الارشيف / ثقافة و فن

مغامرات عطلة الربيع - الفصل التاسع

 

 

الفصْل التّاسعُ

ماءٌ ماءٌ ماءٌ

(1)

نادت لِيا الجميعَ في اليوم التّالي و كانَ قد بقيَ لانتهاءِ عُطلةِ الرَّبيعِ يومانِ، و كانَتْ تحمِلُ دلوَ ماءٍ وضعَت فيها الكثيرَ من الصّابونِ و ليفةً، و علَّقَتْ على كتِفِها خُرطومَ المياهِ الثَّقيلَ، فسارتْ كما يسيرُ السَّرطانُ على جَنْبٍ واحدٍ.

و حين وصلَتْ إلى حيثُ صفَّتْ أمُّها سيّارتَها قربَ الرَّصيفِ، نادتْ بأعلى صوتِها :

ـ دانيال.. يارا.. ساميي ي ي ي...

و لمّا لم يُجِبْ أحدٌ، عادت فنادَتْ :

ـ دانيال.. يارا.. ساميي ي ي ي...

و ما هيَ إلاَّ لحظات حتى كانوا مع دِلائِهِم المليئةِ بالمياهِ و الصّابونِ ينتشرون قُرْبَ سياراتِ آبائِهم المُصْطفَّةِ عِندَ الرّصيفِ، و كانوا يردِّدون قافزينَ بفرحٍ :

ـ مستعدِّون لحَملةِ نظافةِ السَّيَّاراتِ.

أشارَتْ لِيا إلى خُرطومِ المياهِ و قالت لسامي :

ـ صِلْهُ يا سامي، من فضلِكَ، بصُنبورِ حديقةِ منـزلي، و ليبدأ كلُّ واحدٍ بتنظيفِ سيارةِ والدِهِ أو والدتِهِ.

سارعَ سامي إلى تنفيذ المَهَمَّةِ، فانطلقَ العملُ و انطلقَتْ معها الأَغاني، و ملأَ الصّابونُ دعساتِ السّيّاراتِ التي أُخرِجَتْ كلُّها إلى الرّصيفِ، و ملأَتِ الرَّغْوةُ أيضاً حديدَ السَّيّاراتِ و زُجاجَها.

و لم يعتقدِ الأولادُ أنهم سوف يواجِهون مُشكلةَ إزالةِ الصَّابونِ إلاَّ حينَ أمسكَ سامي بخُرطومِ المياهِ و راحَ يرُشُّ سيارةَ أبيهِ و يرشُّها دون جدوى، فقد كانتْ فُقاعاتُ الصّابون تَكثُرُ و تَكثُرُ تماماً كما كثُرَتْ فقاعاتُ الصَّابونِ على كلِّ السَّيّاراتِ بعد أن أخذوا منه خُرطومَ المياهِ ليغسِلوا سيّاراتِ آبائِهم.

ضحكَتْ لِيا قائلةً :

ـ تصوَّروا أن تعلوَ الفُقاعاتُ و تغطّيَ الأبنيةَ.

و قالَ سامي :

ـ تصوَّروا أن يركَبَ كلُّ واحدٍ مِنَّا في فُقاعةٍ و يطيرَ وِزْزْزْزْزْ...

فقالَ دانيال بذُعْرٍ :

ـ أَنا لا أركبُ في فُقاعةٍ لوحدي، بل أركبُ في فُقاعةِ يارا.

فنظرَتْ لِيا إليه بغضبٍ :

ـ و لماذا فقاعةُ يارا ؟
رفعَتْ يارا رأسَها عالِياً و قالَتْ بفخرٍ :

ـ لأنَّني أهلٌ للثِّقَةِ، فأنا....

(2)

و قبلَ أن تُكْمِلَ جملتَها، قطعَ حوارَهم صوتُ الجارةِ العجوزِ طنط روز و قد وصلتْ فجأةً بجسدِها النَّحيلِ الأسمرِ و ثيابِها الخضراءِ التي لم يرَها الأولادُ تَلبِسُ غيرَها، و صرخَتْ بهم و الشَّرَرُ يتطايرُ من عينيْها :

ـ ماذا تفعلونَ أيُّها الأشقياءُ ؟

و بسرعةِ البَرْقِ، توجَّهوا بأنظارِهم إلى الرّصيفِ و الشَّارِعِ و كانا قد غرقا بالماءِ. و لم يتوقعوا أن يكونَ غضبُ طنط روز بسببِ الماءِ المتدفِّقِ، بل توقعوا أن يكونْ اعْتِراضُها على عَدَمِ المحافظةِ على نظافةِ الطَّريقِ، فهتفَ سامي مُخاطِباً العَجوزَ :

ـ سنغسِلُ جُدرانَ الحيِّ و الرَّصيفَ و الشّارعَ بعدَ الانتهاءِ من تنظيفِ سيّاراتِنا.

و قالت يارا :

ـ و أُضيفُ إلى ما قالَهُ أننا مستعدُّون لتنظيفِ سيَّارتِكِ يا طنط روز.

و قالَ سامي :

ـ سيكون كلُّ شيءٍ على ما يُرام.

و قال دانيال :

ـ عندنا صابون يَصنعُ فقاعاتٍ عجيبةً.

 

و لمّا لم تَفُهْ لِيا بحرفٍ، نظرَتِ المرأةُ إليها بعيْنَيْها الجاحظتينِ و قالتْ و هي تكتفُ ذراعَيْها :

ـ و ما عندكِ أنتِ يا رئيسةَ المُشاغبينَ ؟

دُهِشَت لِيا لهذا اللّقَبِ و استنكرَتْهُ و صرخَتْ :

ـ أنا ؟

قالتِ العجوزُ :

ـ أنتِ.. نعم.. أنتِ أوَّلُ واحدةٍ حملَتْ دَلْوَها و نزلَتْ لتغسِلَ سيّارةَ أُمِّها، و أنتِ أوَّلُ واحدةٍ أيقظَتْ أهلَ الحيِّ من نومِهِم و أنت تنادينَ هؤلاء و تَمُطّينَ اسم سامي و تضعينَ له ياءً لا تنتهي..

و أمالَتْ فمَها إمالةً خفيفةً و قالَت بسخريةٍ :

ـ نظيفةٌ ما شاءَ اللهُ.

لم تعرِفْ لِيا إنْ كانَت طنط روز تمازِحُها أم أَنَّها كانت غاضبةً؛ لذا لم تستطعْ أن تبتسمَ أو تُكشِّرَ. و رُغمَ ذلكَ رفعَتِ العجوزُ سَبَّابَتَها في وجهِها قائلةً بحزمٍ :

ـ لا تبتسمي !

فلم تبتسمْ.

و تابَعَتِ المرأةُ :

ـ يا سلامْ يا أولاد ! يا سلامْ ! لقد أفرغتُمْ كلَّ خزّاناتِ مياهِ الحيِّ إن لم أقُلِ القريةِ على غسْلِ بِضْعِ سيّاراتٍ.

و لمَّا لم يجرؤْ أحدُ الأولادِ على الاعْتِراضِ، لم يَجْرؤْ أحدُهم على التَّحرُّكِ من مكانِه و هم يراقبونها تقتربُ من سيارةِ الدكتورة هند أمِّ لِيا قائلةً :

ـ لماذا تحتاجُ السَّيّاراتُ إلى كلِّ هذا الصّابونِ و الماءِ ؟ مدهونةٌ بالزُّبدةِ ؟

قالوا جميعاً :

ـ لا.

فقالَت و هي تكتف ذراعيها :

ـ و ما دامَتْ لا، فلماذا لم تكتفوا بنفْضِ الغبارِ عنها و تنظيفِها بقليلٍ من الماءِ ؟

و بدَتْ فكرتُها جيِّدةً، و لكنَّ أحدَ الأولادِ لم يَجْرؤْ على استحسانِها لئلاَّ تعتقدَ المرأةُ أنه يسخَرُ من كلامِها، فنظرَتْ إليهم جميعاً بغضبٍ و قالت :

ـ لم تفعلوا لأنَّكم لا تعرفون أهميَّةَ الماءِ تماماً كما لا تعرفون أهميَّةَ توفيرِ الكهرَباءِ؛ فبينما ترمون الماءَ في الشَّوارعِ، أجمعُ أنا الغسيلَ لأُسبوعٍ كاملٍ كي يتسنَّى لي غسلُهُ مرةً واحدةً توفيراً للمياهِ..

و سعلَتْ سعلةً خفيفةً و قالتْ بصوتٍ عالٍ :

ـ و للكهرَباءِ أَيضاً.

أطرقَ الجميعُ صامتين، و تابعَتْ بصوتٍ أعلى و هي تشير إلى الماء الذي أهدروه أرضاً :

ـ و بينما ترمون الماءَ في الشَّوارعِ، أُقفِلُ أنا الصُّنبورَ حتى أثناءَ تنظيفِ أسناني، و أَستَحِمُّ تحتَ الدُّشِّ بدَلَ المَغْطِسِ، و أَستعملُ وعاءً لغسلِ الخضارِ و الفاكهةِ لأعودَ فأستخدمَ الماءَ المتجمِّعَ لرَيِّ النَّباتاتِ أو في الحمّامِ.

نظرَ الجميعُ إلى بعضِهم بخجلٍ، ما شجَّعَها على المتابعةِ قائلةً :

ـ و لا تعتقدوا أنني أملأُ أحواضَ مزروعاتي بالماءِ؛ لا.. لا، فقد وضعتُ على تُرابِها طبقةً من النِّشارةِ لحِفظ رطوبتِها حتى لا تحتاجَ إلى كميّةٍ أكبرَ من الماءِ.

و أخذَتْ نفَساً قصيراً تابعَتْ بعدَهُ :

ـ و بينما ترمون الماءَ في الشّارِع، أجمعُ الماءَ المتقطِّرَ من مكيِّفِ الهواءِ و أَروي به مزروعاتي. كما أنني أَكنُسُ مدخلَ البنايةِ و الشُّرُفاتِ بدَلَ استخدامِ خُرطومِ المياهِ، و أدفعُ مبالغَ لتصليحِ أيِّ تسرُّبٍ للماءِ، و أُغيِّرُ غسالتي بواحدةٍ صديقةٍ للبيئةِ توفِّرُ الماءَ و الكَهرَباءَ، و أغيّرُ حتى سيفونَ المِرحاضِ بواحدٍ صديقٍ للبيئةِ يقتصدُ في كميَّةِ الماءِ المتدفِّقِ.

نظرَتْ لِيا إلى يارا التي لمعَتْ عيناها بسعادةٍ، و فهِمَتْ ما تفكَّرُ به، فاندفعَتْ إلى السيّدة روز قائلةً :

ـ عظيمٌ.

فدُهشَتِ المرأةُ و قطَبَتْ حاجبَيْها :

ـ عظيمٌ ؟

و انضَمَّتْ يارا إلى لِيا تخاطبُ السَّيّدةَ :

ـ أفكارٌ رائعةٌ. أفكارٌ رائعةٌ تصلُحُ أن تُكْتَبَ و تُعَمَّمَ و تُنَفَّذَ فنحن : أنا و لِيا و دانيال و سامي...

قاطعتها العجوز :

ـ أنتم جيشٌ من المشاغبين...

و بينما نظر الجميعُ إلى بعضهِم نظراتِ استغرابٍ لاستخدام طنط روز كلمة جيش بالمعنى السلبي، سارعت يارا إلى استخدامِ الكلمة ذاتها و لكن بمعنى إيجابيٍّ أدهش الجميع حين قالت :

ـ نعم جيشٌ، و في الحقيقية، نحن الجيشُ الأخضرُ الذي يهتمُّ بالبيئةِ و....

و بدَلَ أن تُسَرَّ طنط روز بهم و تُشجّعُهم و تعطيهم مِن خِبْراتِها المائيَّةِ، تراجَعَتْ خطوتَيْنِ إلى الوراءِ و نظرَتْ إليهم نظرةً شاملةً فيها الكثيرُ من الشَّكِّ و ابتسمَتْ ابتسامةً ساخِرَةً قائلةً و هي تقاطع يارا بقولها :

ـ الجيشُ الأخضرُ ؟ هئْ.... سألَ الثَّعلبُ الدُّبَّ ما هو عملُكَ ؟ فقالَ: أعملُ حرائِريّاً. فنظرَ الثَّعلبُ إلى يديْهِ الخشِنَتَيْنِ و ضحكَ قائلاً : واضحٌ جِدّاً !

شعر الأولادُ كلُّهم أنَّهم صُفِعوا صفعَةً واحدةً و لكن كبيرةً. و قبلَ أن يتفوَّهوا بحرفٍ أو يتصرّفوا أيَّ تصرُّفٍ يحُدُّ مِن هَدْر الماءِ، كانت طنط روز تُسرِعُ إلى خُرطومِ الماءِ فتشُدّه من الصُّنبورِ و ترميه أرضاً ثم تتجه نحو المدخلِ قائلةً :

ـ أعملُ حرائِرِيّاً.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا