الكذبة البيضاء
قصتنا اليوم عن أبي عبدو.
أبو عبدو رجلٌ في الستين من عمره، وزوجته أم عبدو في الخمسين من عمرها، ولديهما أربعة أولاد: عبدو ورامي وسامي وسعاد.
كل من يجالس أبا عبدو يسرّ بمجالسته، فهو رجلٌ خفيف الظل وصاحب نكتةٍ حلوة.
مشكلته الوحيدة أن الأمور عنده تختلط ببعضها: الهَزل والجِدّ.. الصدق والكذب.. المرح والحزن.. هذه المصطلحات كلها غير متمايزة عند أبي عبدو.
يضحك أبو عبدو دائماً، حتى في أوقات الجِدّ والحزن، وإذا سأله أحدهم: لماذا تضحك؟
ضحك وقال: إيه.. واللهِ الضحكُ حلوٌ أيها الناس..
فعلاً الضحك أمرٌ حلو وجميل.. ولكنَّ كلَّ شيءٍ في وقته أجمل وأحلى.
ويبدو أن أبا عبدو لم يسمع قول الحكماء: كثرة الضحك تميت القلب، ولم يسمع قولهم: من كثر ضحكه قلّت هيبته!
وهذا ما حدث لأبي عبدو، فقد قلَّت هيبته، ولم يعد أحدٌ من الأقارب والمعارف والأصدقاء يحترمه أو يحسب له حساباً..
لنقل: هذه ليست مشكلةً كبيرةً لو كانت هي العلَّةَ الوحيدة لأبي عبدو.. لكنَّ لأبي عبدو علّةً أكبر، هي اعتياده الكذبَ ليَضحك أو ليُضحك!
وللكذب عنده لونٌ واحدٌ هو الأبيض، ويعتبر كِذبَته بيضاء دائماً ولو أدت إلى جلط الناس أو خراب بيوتهم!
تتحدث أم عبدو عن كذب زوجها الذي لا يطاق فتقول: زوجي يحب الكذب كثيراً، ولا يستطيع أن يعيش بدونه! فهو يكذب في كل صغيرةٍ وكبيرة.. شاردةٍ وواردة...
يكذب إذا سألته عن ثمن كيلو الخبز، ويكذب إذا سألته إلى أين سيذهب، ومع من كان، وماذا أكل!
وإذا زارنا أحدٌ وروى له قصةً كذَب، وإذا حدثني عمَّا رأى في نومه كذب!
طبعاً ستتساءلون: كيف يكذب؟
سوف أخبركم..

ينام أبو عبدو عشرَ ساعات كل يوم، وعندما أوقظه يقول: آخ يا أم عبدو.. لم أستطع أن أنام طوال الليل، اتركيني أنام.. أنا نعسان..
سأله ابنه عبدو مرةً: لماذا تكذب كثيراً يا أبي؟
لم يخجل أبو عبدو من سؤال ابنه، بل أجابه: هذا كذبٌ أبيض يا حبيبي.
عقَّب ابنه رامي متعجباً: وهل هناك كذبٌ أبيض وكذبٌ أسود يا أبي؟
الكذب الأسود بحسب تعريف أبي عبدو هو الكذب الذي يؤذي الناس، أما الكذب الأبيض فهو للتسلية والفكاهة فقط..
تتابع أم عبدو كلامها فتقول: في الحقيقة ليس هناك كِذبةٌ بيضاء وكِذبةٌ سوداء، فالكذب كله في نهاية المطاف يؤذي الناس!
تسألون: كيف؟!
سأخبركم..
ذات يوم دخل أبو عبدو إلى البيت والدموع على خديه. قلتُ له: خيراً إن شاء الله..
تلكّأ ثم أجاب: أبوكِ.. أبوكِ توفي يا أم عبدو.. دهسته سيارةٌ فمات.
ابتلع الرعب لساني، وابتلع معه قليلاً من السكر الذي يفرزه البنكرياس في جسمي.
ركضتُ إلى بيت أهلي وأنا أبكي.. فتح والدي الباب.. فخررتُ مغشياً عليَّ بين يديه.
منذ ذلك اليوم وأنا أعاني من مشاكلَ في البنكرياس والضغط والسكر.
فهل هذه كذبةٌ بيضاء؟!

قصةٌ أخرى أذكرها لكم..
ذات مرةٍ أقمنا وليمةً بمناسبة خطوبة ابنتنا سعاد، ودعونا العريس وأهلَه..
قرابة عشرين شخصاً كانوا يجلسون على طاولة الطعام، يتناولون ما لذّ وطاب..
وفجأة انتاب أبا عبدو سعالٌ شديدٌ، ثم اختفى صوته، واحمرّ وجهه، وانتفخت أوداجه..
صاح العريس: عمّي أبو عبدو يكاد يختنق.. وقام الجميع لمساعدته، وفجأة.. رنّت ضحكة أبي عبدو، واكتشف الجميع أنه كان يمثِّل ويمزح لينشر الدعابة ويُشيعَ السعادة في الجو.. حسبما قال!
اصفرّ لون العريس، وتصنّع الابتسام، وهو يحاول أن يخفيَ غضبه وخجله أمام أهله من هذا التصرف الصبياني الغليظ.
بعد يومين فسخ العريس الخطوبة..
ابنتي سعاد لا تسامح أباها أبداً، لأنها تعتبر كذبه ومزاحه غيرَ المناسب السببَ المباشر لفسخ خطوبتها.
تروي أم عبدو قصةً أخرى فتقول: كنت مدعوّةً إلى عرس ابنة الجيران..
رنّ هاتفي الجوال.. كان صوت أبي عبدو يصلني ضعيفاً لاهثاً وهو يقول: أدركيني يا أمَّ عبدو.. أكاد أموت..
أصابني الرعب، فخرجت فوراً من العرس، ورافقتني بعض الجارات، وفي الطريق اتصلت بابني عبدو ليحضر الطبيب على عجل.
دخلتُ إلى البيت، فوجدت أبا عبدو جالساً على الأريكة يشاهد التلفاز، وبين يديه كيسٌ من البوشار.
لا أستطيع أن أصف لكم شعوري آنذاك..
تمنيتُ لو أن الأرض تنشق وتبتلعني عندما ضحك أبو عبدو وقال لجاراتي:
أهلاً أهلاً.. لو كنت أعرف أنَّ ما فعلته سيجعلكم تزورون بيتنا، لفعلته من زمان.
لمّا عاتبتُه على هذه الفِعلة قال: اشتقتُ إليك يا أم عبدو.. ولم أجد طريقةً لأراك فوراً إلا هذه المزحة!

بعد شهرين كرَّر أبو عبدو فِعلتَه نفسها..
كنت مع صديقاتي في نزهة.. فاتصل وهو يلهث ويقول: أنا متعبٌ يا أمَّ عبدو.. أدركيني.. أكاد أموت..
أجبته ببرود: خيراً إن شاء الله!! سآتي.. لن أتأخر.
أغلقتُ الجوال وأنا أضحك، وعلَّقت صديقاتي بالقول: أبو عبدو لا يستطيع أن يعيش بدون مزاح. وقالت إحداهن، وهي تقلده: اشتقتُ إليك يا أمَّ عبدو، ولم أجد طريقةً لأراكِ فوراً إلا هذه المزحة!
عندما عدت إلى البيت في المساء وجدت أبا عبدو متمدداً في فراشه..
في البداية ضحكتُ وأنا أقول: مو كل مرة بتسلم الجرّة يا أبا عبدو!! كان عليك أن تخترع كِذبةً جديدةً...
لم يعلِّق أبو عبدو بشيءٍ.. نظرتُ إليه.. كان هامداً جامداً لا يتحرك.
اقتربتُ منه.. حرّكتُه.. اكتشفتُ ما جرى، ولكن.. بعد فوات الأوان!
لقد كان أبو عبدو هذه المرة صادقاً..
لم يكن يكذب!
قال الطبيب: أصابته ذبحةٌ قلبيةٌ.. رحمة الله عليه!
وُوري أبو عبدو الثرى بعد أن اغتالته كِذبتُه البيضاء.
أرأيتم إخوتي أن الكذب كذبٌ، وأن الكِذبةَ البيضاءَ والكذبةَ السوداءَ سواء؟!
* * *
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالصدق، فإنَّ الصدق يهدي إلى البِرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقاً. وإياكم والكذب، فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً. (متفق عليه).
