
الفصْل الثّامنُ
نتّبعُ حِمْيَةً غذائيَّةً
(1)
ـ بلى ! إنَّنا نُحرز تقدُّماً، و الدَّليلُ النَّظافةُ التي يتحدّثُ أهلُ القريةِ عنها منذ يومين، يعني منذُ أن قابلْنا " أبا سعيد ".
قالَتْ يارا هذا الكلامَ بفخرٍ، فرفعَتْ لِيا رأسَها عالِياً و هي تقول :
ـ على كلِّ حالٍ، أعتقدُ أنَّ كلَّ ما قُمْنا به في عُطلةِ الرَّبيعِ، حتى مشاريعنا الفاشلة، كانَ مفيداً..
سألَ دانيال بدهشةٍ :
ـ كيفَ ؟ كيفَ تسمِّينَ المشاريعَ فاشلةً ثم تقولين إنَّها مفيدةٌ ؟ أخبريني مِن فضلِك يا لِيا فدماغي لا يستوعِبُ ما قلتِهِ.
و قبل أن تجيبَ، قالَ سامي :
ـ ستخبرُك بعد انتهاءِ عُطلةِ الرَّبيعِ، فالوقتُ الآنَ لا يسمحُ إلاَّ بإِعداد العَشاءِ في منـزلنِا، فقد سمحَت أمي لنا بذلك قبل أن تذهبَ مع عمَّتي إلى المدينة، فهيَّا بنا...
و لم يعترضْ أحدٌ على الدَّعوةِ، بل سارعوا نحو بيتِ سامي بسرعةٍ و هم يُقنعونَ دانيال بأنَّ هناكَ شيءٌ مُهمٌِّ و شيءٌ أهمُّ. و المهمُّ هو الإجابةُ عن سؤالِهِ العظيمِ، أما الأهمُّ، فهو تناولُ العَشاءِ اللَّذيذِ.
(2)
سارَعتْ لِيا إلى الثّلاجةِ و فتحَت بابَها مُناديةً بصوتٍ عالٍ :
ـ افتحْ يا سِمْسِمْ !
و سارعَ الجميعُ ليرى ما بداخلِ مغارةِ الثّلاجةِ لاختيارِ الأطيبِ.
مدَّتْ لِيا سَبّابَتَها و لُعابُها يسيلُ :
ـ المُعجّناتُ التي تحتاجُ إلى قَلْيٍ من فضلِكَ يا ساميي ي ي ي.
فسحبَ سامي عُلبةَ المُعجَّناتِ المُجلَّدَةَ و أعطاها إيّاها قائلاً :
ـ المُعجَّناتُ المَقلِيَّةُ نُقطةُ ضَعْفي، و أطالِبُ بها كلَّ يومٍ و في كلِّ وجبةٍ.
و اقتربَ دانيال واقفاً على رؤوسِ أصابعِ قدَمَيْهِ كي يرى ما بداخلِ الثَّلاجَةِ و سألَ :
ـ لحومٌ مُجلَّدةٌ ؟
أجابَ سامي :
ـ نعم.
سألَ دانيال :
ـ و بطاطا نصفُ مَقليَّةٍ ؟
أجابَ سامي :
ـ لا تحتاجُ إلا إلى دقيقتين و تصبحُ مُقرمِشَةً.
سألَ دانيال :
ـ و الصَّلْصاتُ ؟ ماذا عن الصَّلْصاتِ ؟
و سارَع سامي إلى فتحِ البرّادِ :
ـ لدينا كلُّ الأنواعِ : صَلْصاتٌ دسِمَةٌ لذيذةٌ... يَمْ يَمْ...
قال دانيال :
ـ عظيمٌ، و أَعطِني بعضَ الخُبزِ ليفُكَّ عنه الجليدُ يا سامي.
و قدَّمَ سامي كيسَ الخبزِ لدانيال و قالَ :
ـ إنَّه خبزٌ معجونٌ بالزُّبدةِ.
فتناولَ دانيال الكيسَ و سارع ليضَعَهُ على الطّاولةِ :
ـ أَحْ... جليدٌ..
و التفتَ سامي إلى يارا يسألهُا :
ـ هه يارا.. ماذا تريدين ؟ في الخزانةِ رقاقاتُ بطاطا بنكْهاتٍ متنوِّعةٍ و مشروباتٌ غازيَّةٌ.
و نظرَ الجميعُ إلى يارا الَّتي رفعَتْ كتفيها و برمتْ شفتَها السُّفلى و قالَتْ جملةً لم تُكملْها :
ـ في الحقيقةِ.........
و صمتَتْ، فانزعجَتْ لِيا من جملتِها قبلَ أن تعرفَ بقيَّتَها، و سُرعانَ ما تساءلَت، بينَها و بين نفسِها، إنْ كانت يارا تقصدُ أن تُظهِرَ البقيَّةَ بمظهرِ الجرادِ الشَّرِهِ فيما لو قرَّرَتْ ألاَّ تأكُلَ معهم.
و أزعجَتْها الفكرةُ، فهيَّأَتْ لها أجوبةً أقساها أنها ستتَّهِمها بالبُخلِ لأنَّ البخيلَ لا يشاركُ الآخرينَ طعامَهم كي لا يشاركوه، و بأنها معقَّدةٌ نفسيّاً لأن المُعقَّدَ لا يعرفُ كيف يَسعَدُ ضمنَ الجماعةِ، و بـ.....
و قطعَ صوتُ يارا سَيْلَ أفكارِ لِيا الغاضبِ حين قالَتْ :
ـ أعتقدُ، أيَّها الأصدقاءُ، أنه من غيرِ اللاّئقِ أنْ نملأَ سلَّةَ القُمامةِ بأكياسِ التَّوضيبِ و العُلَبِ التي تُلَفُّ بها هذه الأطعمةُ. و أنتم تعرفون أننا ـ المُهتمّينَ بالبيئةِ ـ نحاولُ أصلاً أن نشتريَ الخُضارَ و الفاكهةَ و بقيَّةَ الأغراضِ من غيرِ توْضيبٍ لئلا تَكثُرَ القُمامةُ.
كان الجميعُ يستمِعُ إلى يارا. و الحقيقةُ أنهم كانوا قد فوجئوا و سُرّوا بأنها دعَتهم بالمهتمّين بالبيئةِ أولاً، و بالمعلومات الخاصَّةِ بالتَّوضيبِ و الَّتي لم يكونوا يعرفونها و ادَّعوا أنهم يعرفونها ثانياً.
لذا، فقد كانوا يُصغون باهتمامٍ إلى ما قالَتْه و ستقولُه، فتابعَتْ :
ـ هذا عدا عن أنَّ كلَّ هذه المأكولاتِ المُجمَّدَةِ قد فقدَتْ فيتاميناتِها و أملاحَها المعدنيَّةَ. و الأسوأُ أنها سوفَ تُقلى و سوفَ يوضَعُ فوقَها كَمٌّ هائلٌ من الصَّلْصاتِ و ...
و كادتْ لِيا، لو لم تقطع يارا حديثَها هنا، تصرُخُ بنفاذِ صبرٍ قائلةً :
ـ و الخلاصةُ ؟
و لكنْ... و يا لَلغرابةِ، قالَتْ يارا :
ـ و الخلاصةُ... أنني أقترحُ أَن نأكُلَ أكلاً يفيدُ صحَّتَنا و لا يؤذي بيئَتَنا.
صمتَ الجميعُ.
تصورتْ لِيا عُلبةَ المُعجَّناتِ و قد عادتْ إلى الثَّلاّجةِ، و بدَتِ الخيبةُ في عينيِّ دانيال و هو يُلقي نظرةً سريعةً على اللَّحمِ المُجلَّدِ و البطاطا و الخُبزِ المعجونِ بالزُّبدةِ، فرفعَ كتفيه الصَّغيرتينِ و قالَ :
ـ لا !
و تَلَتْها ( لا ) لِيا.
أما سامي، فقد كانَ أكثرَ الحاضرينَ حَيْرةً؛ فهو غيرُ قادرٍ على قولِ ( لا ) احتراماً لضيفتِهِ يارا التي لم تشرحْ معنى " الأكلِ الصِّحِّيِّ "، و غيرُ قادرٍ على قولِ ( لا ) احتراماً لبقيَّةِ الضُّيوفِ لئلاّ يقولوا عنه إنَّهُ بخيلٌ، خاصَّةً و أنَّهُ تركَ لهمُ المجالَ ليختاروا ما لذَّ و طابَ.
احمرَّ وجهُهُ و تلعثمَ فأزاحتْهُ لِيا بذراعِها اليُمنى و وقفَتْ في وجهِ يارا تسألهُا :
ـ يعني ؟
و يبدو أَن يارا قد قرأَتِ الغضبَ في عيني صديقتِها فسألت سامي :
ـ عندَكَ جَزَرٌ و ليمونٌ حامضٌ يا سامي ؟
قال سامي و هو يتَّجِهُ إلى البرّادِ :
ـ عندي.
قالَتْ و هي تغسِلُ الجزرَ كالعيدانِ و تعصِرُ فوقَهُ اللَّيمونَ الحامِضَ و تَرُشُّ الملِحَ :
ـ بدلَ أكياسِ رُقاقاتِ البطاطا الجاهزةِ.
و راحَت تدورُ على الجميعِ بالصَّحنِ المليءِ ليتذوّقوا الطَّعمَ اللَّذيذَ، ثمَّ قالتْ :
ـ أَجبانٌ، ألبانٌ، خبزٌ..
قال سامي :
ـ عندنا الكثيرُ من الأنواعِ.
و راحَتْ يارا تضعُ في صحونٍ صغيرةٍ : اللَّبَنةَ مع النَّعناعِ و زيتِ الزَّيتونِ الشَّهيِّ، الجبنَ اللّذيذ، الخبزَ...
و بدلَ زُجاجاتِ المياهِ الغازيَّةِ، طلبَتْ من سامي أن يملأَ فناجينَ الشَّايِ بالماءِ السّاخنِ و وضعَت في كلِّ فنجانٍ كيساً من الشّاي و بضعَ قطعٍ من السُّكَّرِ الأسمرِ، و فتحَتْ ذراعَيْها على وسعِهِما قائلةً :
ـ تفضلوا إلى العَشاءِ.
و راحَتْ تخبرهم عن أهميةِ العودةِ إلى الطَّعامِ المُغذِّي الصِّحِّيِّ بعد أن أعادَتْ كلَّ ما يحتاجُ إلى قَلْيٍ إلى الثّلاّجةِ و قالَت :
ـ لو نبقى على عاداتِنا و تقاليدِنا في تناوُل الطَّعامِ لما أُصيبَ الأطفالُ بأيةِ أمراضٍ و لما خرجَتْ كُروشُهم كالكُراتِ.
عندما قالَت يارا الجملةَ الأخيرةَ، سحَبَ الجميعُ كروشَهم الصَّغيرةَ إلى الدّاخلِ لئلا تبدوَ كالكُراتِ فعلاً، و قالوا بصوتٍ واحدٍ :
ـ سنتَّبِعُ حِميَةً.
و أكملَ دانيال :
ـ سنُلغي الأطعمةَ المجلَّدةَ و المَقليَّةَ..
و قالَ سامي :
ـ و الصَّلْصاتِ...
أما لِيا، فقدِ اكتفَتْ بابتسامةٍ شاحبةٍ قدَّمَتها لِيارا الَّتي سألَتْها رأيَها في الموضوعِ، فهمسَتْ في أُذُنِها :
ـ يا سلامْ ! فكرةٌ عظيمةٌ و اللهِ..و لكن..لو نفّذناها غداً مثلاً.
و يبدو أَنَّ الجميعَ سمعَ ما قالتْ، فاستغرقوا في الضَّحِكِ.