الارشيف / ثقافة و فن

مغامرات عطلة الربيع - الفصل السابع

 

الفصْلُ السّابِعُ

دوري دوري يا نُفايات

(1)

نادَتْ لِيا ساميا بصوتٍ مُنخفصٍ، و كان يُصْلِحُ دُولابَ درَّاجَتِه :

ـ ساميي..ساميي...

التفتَ ليعرفَ مَصْدَرَ الصَّوْتِ، ففتحَتْ سِتارةَ شُبَّاكِ المطبخِ المُطِلِّ على الطَّريقِ و قالتْ :

ـ أنا لِيا..مَن يناديكَ ساميي، أيها الذّكيُّ، غيري ؟ أكلمُكَ من شُبَّاكِ المطبخِ. تعالَ، اترُك درَّاجَتَكَ العظيمَةَ و تعالَ.

و ما هي إلاَّ دقائقُ حتى كانَ يقفُ أمامَ المَغْسلةِ يغسِلُ يديْهِ القذرتينِ و يسألُها :

ـ هل من أمرٍ مهمٍّ ؟

قالتْ :

ـ أتعرفُ أنَّ يارا فتاةٌ مُمِلَّةٌ ؟ إنَّها لا تتحدَّثُ، قلَّما تتحدَّثُ، إنها دائمًا تحْمِلُ شيئاً تقرأُهُ، تقرأُ في أيِّ مكانٍ، مستخدمةً أيةَ وسيلةٍ.

تنهدَ موافقاً :

ـ صحيحٌ.

قالتْ :

ـ و تشاهدُ التِّلفازَ، تشاهدُ التِّلفاز لا كما نشاهدُهُ نحنُ.

وضعَ أصابِعَهُ النَّحيلةَ في شعرِهِ النُّحاسيِّ الجَعْدِ و قال مُفَكِّراً :

ـ ربما تشاهدُه على أساسِ أنَّها " مواطنةٌ عالميَّةٌ " كما تقولُ عن نفسِه ا!

دُهِشَتْ لِيا للمُصْطَلَحِ، و قفزَتْ في مكانِها غاضبةً أربعَ قَفْزاتٍ مُتتاليةٍ : 

ـ " مواطنةٌ عالميةٌ " ؟ يا سلام ! ماذا يعني هذا ؟ مشهورةٌ ؟ يعرفُها كلُّ العالمِ ؟

أجابَها :

ـ بلْ إنَّ لدى يارا نظريّة تقولُ إنَّ وجودَ التِّلفازِ ـ و الأنترنت طبعاً ـ بصورةٍ دائمةٍ في بيتِ كلٍّ منا، يجعلُنا مواطنينَ عالميين نهتمُّ بكلِّ ما يحصُلُ في العالمِ، إذْ لا يمكنُ أن نَنْظُرَ إلى كارثةٍ ما تحصُلُ في مكانٍ ما من العالَمِ على أنَّها تخُصُّ أبناءَ ذلكَ المكانِ.

سألتْه لِيا :

ـ يعني ؟

قالَ : 

ـ يعني أن أخبارَ الزَّلازلِ، و الحُروبِ، و مرضِ أُنفلونزا الطُّيورِ و الخنازيرِ و غيرِها تخُصُّ كلَّ الناسِ و خاصةً يارا.

كادَتْ تَفقِدُ صوابَها عندما قال " و خاصَّةً يارا "، فاعترضَتْ :

ـ يا سلامْ ! و ماذا عنِّي و عنكَ و عن دانيال الصَّغيرِ، و عن أصغرِ طفلٍ عندَهُ جهازُ كومبيوتر أو جهازُ تِلفازٍ ؟ ألسْنا كلُّنا مواطنينَ عالميينَ ؟

قالَ بعد تفكيرٍ :

ـ بلى.

قالتْ :

ـ لكنْ أن نُصْبِحَ مواطنينَ عالميينَ لا يلغي أنْ ننظُرَ إلى ما يجري تحتَ أقدامِنا.

قالَ :

ـ أوافقُكِ الرَّأيَ.

قالَتُ و هيَ تضرِبُ الطَّاولةَ بقبضةِ يدِها :

ـ و لا يلغي أن ننتَبِهَ إلى أكوامِ القُمامة في أولِ الشَّارعِ، و إلى الأكياسِ السَّوْداءِ التي تفتحُها القِطاطُ و يفتحُها بعضُ الأولادِ باحثينَ عن عُلَبٍ زجاجيَّةٍ أو بلاستيكيَّةٍ أو كرتونيَّةٍ أو معدنيَّةٍ.

سألَها و قد بدَتْ عيناهُ أكثرَ اتِّساعاً :

ـ لاحظْتِ ؟

قالتْ و هي تَشبِكُ ذراعيْها :

ـ لاحظتُ، لأنني لستُ مثلَ يارا مواطنةً عالميَّةً فقط، بل أنا مواطنةٌ عالميَّةٌ و ابنةُ هذا الحيِّ و هذه القريةِ.

(2)

و سارعَتْ كالصَّاروخِ تَفتحُ البابَ و تُغادرُ المنـزلَ إلى البنايةِ المجاورةِ حيث بيتُ يارا " المواطنةُ العالميَّةُ ".

صعِدَتِ الدَّرَجَ و طرقَتِ البابَ ففتحَتْ لها و أمسكَتْ يديها و شدَّتها نحوَ جهازِ التِّلفازِ :

ـ ادخلي يا لِيا، هناكَ موضوعٌ مُهِمٌّ أتابعُه عن جزيرةٍ بعيدةٍ تتعرضُ... 

قاطعَتْها لِيا بغضبٍ :

ـ أنتِ تعرفينَ يا يارا أنَّني " مواطنةٌ  عالميةٌ "، و لكنني اليومَ ابنةُ هذا الحيِّ القذِرِ الذي يرفُضُ عاملُ البلديةِ المَسْؤولُ عنه أن يأخذَ قُمامَتَهُ منه.

فتحَت فمَها دهشةً :

ـ المعلمُ " أبو سعيد " ؟!

قالتْ لِيا :

ـ نعم. و ما دمتِ، أقصدُ ما دمْنا نهتمُّ ببيئتِنا، فلا بدَّ و أنْ نفعلَ شيئاً و إِلا اجتاحَتْنا  الحشراتُ و الفئرانُ.

نهضَتْ يارا :

ـ معكِ حقٌّ. لنذهبْ إلى بيتِ المعلمِ " أبو سعيد " في الحيِّ المُجاورِ.

(3)

و ما هي إلا دقائق حتى كانتِ الفتاتانِ و سامي و دانيال يفاوِضون " أبا سعيد " الذي وقفَ يدخِّنُ سيجارةً قربَ كومِ القُمامةِ و كأنَّهُ يقفُ قربَ تلٍّ أخضرَ تملأُه الأَزاهيرُ.

هربَتْ قطَّتانِ كانتا تبحثانِ عن موردِ رزقِهِما، و وقفَتْ درَّاجةٌ قديمةٌ يقودُها فتًى في الثَّالثةَ أو الرَّابعةَ عشرَ وراءَ الجدارِ بانتظارِ مُغادرتِهم لبدءِ مُهِمَّةِ فرزِ النُّفايات.

(4)

 

ـ فرزُ النُّفاياتِ !

قالَ " أبو سعيد " هذا رافعاً رأسَهُ عالِياً و رافعاً صوتَهُ الحازمَ أيضاً، ثم نظَرَ إلى الجميعِ واحداً واحداً بطَرَفِ عينيْهِ و قال :

ـ أعرفُكم جيداً.

و أشارَ بسَبَّابتِهِ إلى لِيا :

ـ أنتِ حفيدةُ أستاذةُ الرّياضيّاتِ و مديرةُ المدرسةِ الأفريقيةُ. تشبهينَ جدَّتَكِ، شعرُكُ الجَعْدُ و لونُكِ الأسمرُ أفريقيانِ.

و التفتَ إلى يارا :

ـ أنتِ تشبهين نفَرْتيتي.

قالتْ لِيا ضاحكةً :

ـ إنها جدَّتُها.

فلمْ يضحكْ، بل التفتَ إلى سامي :

ـ و أنتَ ابنُ " أبو سامي " ؟

قال سامي بفرحٍ لأنه اعتقدَ أنه شهيرٌ :

ـ نعم.

قال :

ـ أنتَ تشبِهُ عمَّكَ الأحمرَ.

فقالتْ لِيا :

ـ إلا أنَّ سامي جَعْدُ الشَّعْرِ.

و لم يعلِّقِ الرَّجلُ، بل قالَ لدانيال :

ـ أنت لم أعرفْكَ.

قالتْ لِيا :

ـ إنَّه...

و قبل أن تُعرِّفَهُ به، قال :

ـ لقد سبقَ و نبَّهْتُ  أهلَكم إلى أنَّهم يجبُ أن يفرِزوا النُّفاياتِ قبلَ أنْ يرموها، و لا حياةَ لمَنْ تنادي. و ها هي القِطاطُ تفرِزها، و أولادُ الشَّوارعِ يفرِزونها و يبيعونَها لمصانِعِ إعادةِ التَّدويرِ.

قال سامي :

ـ لا يمكنُكَ أن تتركَنا هكذا.

فقال :

ـ و لا يمكنُكُم إلا أنْ تطيعوا.

و بدلَ أن يعودَ فيؤكِّدَ على مطالبِهِ، أدارَ ظهرَه مغادِراً، فلَحِقَ الأولادُ بِه. سدّوا طريقَهُ و هم يُمسِكون بأيدي بعضِهم، و سأَلوه بصوتٍ واحدٍ :

ـ ماذا نفعلُ ؟

قال بحزمٍ :

ـ  ساعدوني. افرِزوا النُّفاياتِ البلاستيكيَّةِ في أكياسٍ، و المعادنَ في أكياسٍ، و الأوراقَ و الكرتونَ في أكياسٍ لنأخذَها إلى معاملِ إعادةِ تدويرِها، أي صناعتِها من جديدٍ، فنتخلَّصَ من النُّفاياتِ بطريقةٍ اقتصاديَّةٍ.

سألَ دانيال :

ـ هل أستطيعُ أن أضعَ ألعابيَ المكسورةَ في كيسٍ خاصٍّ و أرسلَها إلى المَعْمَلِ لإعادةِ تدويرِها فأحصُلَ على أخرى جديدةٍ ؟

قال " أبو سعيد " :

ـ تَسْتَطيعُ.

و سأَلَ سامي :

ـ و ثيابُنا التي لم تَعُد تناسبُنا ؟

أجاب أبو سعيد :

ـ أعطوها لمَنْ تناسبُهُم.

سألتْ لِيا :

ـ و النَّايلونُ الذي يغلِّفُ ما نشتريهِ، و أكياسُ النايلون التي نجلُبُ بها أغراضَنا من السوقِ ؟

أجابَ :

ـ أُفضِّلُ أن تشتروا خُضرَةً طازَجَةً غير مُوَضَّبَةٍ لتُخفِّفوا من القُمامةِ، كما أفضِّلُ أن تأخذوا معَكم إلى السُّوقِ سلَّةً تضعونَ فيها مُشترياتِكم بدَلَ أن تُحضِروا عشراتِ أكياسِ النَّايلون التي لا تَتَحلَّلُ.

قالتْ لِيا :

ـ و يمكنُ أن نستخدمَ الأكياسَ الورقيَّةَ بدلاً عنها، فهي تتحلَّلُ.

قالَ :

ـ أحسنتِ.

و أشارَ بعينيهِ إلى أيدي الأولادِ المتشابكَةِ ففهِموا أنَّه يريدُ أن يفُكُّوها كي يَمُرَّ، ففعلوا.

تابعَ سيرَهُ ثمَّ استدارَ إليهم قائلاً :

ـ لن يحلَّ المساءُ إلاَّ و تكون قريتُكم كُلُّها نظيفَةً.

هتفَ الجميعُ بصوتٍ واحِدٍ :

ـ هيهْ ! إنَّنا نحرزُ تقدُّماً.  

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا