على مهلٍ كانا يمشيان، في ليل مدينة الألعاب التي يبدو أنها لا تنام، في هذا المنفى البعيد البعيد. عيناه غائمتان، صديقه يتلهى قليلاً بمشاهدة الأولاد الراكضين، و الأهالي الذين يمسكون بالأكياس و تتدلّى من أصابعهم بطاقات الألعاب، و بعض الشباب الذين يقصدون ألعاباً عنيفة يحتويها هذا المكان الذي يناسب الجميع. أما هو فما تزال في عينيه أضواء خافتة من مدينة غافية في العتمة، كأنها لم تبصر النور أو نسيته أعواماً، ومضات و شرارات تقدح في ذاكرته، أصوات زغاريد لم تكتمل، و نداءات طويلة حزينة، و ابتهالات متقطّعة. كان الصديقان يفكّران في أن المصابيح الكثيرة في مدينة الألعاب هذه لم تفلح أمام الليل المفروش بعد ثواني المغيب، كأنها قناديل تضيء نفسها.

ما الذي أتى بنا إلى هنا ؟ ليتنا جئنا في النهار. على أية حال سننفق ما لدينا من مال في لعبة ما، لعلها لعبة الفناجين الدوارة. استبعد صديقه الفكرة : ستذكّرني بالفناجين المكسورة في بيتنا، و سأصاب بالدوار. ينظر إليه ساخراً : الدوار ؟ يمشيان بخطوات أقرب إلى من يجر قدميه فوق الإسفلت بعد مسيرة دروب وعرة بين الحشائش و النباتات البرّية، و يفكّر صديقه من جديد : سنتعشى في أحد المطاعم الكثيرة النابتة كالفطر في مرامي البصر داخل هذه المساحة الكبيرة. ينظر إليه مجدداً : تتحدث كأنك شخص آخر، غير ذاك الذي فقد شهيته، و يكتفي بمشاهدة الطعام و كأنه في متحف للفن الحديث.

فجأةً، يتعلق بصره بكشك خفّ المتحلقون من حوله فتبيّن ما فيه : دائرة الهدف في الوسط، و بنادق تَلوح متماهية مع ألوان الجدران، لا بد أن الكشك واجهة لمكان أكثر اتساعاً إلى الداخل. ينجذب سائراً في اتجاهه، بينما لا يقوى صديقه على شيء سوى الوقوف بعيداً يتأمل. يُخرج بعضاً مما معه من المال، و يأخذ دوره، يشير إلى إحدى البنادق، و يبدأ. الهدف الأول : إصابة، الثاني : إصابة أيضاً، الثالث... و يستمر، من شأن إصابة الأهداف أن تمنحه دوراً إضافياً مجانياً كل مرة، و الهدية كل مرة أيضاً لعبة من نوع الدببة أو الأرانب ذات الفرو الناعم الأبيض أو الملون. مع الإصابة الثالثة يتنبه المحيطون به إلى وضعية إمساكه السلاح، و مع الإصابة الرابعة يتكاثر المحيطون، و مع الإصابة الخامسة يتنبه أحدهم إلى أن الإصابات كلها في الوسط تماماً، كلها. و مع الهدف العاشر يقرر الرجل أن هذا يكفي، يلملم الألعاب التي حصل عليها، يعيد باقي النقود إلى جيبه، و يحمل كيس الغنائم إلى حيث ينتظره صديقه. يلتفت صديقه ليتأكد من أن جمهور الكشك المحتار لا يتبعهما، ثم يتبادلان نظرة مرهقة طويلة.
الرجلان الهزيلان يعبران من بين حراس البوابة الخارجية، يغادران مدينة الألعاب، يمشيان و يمشيان عبر الشوارع الطويلة، المُنارة دائماً طول الليل، لا ينعكس أمامهما سوى ظلهما الشاحب، و ظلّ كيس يتأرجح مثل بالون ضخم منجذب إلى الأرض.
ـ ألعاب جميلة، أليس كذلك ؟
ـ أيها تقصد ؟ ألعاب المدينة أم غنائمك ؟
ـ لم تعد غنائمي.
ـ ماذا ستفعل بها ؟ إنها لا تعنيك في شيء، كان يجدر بك التخلص منها.
ـ …...
ـ كان حولك الكثير من الأولاد.
ـ سأعثر على من أهديها لهم.
يتنهّد : لو أنهم معنا، لطاروا من الفرح.
مدينة قليلة الزحام، و لكن ها هي ذي تلك الطفلة البائسة، تتسكع في المكان ذاته على الرغم من مطاردة الشرطة لها من وقت لآخر.
يقترب منها الظلان الطويلان، ثلاث ثوانٍ، و تبقى الطفلة وحيدة، مع كيس كبير مليء بألعاب مكسوة بفرو ناعم.
