قصة قصيرة
جيران ..... و لكن ؟
(4) الحلقة الرابعة
قرعت حياة باب جارها المشاكس و هي تحمل له طبقاً شهياً من طبختها و تفتعل ابتسامة على وجهها ... التي أظهرتها بمظهر الحمقاء ؟..... و فتح جار الهنا الباب و هو قاطب الحاجبين يضع نظارته على عينيه التي تشير إلى أنه كان يقرأ و ها قد جاء من يزعجه .... قال لها بفظاظة : نعم ..... قالت له بلطافة : قد اشتهيتك بهذا الطبق .... نظر باحتقار إلى الطبق .... ثم نقل نظره إليها من الأسفل إلى الأعلى ثم قال ببرود و تعالي : أنا لا أأكل من هذا التخبيص .... و هذه الأنواع و لا أهضم أي سمن أو زيت مما تستخدمينه .... قالت : هكذا إذاً ..؟؟ .. الحق عليّ ... لأني أشفقت عليك ... قال فوراً : احترمي نفسك يا ست، أنا لا أحد يشفق عليّ بل أنت من تستحقي الشفقة !!!! هنا لم تملك حياة نفسها فأمسكت بالطبق و سكبته على الأرض أمام باب منزله .... و هي تقول : تفضّل إذاً.....!! و عادت أدراجها مسرعة و سمعته و هو يبربر و يقول : جارة شريرة و مزعجة .... و أخذ ينظّف أمام باب بيته ... و هو في قمة الغضب ....

و مرّ يومين أو أكثر .... و لم تعد حياة ترى جارها و لا هو يراها .... و في ليلة .... شعرت حياة بالقلق ... و لم تعد تستطيع النوم و لا تدري لماذا لعلها أكثرت من القهوة و الشاي و المنبهات من بعد ظهر ذلك اليوم .... و تذكّرت بالصدفة جارها الذي أزعجها كثيراً بتصرفاته .... فعقدت مع الشيطان جلسة صغيرة ... و دارت برأسها فكرة الإنتقام ..... فأسرعت إلى المطبخ، و جاءت بمدقة الثوم الخشبية و ربطتها بحبلٍ طويل بإحكام، و فتحت باب نافذتها .... و نظرت إلى الأسفل، فكان الشارع هادئاً جداً ... و الوقت وقت شتاء ... فلا هابوب و لا دابوب، غير رياح باردة تقص المسمار .... و لاحظت أن جميع الجيران قد أطفئوا أضوائهم ... و الصمت مخيماً على كل البناء ..... فأنزلت مدقتها بهدوء بشكلٍ بطيء و رويداً رويداً إلى أن أصبحت بمحازاة نافذة جارها العزيز أبو غضبة ..... و أخذت تلوح بالمدقة أمام الشباك و تطرق عليه طرقات خفيفية و متعددة إلى أن شاهدت أن إضاءة ما قد تسللت من الشباك، فـفوراً رفعت مدقتها و أخفت رأسها و هي تنتظر .... سمعت أصوات انصكاك نافذة جارها و هي تفتح .... ثم ساد صمت مجهول .... و من ثم أٌغلقت النافذة .... و اختفت الأضواء .... انتظرت قليلاً ..... ثم أعادت الكرّة .... و هي تضحك ضحكة دفينة في أعماقها، و تستحضر مشهد خوف جارها و اضطرابه و هلعه و هو لا يدري ماذا يحدُث ؟ ..... و عندما أغلق نافذته للمرة الثانية و بقوة عرفت أنه حصل المراد .... و عادت إلى سريرها سعيدة و غطّت في نومٍ عميق هذه المرة، فـلا أحلى و لا ألذ من النوم بعد الإنتصار ؟ .....

و مرّ يومين آخرين ... و في أثناء ذلك النهار شعرت أنها تريد أن تعمل مغطساً ساخناً بعد عودتها من النادي الرياضي ... و قد أحسّت ببعض التعضيل .... فملئت حوض الإستحمام ... وضعت فيه الفقاعات و عطر البنفسج، و استرخت فيه، ثم أخذت حماماً سريعاً، و فتحت سدادة الحوض أو البانيو .... و خرجت ترتدي ملابسها .... و كانت المياة تتدفق من البلاعة .... لتعيد تتدفقها على سقيفة الجار .... جار الهنا .... و أصبحت تهطل على بيته مثل الشلال ... بشكلٍ أقل بقليل من شلالات نياغارا ..... و قبل أن تمشّط شعرها ... الذي بدت به كأنها قطة مبلولة و كل خصلة مفكوشة شكل....... سمعت طرقاً حسيساً و متلاحقاً و قوياً على الباب و كأنه قد شبّ حريق في البناية ..... أو أحد الجيران قد مات .... و ركضت لتفتح الباب ..... فوجدته .... و هو يتكلّم بسرعة الرشاش الحربي ...

لم تفهم منه و لا كلمة في بادئ الأمر .... إلى أن لمحت و كأن عيناه تلمع ... لعله قد بدأ بالبكاء فعلاً ..... فقالت له على الفور : إهدأ إهدأ يا جار ... لكل شيىء حل .... أريد أن أفهم أولاً ماذا حصل ..... قال لها بعد أن تمالك نفسه قليلاً .... لقد طاف بيتي .... و الماء يندلق دلقاً من بيتك ماذا فعلت ؟؟؟ .... أرجوكي انزلي و شاهدي ماذا حصل ..... و نزلت معه حياة إلى الطبقة السفلية، و دخلت منزله و بالفعل .... كان مشهداً مأسوياً .... فالسجاد يسبح سباحة هو و الكراسي .... و ما زال الماء يتدفّق .... و عرفت هي السبب ... طبعاً لم تذكر له شيئاً .... بكفّي أن صوفتها حمراء عنده بما يكفي .... التفتت إليه قائلةً إهدأ أرجوك، قد تكون إحدى مواسير الماء قد انفجرت أو انكسرت .... سأعالج الأمر كله برمّته .... أنت فقط اجلس ريثما أتصل بإبني بهاء ..... و ركضت إلى منزلها ... و اتصلت بابنها، و هي تطلب منه أن يرسل لها عامل صحية على الفور، فالموقف لا ينتظر أي تأخير .... ثم اتصلت بزوجة ابنها ... و خدامتها ليأتوا إليها مسرعين لأمرٍ طارئ .... و كذلك اتصلت بصديقتها المقرّبة منها جداً سميحة، و التي تشاهدها في كل يوم في النادي، و هي صديقتها من أيام الصبا أن تأتي لنجدتها ...

و بالفعل اجتمع فريق عمل كامل في منزل جار الهنا .... فأصلح عامل الصحية الأضرار الناجمة من اندفاع الماء بقوة بأحد المواسير، مما أدّى إلى انفجاره و قد كان هشّاً قديماً مهترئاً .... و قد قامت حياة و صديقتها و كنتها و خادمتها بتنظيف الشقة بشكلٍ كامل .... و كانت قذرة بشكلٍ لا يوصف و تعمّها الفوضى، فنُشر السجاد كله أولاً ثم نظّف البيت بشكلٍ رائع .... و رُتِّبَ بعد أن كانت الفوضى و القذارة به لا توصف...... و بعد أن انتهى الجميع من العمل، و كان المساء قد أقبل .... و بلغ بهم التعب ما بلغ .... و جار الهنا كان على كنبته كالملك يقرأ و ينتظر .... و بعد ذلك نظر إلى بيته .... و كأنه بيت آخر لا يعرفه !! .... و عندما أرادت حياة و فريقها المغادرة ... التفتت إلى جارها قائلةً : أرجو أن تكون مرتاحاً هذه المرة .....؟؟؟... و كانت متهالكة و قد أصبح شعرها مثل القنفذ، فهي قد نسيت نفسها منذ الصباح ..... و لأول مرة يبدو وجه الجار مسترخياً و قد فُردت تجاعيده نسبياً .... و قال لها : أشكرك .... بالفعل قد تعبت معي كثيراً هذا اليوم ... و أنا اليوم أعتذر منك .... أنا اسمي منير .... و متقاعد و كنت رئيساً لمحكمة الاستئناف في قصر العدل ... فإن كان لديك أي استشارة قانونية ... أو مسألة شرعية أو مدنية، فأنا في خدمتك ... و أشكر جهودك و تعاونك الإيجابي معي هذا اليوم .... كانت حياة تسمعه و هي غير مصدِّقة ما تراه عيناها ... و ما تسمعه آذانها، و صعدت إلى شقتها هي و ضيوفها، و ارتاحوا قليلاً، ثم كلٌ ذهب إلى منزله بعد يومٍ شاق .... و وقفت حياة أمام المرأة فوجدت نفسها أنها بحاجة إلى الإسترخاء مرة ثانية في حوض الإستحمام ( البانيو ) ...... و لكن الفكرة أخافتها فعدلت عنها ... و استرخت في سريرها و راحت في نومٍ عميق .... عميق جداً ..... و في الصباح نهضت و هي مكسّرة الأضلاع ..... و لكنها شدّت نفسها، فاليوم مدعوة على صبيحية عند صديقاتها الظريفات، و لن تفوّت هذا اللقاء الجميل ... فنهضت و شربت قهوتها و تهنّدمت .... و نزلت و كلها نشاط .... للقيام بزيارتها و ما أن وصلت ..... قرب باب شقة منير ... حتى فُتِحَ الباب بسرعة .....؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
يتبع