لم تكن اللوحة المُثبتة على طاولة رئيسة جمعية النهضة النسائية (عام 1953 ) ببنغازي والتي خُط عليها جملة ( ليس في الدنيا مستحيل ) مجرد لوحٍ مخطوطٍ للزينة أو المُباهاة كميلٍ تُتهم به الأنثى عادةً حال خروجها للمجال العام ، فالسيدة الرائدة حميدة العنيزي كانت وقبل ما يقارب الثلاثين سنة من تاريخ تأسيسها تلك الجمعية قد باشرت مشروعها النهضوي في تاريخ ليبيا وحراك نسائها ، فسفرها المُبكر الى تركيا بعد اجتيازها مرحلة (التعليم الراشدي العثماني ) رفقة مُجايلاتها في مدينتها (شرق ليبيا ) ومدينة طرابلس ( غرب ليبيا ) وقد تفوقت وبرزت فيه اجتهادا ومثابرة ما رشحها كمُتقدمة على بنات صفها للدراسة في معهد المعلمات المُسلمات (استنبول تركيا 1912 ) ، وكانت حال عودتها 1917 م قد شرعت في تأسيس أول فصل دراسي لبنات عائلتها والجيران وقد كان ذلك الفصل الخاص في ركن من بيتها مُبتدأ الحلم الكبير من معلمة الى ناظرة المدرسة ، فمن استحالة السفر انذاك لأمرأة عبر بابور البحر ( المسمى الشعبي للسفينة ) وكان لها أن سافرت بل و تفوقت ورُشحت لإتمام دراسة عليا بفرنسا لولا ضغط الأب ومنعه لتحقيق ذلك التكريم المُكافيء لها ، كونه ولنا أن نحسب له وعيا مُفارقا حينها فقد قبل بتعليم دولة الاسلام ( تركيا ) وليس له ان يقبل بتعليم وعيش عالم دولة النصارى ( فرنسا ) ولعل حسه السياسي آنذاك وحسب المُقتضى والحال ما له أثره ودوره ، فحميدة العنيزي ابنة بنغازي المُنطلقة من تاريخها العائلي المُنفتح والمتنور ولعل ذلك مفتاح مُعاركة الحياة ونبذ المستحيلات .
إبنة بنغازي المعجونة بمحيطها والعارفة بسبر مسالكها من بدأت حُلمها الكبير برفع لواء العلم والمعرفة من ذلك الفصل ( القرابي ) بدكة ومسند بممر طويل ببيتها ، وكمُعلمة خرجت الى البيوت والأحياء تنادي أن حيا للعلم مفتاح التنور للنساء فلا جهل ولا عُزلة ولا ارتهان لشبح التخلف أو الإتكاء على معوقات الزمان والمكان بل المُغالبة والتمترس على كسر ايقاع الاستسلام والمراوحة مما يأتي وقد لا يأتي ، ولليبيا مُستقبل ستُجاري فيه جاراتها من الدول بل والعالم ويكفي أن تتطلع بعينيها شرق بلادها لترى مُعاركة المرأة المصرية وقد كانت بعض من الطالبات قد خرجن للدراسة الجامعية بها مع أواخر الثلاثينيات وأول الاربعينيات ، ثم ألم تُجاري هي طلائع من بنات العالم الاسلامي في استنبول وبرزت كمتفوقة في عُقر دارهم ومعهدهم ! ، لم تكن حميدة ترى ذلك حُلما مُستحيلا ، في مشروعها أختطت سُبلا عديدة موظفة الجهد والوقت خير توظيف بدءً من نهجها خلق الحواريات الشبيهات فقد جعلته (ما ظهر اخيرا تحت مسمى التنمية البشرية : صُنع القادة ) خط سيرها لتوسعة دور الفاعلات اللاتي لم يخلو المناخ منهن وقد احتجن الى سنيدة ورديف تشاركهن أهدافهن الخجولة قياسا بالزمان والمكان ، ،في المشروع كان العمل الاهلي المدني ديدنها فلم تتعاطى الرائدة حميدة نضالها النسوي من واقع اتهام الرجل ومعاداته بقدر ما قررت أن تجعل منه مُحاذيا وداعما للمساهمة في رفعة قدر وقيمة وكرامة نصف المجتمع ففي دعمها لمنجز التنمية الريفية الذي يوازي المنجز التعليمي بالمنجز الاقتصادي للمرأة وحسب رائدة التنمية الريفية السيدة عائشة زريق أن خطة حكيمة دعمتها مُعلمتها حميدة أن في الدخول الى بيوت الرعاة والفلاحين والاقتراب من بناتهن لتعليمهن حرفة يحققن تحسنا في مستوى معيشة عائلتهن هي فرصة أيضا لمحو أميتهن بغية التمكن من الاضطلاع ايضا بمسائل التكلفة والربح والخسارة وفي ذلك نجحت عائشة بدعم من حميدة ، وفي مجال الأعلام والصحافة اعتبرت الرائدة الاعلامية خديجة الجهمي أن إلحاح السيدة حميدة وضغطها دفعا بها لما استشعرت انها اهلٌ له فخطاب خديجة وصوتها المفارق وتلك الشاعرية المتمردة والروح النضالية التي شحنتها الظروف بها خليقة بثقة حميدة المتطلعة والمستشرفة في ان تصيرخديجة حاملة مشعل توعية المجتمع بكافة شرائحه بدور المرأة بل أن خديجة من ستكون المؤصلة لمشاريع مُؤسسة في غرب البلاد كمجلة المرأة ومجلة الطفل وهي الاعلامية المُناضلة .
حميدة العنيزي زوجة أحد مثقفي العصر والمستنير ناظر المدرسة والفنان كذلك السندُ الواثق في أمرأة دُنيا المُستحيل ، وهي من وظفت بذكائها قيم البداوة الرفيعة النبيلة فحضور المرأة في المجتمع البدوي حضور مسؤول وعالٍ ، حين بادرت بدعوة رجال الحكومة والاعمال واصحاب المحال الصغيرة (من قرطاسية وأقمشة وادوات منزلية ) بأن يُقاسموا ويشاركوا - وليس أمرا – بما لديهم لمن يؤسسن مشاريع صغرى لتحفيز النساء على العمل اليدوي صناعة وبيع منتوج ، وكم مرت بتجار أقمشة وكانت تكفي اشارتُها لكي يجري تجهيزهُ ليصير فستانا أو مريلة أو سروالا في ماكينة أحدى المُشتغلات ثم ليمنح لفئات مُهمشة زمن ضيق الحال فما باليد حيلة من أيتام وأرامل وذوي احتياجات خاصة حفظا لحقهم فالمجتمع ولي لمن لا ولي له ،وحميدة ايضا التي عرفت كيف تتعاطى مع الاخر تثاقُفاً اذ انتبهت لمسعى الايطاليين لدعم ونشر صور الحداثة ومنها تعليم المرأة وتفاعلها وسط المجتمع فكانت حواء الليبيات أينما تطلعن بانت عليهن جنتُها ،كما عرجت على مُدن شرق البلاد نزلت لرائدات طرابلس والتقت منهن الناشطات والمُتعلمات وقد أشادت الراحلة صالحة ظافر المدني بذلك الدعم الذي قدمته حميدة حين وضعت نصب اعينهن ضرورة البدء في خلق تنظيم مدني يجمعهن لتوحيد الجهود وترسيخ الاهداف وتحقيقها فكانت جمعية النهضة النسائية بطرابلس 1957 ، ثم جرى تبادل الزيارات للأستفادة وتبادل الخبرات وتعزيز الدور النسوي في تلك المرحلة والانطلاق للقرى والاحياء الأطراف .
اليوم كلما طالعتُ صورها بملامح وجهها الواثقة النفس ، وجسدها الذي عارك وقبض على الجمر ، أقرأ هذه الأسطر : التي تنسج مشهد المُفردة بصيغة الجمع " عصية تتقن عملها وتقلق بطريقة مرضية على المستقبل ، وبعد كل حساب تجمع همتها لأجل جمع النساء ، وأن لا عاصم اليوم من نهضة النساء ورؤيتها للواقع غالبا ما التقت بالواقع نفسه ، ولو أن حميدة العنيزي بُعثت من جديد لتحققت من ذلك لأن الجميع سيجرون نحوها مُتحققين من أنفسهم فيها " (*)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) رواية : سيرة بني غازي – للأديب الليبي أحمد الفيتوري .