الارشيف / ثقافة و فن

جيران ..... و لكن ؟ الحلقة السابعة و الأخيرة - القسم الأول

قصة قصيرة

 

جيران .... و لكن ؟؟

 

(7) الحلقة السابعة و الأخيرة - القسم الأول

 

شعرت حياة بغثيان و جارها منير يصف زوجته المتوفاة، و التي تشبه الشبح الذي ظهر لها في كابوس البارحة ... بينما تجمّدت سميحة صديقة حياة من الوصف الذي يطابق وصف حياة للشبح ... و انتبه منير أن وجه حياة قد تغيّر و تبدّل أثناء كلامه، و سألها إن كانت منزعجة من شيءٍ ما ؟ ..... قالت له : لا أبداً، و لكن على ما يبدو أني تعبة اليوم، و أريد العودة إلى المنزل فوراً .... و استغرب منير كيف أنهّت حياة و صديقتها هذا اللقاء الذي حصل بالصدفة البحتة ... و بقي هو جالس على مقعد الحديقة ... بينما حياة و صديقتها غادرتاها بسرعة و على عجل ...

أوصلت سميحة صديقتها لمنزلها و ودّعتها بعد أن طلبت منها حياة أن تبقى معها اليوم، و لكنها اعتذرت بشدة لأن لديها أشغال .... و لكن لم تكن صادقة فهي خافت من الأشباح التي تزور شقة صديقتها .... و صعدت حياة الشقة ... و دخلت بحذرٍ شديد ... و بدّلت ملابسها و أخذت بعض حاجياتها و ذهبت لبيت ابنها بهاء القريب منها هذه الليلة، فقد شعرت بقشعريرة من بقاءها لوحدها .... فأهّل و سهّل بها بهاء و زوجته و أولادهما بالضيف العزيز .... و بعد أن ذهب الأطفال إلى النوم، قصّت حياة قصتها لابنها بهاء و زوجته القصة كلها .... فضحكا كثيراً، و جلسا بقية السهرة و هما يقنعانها أن كل ذلك مجرّد صدف ... أكيد لا أشباح و لا شيء من هذا.... بل هو تلبك معوي ليس إلا .... قال بهاء : مهما كان الأمر يا أمي الحبيبة، امكثي عندي كما تشائين و غيّري جو بيتك .... قالت له : نعم، أريد ذلك ... كما أريد أن أتكلّم مع قصي ليحضّر لي فيزا لإيطاليا، فأنا مشتاقة له كثيراً و سأذهب لعنده في الربيع المقبل الذي أصبح على الأبواب .... قال لها بهاء : لك ما تريدين يا أمي و لماذا لا ... اخرجي و سافري و شمّي الهوا و غيّري جو، ما في شي وراكي ....

 

 

و مكثت حياة عند ابنها عدة أيام ... و من ثم اشتاقت لبيتها بعد أن هدأت نفسها و عادت لها حيويتها و استقرارها .... و بالفعل عادت، و عاد معها ابنها و زوجته و أولاده، و بقيوا عندها يومين ... ثم عادوا لمنزلهم .... و عادت حياة لنشاطاتها المعتادة و نمط حياتها السابق ... و في صباح أحد الأيام دق جرس الباب .... و فتحت حياة الباب، و إذ جارها منير يحمل صينة صغيرة عليها زبدية رز بحليب، و قال لها و هو مبتسم : الحمد الله على سلامتك يا جارتي العزيزة ... لقد غلي قلبي عليك و لغيابك، و شعرت و كأنك كنت عند ابنك، ثم جاء هو لعندك. خير أكنت مريضة لا سمح الله ... قالت له : نعم كنت تعبة بعض الشيء و الحمد الله الآن أحسن ... قال لها : تفضلي، فقد تعلمت هذه الوصفة من التلفاز من قناة فتافيت خصيصاً لأصنعها لك عندما تعودين بالسلامة، أرجو أن تنال إعجابك .... أخذت حياة الصينة من يده و شكرته .... و أغلقت باب المنزل ... و وضعت الزبدية على طاولة المطبخ ..... و هي تنظر لها من بعيد لبعيد .... لعله وضع فيها شيئاً ما ..... ليكون سحر أو ما شابه ؟...

 

 

و أصبحت تذهب و تعود إلى المطبخ، و هي تفكّر أن ترمي محتوى الزبدية في القمامة .... و أخيراً قررت أن تلقيها، و مسكت الزبدية و الملعقة و همّت بإفراغها، و لكن اشتهت أن تتذوّق لقمة واحدة أو أن فضولها دفعها دفعاً لذلك، فقد كانت رائحتها ذكية جداً و كأنه أضاف لها مادة المسكة الحلوة الغذائية، التي تطيّب الحليب بالإضافة إلى ماء الزهر .....

و بالفعل ذاقت لقمة واحدة، و كانت طيبة و لذيذة جداً جداً .... فلم تستطع أن تمنع نفسها من التهام كل الزبدية على آخرها ...... و جلست بعدها نادمة شر ندم، لعله سيحصل لها شيء هذه الليلة أيضاً .... و جلست تنتظر و تنتظر في غرفة الجلوس، و هي مضطجعة على إحدى الكنبات .... و قد وضعت عليها حراماً رقيقاً، و التلفاز شغّال أمامها حتى غفلت ... و نامت بعمق حتى الصباح .... و عندما استيقظت شعرت بالنشاط و أنها نامت نوماً عميقاً، بل كانت أفضل ليلة منذ أن سكنت في هذا البيت، و نظرت لنفسها فلم تلاحظ أي تغيّر ... فلم يحصل شيء، و كانت زبدية الحليب سليمة و الحمد الله ....

 

 

و مضى يومين آخرين، و أحبّت حياة أن ترد الزبدية لجارها منير، و أن تسكب له شيء فيها ... فطبخت أكلة الحبوب الشامية المعروفة، و سكبت له زبدية، و أضافت على وجهها جوز الهند و اليانسون الناعم ... و أنزلت الصينية، و قدّمتها لجارها الذي فرح بها كثيراً، و طلب منها طلب على خجل و هو مرتبك ... إن لم يكن لديها أي مانع لترافقه إلى حديقة الجاحظ ...

وقفت حياة مرتبكة لا تدري ما تقول له ... ثم نظرت إلى عينيه فوجدتهما ، و كأنهما يستجديانها استجداءً .... فوافقت ... شفقةً عليه .... و رافقته يومها إلى الحديقة، و أصبح يتكلّم دون توقُّف عن حياته مع زوجته المُحبّة ... و عن عمله و كيف كان ناجحاً جداً جداً .... و عن بطولاته الرياضية ... و هي تستمع له ... و كم لاحظت الفرحة على وجهه، و هذا ما دعاها إلى الصمود حتى نهاية هذا المشوار ... لم تتكلّم فيه حياة إلا بضع كلمات .... حيث أخبرته أنها ستسافر لعند ابنها قصي الشهر المقبل إلى إيطاليا، و ستغيب قرابة الشهرين أو أكثر، هنا تمنّى لها منير سفراً ممتعاً و سالماً، بالرغم من غمامة الحزن على وجهه .... فقد أضحت حياة صديق مهم في حياته ...... و لكنها قالت له ستبقى على اتصال به عن طريق النت و الفيسبوك، و سترسل له صور الأماكن التي ستزورها حتماً حتى لا يرجع لوحدته ...

 

 

سعد منير لهذا الكلام جداً .... و أخذت منه اسم حسابه و أرقام هواتفه ... و كان هذا اللقاء هو آخر لقاء بين حياة و منير قبل السفر .... و بالفعل تمّت أوراق حياة و استعداداتها للسفر ... و جاء اليوم الموعود لمغادرة سورية، و الإنطلاق إلى ميلانو في إيطاليا، حيث ابنها قصي ينتظرها على أحر من الجمر، فهو مشتاق لها كثيراً، و هو يعد الدقائق و الثواني لوصول أمه الحبيبة لعنده .... و عندما جاء بهاء لنقلها إلى المطار مع عائلته لتوديعها ... لم يفتها أن تطرق باب جارها منير و تودّعه، و عرّفته على ابنها بهاء و قالت له : إن احتجت لشيء هذا ابني، إنه لطيف و حنون و سيلبيك ... شكرها منير و شكر ابنها كثيراً ... و ودّعته و سافرت ....

 

 

يتبع القسم الثاني من الحلقة السابعة و الأخيرة بعد ساعة 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا