قصة قصيرة
جيران .... و لكن ؟
(3) الحلقة الثالثة
رن جرس منزل حياة بعد منتصف الليل و هي لوحدها تسمع الموسيقى الكلاسيكية .... فاستغربت و خافت من يدق عليها الباب في هذا الوقت المتأخر من الليل .... أغلقت جهاز التسجيل الذي بقرب سريرها، و نهضت منه على رؤوس أصابع قدميها ... لترى من في الباب من خلال العين السحرية التي على باب المنزل.... فوجدت رجلاً كبيراً بالسن يقف على عتبة باب بيتها و هو يلبس الروب دي شامبر فوق بيجامته ... فشعرت كأنه أحد الجيران .... و لكن لتتأكد .. صرخت من وراء الباب .... مين ؟؟؟ جاءها صوت ثخين متحشرج قائلاً : أنا جارك في الطابق الأسفل الذي تحت منزلك مباشرة .... هنا فتحت حياة الباب ... و هي مبتسمة و صاحية و كأنه منتصف النهار لا منتصف الليل ... و قالت : أهلاً و سهلاً جار .... خير في شي .... قال لها و العقدة شبرين بين حاجبيه الكثفين، و الغضب يقطر من عينيه و لكنه يحاول أن يكون هادئاً .... ممكن أن تخفضي الراديو أو جهاز التسجيل .... عندك ... فأنا لا أستطيع أن أنام لو سمحتي ....

قالت حياة على الفور : أعتذر منك كثيراً، و الحق معك هذه قلة ذوق مني ... فوراً سأطفئه و لا تؤاخذني ... التفت عائداً لبيته .... دون أن يلقي عليها أي تحية.. لا .. عندما جاء .... و لا عندما راح ....
أغلقت حياة الباب .... و هي تقول لنفسها و تقلده بصوتٍ منخفض جداً و ثخين .... ممكن أن تخفضي جهاز الراديو .... أي قول مسا الخير جارتي ... لا تواخذيني في هذا الوقت .... يا لطيف شو غليظ و جلف .... ليش أنت بهالعمر عم تسمع شي أصلاً .... يمكن يا دوب !! صحيح الله يحسن كبرتنا ... هههه ... ما علينا سوف أذهب لأنام لأريح هذا الجار ... جار الغفلة ؟ ... و بالفعل راحت حياة في نومٍ عميق .... و بعد يومين ... كانت ترتب البيت و تقوم ببعض التنظيفات الخفيفة فيه ... فهي عندها خادمة ( لفاية ) تأتيها كل أسبوع و تعمل لها حفلة تنظيف لكامل البيت بشكلٍ دوري و منظّم .... إلا أن البيت يحتاج لرعاية يومية كما هو معروف ... و بما أنها لوحدها فقد كانت تتأخر بتناول إفطارها و غذائها و لكنها لا تتعشى أبداً ... و تكتفي بنوع من الفاكهة مساءً.....
و في هذا اليوم و بعد أن تناولت قهوتها .... و بعد أن أجرت مكالماتها التلفونية العديدة مع بهاء و زوجته و بعض أصدقائها .... تناولت وجبة إفطار خفيفة ... ثم قررت أن تعمل بعض الأعمال المنزلية .... و من أجل أن لا تمل أشعلت الراديو ... لتتسلّى أثناء عملها ... و إذ ظهرت أغنية تحبها جداً لأنها تذكرها بأيام الجامعة عندما رقصت فيها هي و الزملاء رقصة الدبكة بأحد حفلات الطلبة .... و أخذتها الذكريات إلى هناك ... و أخذها الحال .... و راحت تدبك و ترقص على إيقاعات الأغنية كما كانت ترقص و تدبك و هي صبية في ريعان الشباب ... و لم تشعر بنفسها أبداً و كانت في قمة السعادة .... و إذ ..؟؟ تسمع طرقات على الباب ... و رن الجرس ...؟؟ فذهبت لتستطلع من في الباب ؟ ..... و إذ كان جارها ... الختيار ... زمزمت فمها و أخذته يمناً و شمالاً .... ثم غيّرت ملامح وجهها و فتحت الباب و هي مبتسمة هادئة ... قالت له : أهلاً و سهلاً ... جار ... خير في ... شي .... قال و الغضب بائن من حركة فكّيه التي تنبض كضربات القلب و هو يفتعل الهدوء ... : ألا تلاحظين أن الساعة هي الثالثة بعد الظهر ؟.... و هذا الوقت كثير من الناس يأخذون قيلولتهم .... و أنا منهم ... و هذا وقت راحتي .... فكيف أنام و أنت تدبكين فوق رأسي ... على ما يبدو لم تسكنين في بناء قبل اليوم ؟ ..... هنا ... شعرت حياة بإهانة و غضب كبير ... إلا أنها تماسكت و تمالكت أعصابها، فهي لا تريد أن تؤذي مشاعر إنسان مهرهر و على حافة قبره مثل هذا الجار .... فقالت : الله يسامحك .... أهكذا يطلب جار من جار طلب ؟... بهذه الطريقة الفظّة !.... و على كلٍ أنا أسفة إن أزعجتك للمرة الثانية ..... و للمرة الثانية ... أيضاً التفت عائداً إلى منزله بروب الديشامبر خاصته ... دون أي تحية أو سلام بكل برودٍ و تعالي ...

و بعد أن أغلقت حياة باب بيتها ... قالت و هي تتمتم بينها و بين نفسها .... شو هاد ... يخرب بيتو شو غليظ ... عالقليل يقلي مرحبا ... قال لم أعش ببناء قبل اليوم ... العمى على هالحكي السئيل و الجلف، على ما يبدو أنه كان يسكن في خيمة منعزلة تماماً ... شو بدو ..... لا حس و لا إنس .... ما علينا رجال كبير ... يصطفل .. يا لله شو بدي أعمل .... قدر ؟ .... و تابعت أعمالها بهدوء ....
و بعد عدة أيام .... اتفقت حياة مع بعض صديقاتها أن يزوروها، ليقومون بالطبخ لإحدى الجمعيات الخيرية التي توزّع الطعام على الأسر الفقيرة ... فهذا العمل يحقق لهم سعادة كبيرة ... و جمعة حلوة بينهم يقضون فيها وقتاً ممتعاً مع بعضهم بعضاً و يقومون بعمل إنساني ..... يعني اثنين في واحد ....

و جاءت الصديقات و دارت الأحاديث الشيقة و فناجين القهوة بينهم ... ثم قاموا جميعاً إلى المطبخ لتحضير كميات كبيرة من الطعام المطبوخ ... و هم يمرحون و يمزحون مع بعضهم ........ و روائح الطبخ تعبق بالمكان و البيت بل في كل البناية و خاصةً المنوّر الذي تطل عليه نوافذ المطابخ كلها ...... فلم يسمعوا إلا طرقات على باب المنزل ..... و رن الجرس ....؟؟؟؟؟؟ و ذهبت حياة لتفتح الباب .... فوجدت وجه كئيب و مصفر ... و غضبان .... وجه جارها العزيز ... جار الهنا ؟ .... فـفوراً قالت له خير ..؟؟؟؟؟ .... فأجاب على الفور ... ما هذه الزيوت و أنواع السمن الذي تطبخين به .... فقد انعميت و تحسست من هذه الروائح البشعة التي تدعو للغثيان .... عميتينا يا أختي، انزلي شوفي كل بيتي أصبح دخنة ... و روائح ؟؟؟ .... هنا كان قد استشاطت حياة غضباً و صرخت في وجهه .... لأ، بقى .... فقد زوّدتها كثيراً .... ألا تلاحظ أنك تزعجني كثيراً و تضايقني في كل حركة .... هنا هبّت صديقاتها اللاتي سمعن صراخها و كأنها في خناقة مع أحد الجيران، فما كان منهن إلا أن ظهرهن كلهن دفعة واحدة أمام باب المنزل و علامات الإستغراب على وجههن، و الإستعداد لمواجهة عنيفة .... هنا تراجع جار الهنا إلى الوراء خطوتين ... و هو ينظر إلى هذه الوجوه الغاضبة التي ظهرت دفعة واحدة ..... و كأنها تقول .. إيه في إيه ..؟؟ و أخذته الرهبة ... فقد انقلب وجه حياة الوديع الناعم الهادئ ... إلى شيء يصطك ... كأنه أسنان .... كله أسنان ... و ستلتهمه ... وقّف دقيقة، ثم قال ليحفظ ماء وجهه و لا يكون الرجل المنهزم .... جارة مزعجة ... و التفت بسرعة عائداً إلى منزله .... و هو يسمع جملة : بل أنت المزعج .... بأكثر من صوت ....
و دخلت الصديقات و هن يمرحن و يسخرن من هذا الجار الآرئة .... و يضحكون عليه .... و مرّ اليوم بشكلٍ ممتع و سلس و كل شيء على ما يرام .... و بعد أن ذهبت الصديقات ظهراً تقريباً، و أخذن معهن الطعام المعد للتوزيع و هن فرحات بإنجازهن .... قرعوا الباب على جار الهنا و هربوا كفتيات صغيرات .... و هن يضحكن و أصغر واحدة فيهن في الخمسين من عمرها ؟؟؟؟.....

و في المساء و بعد أن أنهت حياة ترتيب البيت و أعادت كل شيء لمكانه ... جلست لتستريح على كنبتها المفضلة في غرفة الجلوس .... و مرّت أحداث اليوم في مخيّلتها ... و شعرت أنها قد أسأت لرجل كبير في السن هي و صديقاتها، و قد أحرجته و أهانته أمامهن ... مع أنه غير ظريف نهائياً .... و ليس لبق و لا عنده أدنى مستوى من اللباقة ... إلا أنها شعرت بحزنٍ من أجله، فهو وحيد مثلها و لكنه ليس لديه أي حافز ليغيّر حياته مثلها على ما يبدو، هكذا كانت تفكّر .... و جاءت لها فكرة لتكمل إنسانيتها في هذا اليوم ... لماذا لا تسكب له صحناً من طبخة اليوم الكبيرة، و التي زاد عندها بعض منها ..... مسكين لعله اشتهى و خجل .... بل كان مغتاظ .... لأنه لا يستطيع أن يطبخ مثل هذا الطعام .. ربما ؟؟ فـلأكون أنا المبادرة بتحسين علاقة الجيرة و فتح صفحة معه .... حرام ... مسكين...... و أخذتها الشفقة عليه و توجهت إلى مطبخها و سخّنت من طبختها صحناً و وضعته في صينية صغيرة .... و نزلت إلى الطابق السفلي ..... و قرعت الباب ......؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

يتبع