قصة قصيرة
يوميات عائلة مستورة
(4) الحلقة الرابعة
استيقظت ناجية على صوت نحيب مخنوق .... فقد كان زوجها يبكي بصمت ..؟ لأول مرة في حياتها ترى زوجها يبكي بحرقة ... ففزعت و خافت عليه، و قالت له : ما بك يا سعيد ... قال : لا شيء نامي ... ارجعي نامي ... فأنارت المصباح الصغير الذي بجانب سريرهما .... و جلست ... و وضعت يدها على كتف زوجها و حبيبها ... و هي تقول : و يعلى قامتي، أتبكي يا أبو زهير، سلامتك من القهر و الحزن يا حبيبي ... و لا شيء في الدنيا يدعو لأن تحزن هذا الحزن فيجعلك تبكي، فلا كان و لا صار .... قال لها : اسكتي يا ناجية، أرى الأولاد يبتعدون عني يوماً بعد يوم، بل أشعر و كأنهم بدأوا يكرهونني و كأني سأفقدهم قريباً و يتسرّبون من يدي كما يتسرّب الرمل من بين الأصابع عندما يحاول الإنسان القبض عليه و بقوة .... إني خائف عليهم ... و حزين من أجلهم فلم أعد أستطيع أن ألبّي طلباتهم المتزايدة ... لا ألومهم فهم يكبرون و يشاهدون كل شيء من حولهم و يشتهون أن يكونوا مثل أقرانهم ... و أنا مثلما تشاهدين ... اقترب تقاعدي ... و سوف يصبح راتبي أقل و لن يحقق لي و لا لأولادي المستوى اللائق على الأقل ؟؟ ماذا أفعل ...؟؟ لا أدري .... احتضنت ناجية زوجها بكل حب و حنان و هي تقول : هوّن عليك يا سعيد ... الرزق من عند الله ... و لا يسكّر الله باباً إلا و يفتح أبواب ... و أنت رجل تقي مؤمن و لا يمكن أن يتركك رب العالمين، أنا واثقة من ذلك يا حبيبي يا أغلى الناس .... و لماذا تفكّر هكذا، فكل شيء حولنا عادي و دائماً الأولاد لا تنتهي مطالبهم .... و لا تهتم لشيء، أنت قدّم ما تستطيع فقط و اترك الباقي على الله ... و نهضت من فراشها و عملت لزوجها كأس يأنسون لتهدأ أعصابه و ينام ... و اطمئن سعيد و ارتاح لكلام زوجته و غطّ في نومٍ عميق .....

و في اليوم التالي ... ذهب إلى عمله ... كالعادة ... و أثناء النهار ... مرّ صديقه أبو عمر ... على المصرف من أجل حوّالة له ... قبضها من صندوق أبو زهير ... قد كان الوقت يسمح بأن يتبادل الصديقان بعض الحديث، فلم يكون هناك ازدحاماً بالصدفة و أبو عمر صديق أبو زهير منذ الطفولة، فقد كانا في مدرسة واحدة و في حارة واحدة و يعرفان بعضهما البعض معرفة جيدة ... و يعلم أبو عمر أن حمل أبو زهير كبير و يكبر يومياً و هو إنسان شريف عفيف نظيف اليد، و كان أبو عمر تاجر في سوق العصرونية و يمتلك متجراً كبيراً يدرُّ عليه أرباحاً جيدة ... فجال في خاطره أن يساعد صديق عمره أبو زهير فقال له : ما رأيك يا أبو زهير لو تأتي لعندي إلى محلي يومياً بعد عملك في المصرف و تبقى ساعتين فقط، فأنا بحاجة لإنسان أمين مثلك أن أسلّمه المحل كل يوم عندما أكون أستلم بضاعة أو لي أشغال في السوق ... أو أكون في راحة و فرصة لأرتاح قليلاً عندما يساعدني أحد أثق به .... و لا نختلف أبداً على الراتب ..... فأنت أخي و صديقي و جيبي و جيبك واحد ؟؟؟ ... على فكرة لن يعرف أحد بذلك ... لأننا أصدقاء و لا مانع بأن يزور الصديق صديقه في محلّه و لو كل يوم .... ماذا تقول يا أبو زهير ؟؟؟ لم يصدّق أبو زهير ما يسمع ... و كـأن الله فتح له باباً للرزق حلالاً عندما أغلق هو على نفسه باباً للحرام كان سيفتح عليه ..... فهذه فرصة ليحسّن دخله ... و كما يقولون بحصة تسند جرة ..... و بالفعل أبو عمر رجل شهم و أخلاقه عالية و يشبهه كثيراً في الطبع و السلوك و حالته المادية جيدة و أعماله مزدهرة فلما لا .... جاء بوقته ...... بالفعل صدق قول زوجته بأن الله لا ينسى أحد و هو كريم ... جلّ جلاله ... على الفور قال أبو زهير لصديقه : أبشر يا صديقي، أنا في خدمتك و عندي وقت بعد عملي لأساعدك _ براسي و عيوني _ فأنت صديقي منذ الطفولة و لك عندي معزة لا يعلمها إلا الله و أرجو أن أكون الرجل الذي تعتمد عليه حقاً ....

و اتفق الصديقان على أن يباشر أبو زهير عمله لدى أبو عمر في اليوم التالي مباشرةً ليستلم البيع و الشراء و صندوق المحل في غياب أبو عمر بعد الظهر .... و هذا ما كان ... و مرّت عدة أيام شعر بها أبو زهير أنها فرجت و بدأ يتعوّد على العمل الجديد، و كان يتسلّى جداً بهذا العمل و يتعلّم شيء جديد في حياته و لكنه كان يتعب كثيراً و لا يصل إلى بيته إلا بعد الغروب ... فيتعشّى و ينام .... في هذه الأثناء ذهب زهير لخدمة العلم ..... و تزوّجت خالدة .... و باتت أم زهير دائمة البكاء من أجل ابنها زهير فهي خائفة عليه دائماً و تشتاق له و تحمل همّه ... أما خالدة فقد كانت تزور بيت أهلها كل يومين إما حردانة و إما زعلانة لأن زوجها وحيد، و أخذت الخلافات تزيد بينها و بين حماتها و أهل زوجها و بالتالي زوجها .... ففي كل يومين مشكلة .. و كأن مشاكل خالدة كانت تنقصهما ؟... ... فيكفيهما مشاكل أولادهما السبعة الباقيين، فلديهم من المشاكل ما يكفيهما ... من أجل دراستهم و احتياجاتهم المادية و النفسية ... فكان الضغط يكبر و يكبر في كل يوم .... و خاصةً أن خالدة أصبحت حامل في شهرها الثاني و هي تعاني من أعراض الوحام ... فليس لها إلا بيت والدها ...؟؟؟؟ فبدأ الحمل يكبر و الإرهاق يزيد ...

و في يوم طلب أبو عمر من صديقه أبو زهير عند وصوله في الساعة الثالثة و النصف تماماً بعد الظهر بأن يذهب إلى محل للأدوات المنزلية في منطقة عرنوس حيث لديه حساب مهم مع صاحبه، و هو لا يستطيع ترك المحل في العصرونية فسوف تأتيه بضاعة جديدة يريد أن يستلمها بنفسه ... فلبّى أبو زهير طلب صديقه و ربّ عمله على الفور و توجّه إلى المحل المطلوب ... و استلم منه مبلغاً كبيراً من المال وضعه في كيس أسود و لفّه و حمله تحت إبطه ... خرج من المحل و ما كاد أن يخطو عدة خطوات .... حتى لمح ابنته ابتسام التي كانت في الصف الثالث الثانوي الفرع الأدبي، و كانت قد أصبحت أجمل بعد أن أجرت عملية تجميل لأنفها بعد إلحاحها الشديد .... فهاهي اليوم تسير مع شاب صعلوك كأنه بنفس عمرها .... في وسط منطقة عرنوس متوجهان نحو حي الصالحية بلا خجل ؟ .... لم ترى والدها نهائياً و لم تكن تنتبه أصلاً لأحد في الشارع ... فتجمّد أبو زهير في مكانه عندما شاهد ابنته و هي بهذا الوضع المزري و اللأخلاقي .... من ... ابتسام ... لم تصدق عيناه ؟؟ ... أهكذا ربّاها ! ؟؟؟ ... و كادت أن تنفر الدمعة من عينه .... و لم يعد يدري ماذا يفعل، أيلحقهما و يجذبها من شعرها ... أم يضربها كف على وجهها و يمسح الأرض بالشاب الذي معها ... أم يضربه ضرباً مبرحاً .... فهما ما زالا صغيران جداً ... كيف وصلت من الحارة من باب الجابية إلى عرنوس ؟ .... أين أمها ؟ .... أين أخوتها ؟ .... شعر أبو زهير و كأن النار بدأت تغلي في عروقه غلياً .... فقد مرّت بالقرب منه و لم تنتبه له ...؟؟؟؟ و هي غارقة في النظر لوجه هذا الشاب الصغير الذي ما لبث شاربه بالظهور أو يخط خطاً بسيطاً ..... أحس بغصّة و بتعب شديد .... و لم تعد تحمله قدماه ... و توقّف عن الحراك لم يعد يدري أيذهب يميناً أم شمالاً ... أيلحق بها أم يتركها و حسابها في المنزل .... و هذه الأمانة التي تحت إبطه و الذي يجب أن يوصلها لصاحبها فوراً .... فأخذ الغضب يمتلكه و الحيرة تسيطر عليه ..........................؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

يتبع