لمياء براد البيت "الثلاجة" ونظرت إليها بحسرة على ضوء الشمعة فوجدتها خاوية ومطفأة بسبب انقطاع الكهرباء .. ركضت هنا وهناك لتساعد عمتها لتحضير وجبة عشاء متواضعة لها ولزوجها ولأولادها ..كانت تحتضن ابنتها وابنها الصغيرين كلما سمعت دوي طائرة أو قذيفة .. عند خروجها من البيت يودعها عصام بالدموع ، وأولادها بالعناق والبكاء خوفاً عليها إلا أنها كانت تردد كلمات لتخفف عنهم مثل " .. لا تخافوا .. لن يصيبني إلا ما كتب الله وقدر .. خروجي واجب وطني واخلاقي .." الكل كان يدعو لها بحفظها من كل شر والعودة بالسلامة .. كان هذا روتين حياة لمياء وعائلتها أبان الحرب .. هذه المرة لم تكن كالحروب السابقة ..فلما اشتدت أوارها وطالت فترتها ،تغير دور أفراد الأسرة فلم تعد هي من تشارك في معالجة آثار الحرب بإنقاذ الجرحى والمصابين .. خرج عصام زوجها لينضم إلى صفوف المقاومين عن المدينة ، وابنها الأكبر هرب دون علمها أو علم عصام لينضم أيضا إلى صفوف الشباب المقاوم .. لمياء كعادتها تقضي ساعات طويلة في المستشفى تساهم في انقاذ الجرحى وتجري العمليات .. كانت قلقة على زوجها عصام وابنها منير .. استمرت أيام بين البيت والمستشفى تدعوا الله أن يوقف هذه الحرب المدمرة ،وان يحفظ الناس ويحفظ لها ابنها وزوجها .. في إحدى الليالي كالعادة تم طلبها إلى غرفة العمليات لانقاذ حالة حرجة لجريح .. لتفاجئ بأنه زوجها عصام .. أصيبت بدوار ..كادت أن تنهار إلا أنها حاولت أن تستجمع رباطة جأشها كطبيبة وقامت فوراً بمحاولات انقاذ عصام .. تطلبت منها حالة عصام أجراء عملية دقيقة في الخاصرة لإخراج شظايا قذيفة .. كانت الدموع تنهمر من عينيها .. سألتها الطبيبة الهندية المرافقة لها في غرفة العمليات عن سر دموعها الغزيرة هذه الليلة ..؟ .. همست بصوت متحشرج ومتقطع انه زوجي أبو عيالي يا دكتورة .. دمعت الطبيبة معها وطلبت منها أن تستريح لتقوم بمقامها وتستدعي كبير الجراحين .. ابت لمياء مغادرة غرفة العمليات حتى بعد حضور كبير الجراحين .. بذل الثلاثة قصارى جهودهم إلا أن عصام توقف قلبه ليفارق الحياة دون استئذان من جراء عمق الاصابة ،ونقص بعض الوسائل الإسعافية ، والانقطاع المفاجئ لكهرباء المستشفى .. عانقتها الطبيبة لتخفف عنها .. دخلن الممرضات ليقمنا بنفس العناق والاحتضان للدكتورة لمياء بعد أن علمن أن المتوفى زوجها .. حٌمِل عصام إلى مثواه الأخير .. عادت إلى البيت مكلومة متألمة على فقدان حبيبها .. واجهت مشكلة ابلاغ امه وأولاده بخبر استشهاده .. تمكنت بطريقة غير مباشرة من ابلاغهم فأجهش الجميع بالبكاء .. تذكرت ابنها منير .. يا ترى أين هو .. في أي جبهة .. انقطعت اتصالاته من يومين .. يا ترى عائش ..؟ أسئلة كثيرة راودتها وسيطرت على مخيلتها .. بعد يومين من تلقي العزاء دخل منير ابنها منزله على عكاز حاملاً رشاشه .. لقد بترت ساقة لأصابته إصابة بليغة في احدى ساقية .. حضنت منير ابنها بحرارة الفرحة ببقائه على قيد الحياة .. ظل منير لساعة فقط بين أهله يقبل هذا ويحتضن ذاك .. فجأة استأذنهم للمغادرة إلى جبهة القتال .. قالت له أمه : كيف تذهب تقاتل وأنت مبتور الساق ..؟ترجته أن يبقى بجوارها وجوار اخوانه الذين فقدوا أباهم إلا أنه رفض .. قال : علي أن أكمل مسيرة أبي في الدفاع عن مدينتي .. فشلت كل المحاولات معه فغادر وهي تودعه بعين دامعة وقلب يخفق خوفاً على حياته من حرب مجنونة فرضت على مدينتها ...
بعد اليوم الثالث من الحزن وتلقي العزاء ذهبت لمياء إلى المستشفى لتواصل عملها الإنساني.. معاناتها ومعاناة أسرتها أشد بفقدان عصام زوجها وانقطاع الكهرباء والماء والتموين معاً .. إلا أنها صمدت حتى تم تحرير المدينة ، وفرحت بانجلاء بعض كوارث الحرب ، إلا أنها صعقت بسماع استشهاد ولدها منير في اشتباكات مفاجئة وسط المدينة .. ندبت حظها وحظ مدينتها عدن التي تفرض عليها الحروب كل خمس أو ست سنوات .. ما الذنب الذي ارتكبته تلك المدينة الساحلية الوادعة .. ما الذنب الذي ارتكبه أهل عدن والأسر الطيبة مثل اسرة لمياء وعصام ..كانا شابين طموحين تواقين لحياة أفضل واستقرار مثل بقية مدن المعمورة وبغية خلائق الكون .. بالرغم من هذه المآسي التي سببتها الحرب لهذه الأسرة ومئات الاسر إلا أن الطبيبة لمياء بعد أيام نفضت عنها ركام الحزن ،وأصرت على استمرار الحياة بالرغم من المعاناة .. فعادت إلى المستشفى لتزاول عملها رغم الظروف وجراحات الحرب لفقدانها زوجها وابنها ..كانت تشعر بالسعادة حين تعالج مريضاً أو جريحا وترى الابتسامة عليه وعلى وجوه أقاربه .. الدكتورة لمياء نموذج للمرأة العربية القدوة،و التي تعاني أشد المعاناة من تخلف الحياة وحروب مدنها العبثية ،،،،لكنها قبلت التحديات جميعها لتبقى كما أرادت لنفسها.