من يتقّ الله يجعل له مخرجاً
بطل قصتنا هذه هو عارف.
عارف شابٌ طموحٌ ونشيطٌ، يعمل موظفاً في الجمارك براتبٍ بالكاد يكفيه.. متزوجٌ ولديه ولد عمره ثلاث سنوات، وآخر ما يزال جنيناً في بطن أمه..
يعيش عارفٌ في بيتٍ مستأجَرٍ يلتهم نصف راتبه، وينفق النصف الآخر هو وعائلته طوال الشهر، والله وحده يعلم ماذا يأكلون وماذا يلبسون وكيف يمضون الأيام ريثما يستلم راتبه الشهري التالي..
خرج عارف ذات يومٍ من بيته مهموماً مغموماً.. فزوجته زينب على وشك أن تضع مولودها، وللولادة نفقاتٌ مرهقة، ولم يبقَ في جيبه إلا ليراتٌ لا تكفي لسدّ الجوع، فماذا يفعل؟
تراقصت ذكرياتٌ كثيرةٌ مُرّةٌ أمام عينيه..
تذكر اليوم الذي بكى فيه ابنُه الحبيب خالد، لأنه يريد شراء دراجةٍ هوائيةٍ كدراجة ابن الجيران رامي.. تمنّى يومها لو يستطيع أن يبيع عينيه ويلبيَ طلب ابنه.
تذكر أيضاً زوجته زينب، يوم أرادت أن تحضر حفل زفاف أخيها، فلبست ثوباً قديماً، ثم مشت في الغرفة بخطواتٍ متغنجةٍ، وهي تقول ساخرةً:
- لو أنَّ مارد المصباح السحري ظهر الآن وسألني: بماذا تحلمين وماذا تتمنّين.. أتدري يا عارف ماذا كنت سأقول له؟
نظر إليها مستغرباً.. فتابعت: كنت سأطلب منه أن يبدِّل ثوبي هذا بثوبٍ جميلٍ، أتفوّق فيه على جميع المدعوّات، وأجعلهنّ يشرن إليّ بأصابعهن!

ورغم أنَّ عارف يدرك أن زينب لم تكن تقصد أن تهينه بكلامها، بل كانت تثرثر وتمزح، إلا أن كلامها ذلك جرحه حتى الصميم، فقد أشعره بفقره وتقصيره وعجزه عن أداء واجباته الزوجية بكفاءةٍ واقتدار.
رددّ في سره:
- لماذا لا نعيش كغيرنا من الجيران والمعارف والأهل والأصدقاء؟
لماذا يتوجّب علينا ألا نأكل اللحم إلا مراتٍ معدودةً في السنة، وألا نلبس إلا البالي من الثياب؟! لماذا لا يتوازع الناسُ المالَ في الدنيا بعدالةٍ ومساواة؟!
أفاق عارف من أحلامه وأوهامه، فاستغفر الله تعالى من تلك الأفكار السوداوية التي غزت عقله، فجعلته يعترض دون أن يشعر على قضاء الله.
ركب الحافلة المخّصصة لنقله إلى مكان عمله، وجلس في كرسيّه، ثم أخرج من جيب قميصه مصحفاً صغيراً، وبدأ يتلو بضع آيات من القرآن الكريم، كما تعوّد أن يفعل كل يوم، وشاء الله أن يكون من حظه في ذلك اليوم قوله تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً* وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً*)
دمعت عيناه، وناجى ربه قائلاً: اللهم اجعلني ممن يريدون الآخرة ويسعون لها، ورضّني بما قسمت لي..
تذكّر كلمات الشيخ حسني، التي قالها حين حضر البارحة مجلس العلم الذي يقيمه في المسجد:
* يا أحبابي، إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب.
* إن هناك عباداً يبتليهم الله بالغنى، وعباداً يبتليهم بالفقر، فلا يغترَّنَّ أحدٌ بما لدى الآخرين من مال، لأن هذا ابتلاءٌ لهم، فإن استخدموا المال فيما يرضي الله فازوا وربحوا، وإلا خسروا وندموا.
* لا يتحسرنّ أحد لفقره وعوزه، فإن الله يجزي الصابرين جناتٍ تجري من تحتها الأنهار.

وصل عارف إلى مكان عمله، فنزل من الحافلة وقد زال ما به من همٍّ وغمٍّ، وأوكل أمره إلى الله سبحانه وتعالى، فهو وحده نعم المولى ونعم الوكيل.
كان بانتظار عارف في ذلك اليوم امتحانٌ صعبٌ.. فقد تقدم منه السيد ربحي، وهو أحد التجار المرموقين، وكانت بينهما معرفةٌ جيدة، فربحي زبونٌ مداومٌ، وفي كل أسبوعٍ له بضاعةٌ إما مُصدَّرَةٌ أو مستوردة.
همس ربحي في أذن عارف: ما رأيك بربحٍ ساقه الله إليك؟
لم يفهم عارف ما يعنيه السيد ربحي، فأشار ربحي إلى شاحناتٍ تنتظر دورها ضمن قاطرات الشحن للتفتيش، وقال لعارف:
مرّر لي تلك الشاحنات بدون تفتيش، واقبض 1000 دولار مكافأةً مني حلالاً زلالاً!
انتفض عارف كديكٍ مذبوحٍ، وصاح بغضبٍ وحزم:
أترشوني يا سيد ربحي؟! أنا لا أتقاضى الرشاوى، ولولا أني أعرفك منذ مدةٍ لتصرفتُ معك بشكلٍ مختلف! هيا.. قف في دورك حتى يحينَ موعد التفتيش.
تجمّل ربحي بالصبر، وقال ملاطفاً: من قال إنها رشوة؟ هي مكافأة.. فالشاحنات لا تحمل بضائع ممنوعة.. كل ما في الأمر أنني أردت أن أكسب الوقتَ من جهة، وأن أعينك لتحسّن وضعك المادي من جهةٍ أخرى.
لم يقتنع عارف بكلام ربحي، فهو موظف جماركٍ ذكيٌّ ومحنّكٌ، ويعرف أنَّ أيَّ تاجرٍ لا يدفع قرشاً واحداً إلا إذا حقق من ورائه أضعافاً مضاعفةً من الربح.. لكنه مع ذلك أجابه: إذن قف في دورك، فلست بحاجةٍ إلى مكافآتٍ من أحد..
لم يترك الشيطانُ عارفاً من وسوسته وإغراءاته طوال ذلك اليوم:
لماذا لم تقبض المكافأة؟!
ماذا ستفعل حين يدبّ الطلق بزوجتك، وأنت لا تملك مالاً لدفع مستلزمات الولادة؟!
كيف ستدبر أمورك حين يزداد أفراد عائلتك فرداً؟!
كيف ستطعمهم وتلبسهم وتلبّي حاجياتهم؟
أمضى عارف سحابة يومه وهو يصارع تلك الوساوس الشيطانية المريرة، فيندم تارةً على تفريطه بالمكافأة الكبيرة التي كان السيد ربحي سيجود بها عليه، وينتفض تارةً أخرى من هذا المال الحرام الذي سيزجّ به في النار إن قبله وأكله.. ومن ينظر إلى عارف طوال طريق عودته من عمله إلى منزله، يظن أن به مسّاً من الجنون.. فقد كان بين الفينة والأخرى يهزّ رأسه، أو يرفع حاجبيه، أو يقطِّب جبينه، أو يلوي شفتيه، مما يعني بوضوحٍ أنه كان يعبِّر بظاهر جسده عما يعتلج في داخل نفسه..
وصل إلى منزله أخيراً.. فتح الباب.. ركضت زوجته لتستقبله كالمعتاد، وقالت له:
- أهلاً وسهلاً أبا خالد.. لك عندي مفاجأة.
قال بصوتٍ واهنٍ: خيراً إن شاء الله.. تعبتُ اليوم من المفاجآت.
أجابت: جارتنا أم غسان جزاها الله خيراً، توسطت لنا عند القائمين على جمعية العافية، ليتم توليدي في المشفى دون أجرٍ..
ثم ناولته ظرفاً وهي تقول: وبهذا الظرف هدية أم غسان للمولود: 200 دولار! أرادت أمُّ غسان أن تدفعها لنا سلفاً لنستعين بها على نفقات قدوم المولود.
ثم هزّت رأسها بدلالٍ فاتنٍ وقالت: ما رأيك بهذه المكافأة؟
حسب عارف ما أكرمه به الله من مال حلال، فوجد أنَّ نفقات الولادة في المشفى مضافاً إليها هدية أمِّ غسان تساوي مكافأة ربحي، وقد تزيد عليها قليلاً.
عانق زوجته وهو يغالب دموعه ويردد: ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.
