الموت بابٌ كل الناس يدخله
قصتنا اليوم تتحدث عن السيد نديم..
منذ أشهرٍ ورهفُ الصغيرةُ، ابنةُ السيد نديم، تطلب منه أن يأخذها لتزور قبر جدها الذي توفي منذ سنتين، ونديم يعلّلها ويؤجّلها إلى أجلٍ غير معلوم، فهو لا يحب زيارة القبور، وينقبض صدره عندما يرى جنازةً أو يمرّ بجانب مقبرة.
بعد إلحاحٍ وتصميمٍ نجحت رهف في انتزاع موعدٍ من أبيها لزيارة قبر جدها.. وعندما آن أوانُ الموعد لبست أجمل ثيابها، ووقفت تنتظر أباها، وقد حملت معها وروداً قطفتها من حديقة المنزل، لتضعها على قبر جدها.
تأخر نديم في النزول على أمل أن تغيّر رهف رأيها، ولكنها ظلت عند رأيها، ولم تتزحزح: ستزور جدَّها يعني ستزوره!
عندما رأى إصرارها نزل إليها، وركبا السيارة، وتوجّها نحو المقبرة..
كان العرق يكسو جبينه رغم برودة الطقس.
وصلا المقبرة، فنزلت رهف بسرعةٍ، وسحبت أباها من يده، ودخلا بين القبور، والسكون يملأ المكان..
سألت والدها: أين قبرُ جدي يا أبي؟
مطّ نديم شفته السفلى وهو ينظر شمال يمين، فهو لا يعرف أين القبر، لأنه باختصارٍ لم يزر قبر أبيه منذ أن توفي.
بعد بحثٍ ليس باليسير عثر نديم على قبر والده، فهرعت رهف إليه، وقلبها يطرق بشدة.. وقفت أمامه، ووضعت باقة الورد على شاهدته، ودموعها تتدحرج من عينيها.
خرجت من بين شفتيها المرتجفتين كلماتٌ صادقةٌ عفويةٌ تلقائية، خاطبت بها جدّها:
أحبك يا جدي.. اشتقتُ إليك.. أنا أقرأ الفاتحة على روحك كل يوم..
كان نديم يقف كالتمثال وقد تحجّرت عيناه وتجمَّد الدم في عروقه.. فهو يكره الموت، ويكره زيارة القبور، لأنها تذكّره بالموت..
نظرت إليه رهف وسألته بعفويةٍ: لماذا يموت الناس يا أبي؟
تمتم نديم وفأفأ.. ولم يجد جواباً..
أردفت رهف قائلةً: اشتقتُ لجدِّي.. هل سأراه مرة أخرى؟
لم يجب نديم بشيء!
عانقته رهف وهي تبكي وتقول: لا تمت يا أبي.. ابقَ معي.. أنا أحبك كثيراً.
أجابها بصوتٍ متحشرجٍ: لا تخافي يا حبيبتي، أنا مازلتُ في الأربعين من عمري، ولن أموت قبل السبعين.. كجدِّك تماماً.
قالت رهف ببراءةٍ وعفويةٍ: لكنّ جارنا أبا حمدي مات وعمره ثلاثون سنة، ورامي ابن خالة سوزان مات وعمره سنتان، وسوزان رفيقتي في المدرسة...
قاطعها وهو يشدها من يدها بقوةٍ ويقول: تأخرنا يا رهف.. أمكِ تنتظرنا على الغداء.

* * * *
طوال الشهرين اللذين أعقبا تلك الزيارة لم تفارق كلماتُ وأسئلة رهف الصغيرة عقل نديم:
- لماذا يموت الناس؟
- هل سأرى جدي مرة أخرى؟
- لا تمت يا أبي.. ابقَ معي.. أنا أحبك كثيراً!!
لم يفكر نديم قبل ذلك اليوم في تلك الأسئلة وأجوبتها، أو بالأحرى لم يسمح لعقله أن يفكر فيها، فقد كان غارقاً حتى الثمالة في حب الدنيا وجمع المال..
أقنع نفسه ببساطةٍ أنَّ الموت لن يطرق بابه حتى يخطو على أعتاب السبعين أو الثمانين، فلمَ يتعب نفسه بالبحث عن أجوبة الأسئلة التي لم يحن وقت الإجابة عنها بعد، ولن يحين قبل ثلاثين أو أربعين سنة أخرى؟!
ولكن يبدو أن رهف ابنته كانت أذكى منه، فقد نبّهته إلى ما لم ينتبه إليه، أو لما لم يشأ أن ينتبه إليه.
فعلاً أبو حمدي توفي في الثلاثين.. ورامي توفي وعمره سنتان.. وسوزان توفيت في الثالثة عشرة من عمرها!
إذاً فالموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً، ومن نسي الموتَ أو تناساه لا يكون بمنأى عنه، وقد يأتيه في لحظةٍ لا يكون فيها مستعداً للقاء الله!
كم سيكون هذا مخجلاً!!
استنتج نديمٌ كل هذا، ولكنَّ هذا الاستنتاج لم يعنِ له شيئاً، فالحياة الفارهة بمباهجها ومفاتنها كانت أقوى منه ومن استنتاجاته، ولم يكن نديم قادراً على تعديل حياته وسلوكياته لتتناسب مع هذه الحقائق الكونية الكبرى!!
* * *
الموت حقٌ، وهذا الحق داهم نديماً بعد حديثه مع ابنته بفترة قصيرة.. فذات مساءٍ كان يتناول طعام العشاء مع ثلةٍ من أرباب المال في مطعمٍ فاخرٍ، وعندما خرج من المطعم كان يترنّح يمنةً ويسرةً من كثرة ما شرب الخمر..
ركب سيارته الجديدة الجميلة، وقادها وهو شبه غائبٍ عن الوعي، وفجأةً.. وعند إحدى المنعطفات الخطيرة، لم يستطع نديم رؤية الطريق بوضوحٍ، فانزلقت السيارة متدحرجةً في الوادي السحيق..
مات نديم، رحمه الله..
خرجت روحه إلى بارئها مثقلةً بأوزارها الكثيرة: تركُ الصلاة.. عدمُ أداء الزكاة.. أكلُ أموال الناس.. شربُ الخمر.. الحياةُ الماجنة الساهية اللاهية..
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
أثناء الجنازة كانت روح نديم ترفرف فوق جثّته..
نظر نديم إلى جثته الهامدة .. سمع زوجتَه وأولاده ومعارفه وهم يبكون.. صرخ عالياً، استنجد بهم، لكنهم لم يسمعوه، فهو في عالمٍ وهم في عالمٍ آخر.
ألقيَت جثة نديم في القبر الحالكِ السواد، وأُهيلَ التراب عليه، وبدأ الحساب المرير.
هوى سوط من النار على ظهره، فصاح من الألم..
سمع صوتاً يقول له: اليوم تُجزَون عذابَ الهُون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون.
قال بضراعةٍ: أرجوكم... أعيدوني إلى الدنيا.. أقسم أن أتوب... نعم.. سأتوب.. سأبدِّل مسيرتي.. سأكون رجلاً صالحاً... رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت..
جلجل في سمعه صوتٌ يقول: كلا.. إنها كلمةٌ هو قائلها.. ومِن ورائهم برزخٌ إلى يوم يبعثون.
تمنّى نديم لو أنَّ أمه لم تلده.. تمنّى أن تنشقَّ الأرضُ وتبتلعَه.. ولكن.. ما كل ما يتمنى المرء يدركه.
جرّته ملائكة العذاب على وجهه، واتجهت به نحو نارٍ سوداء..
صرخ والرعب يأكل قلبه: أرجوكم.. أتوسل إليكم.. أعيدوني إلى الدنيا لأعمل صالحاً، لا تحرقوني بالنار.
هوت على رأسه مَقمعةٌ من حديد.. أراد أن يعويَ من الألم، لكنه أحس بيدٍ تهزُّه، وسمع صوتاً يقول: نديم.. نديم.. بسم الله الرحمن الرحيم..
فتح عينيه، فإذا هو في سريره، وزوجته تقف قربه وهي تبسمل وتتعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
بعد لحظاتٍ أدرك نديم أنه كان في حلمٍ ثقيلٍ: المطعم الفاخر.. حادث السيارة.. سوط النار.. مَقمعة الحديد.. الآلام والصراخ.. كل ذلك كان في الحلم.. لقد كان كابوساً مرعباً..
تلمّس جسده بيديه المرتعشتين، وقام من سريره وهو يقول: الحمد لله.. مازلتُ على قيد الحياة..
* * *
ترى، هل سيعود نديم إلى ارتكاب الذنوب.. أم أنَّ ذلك سيكون درساً هاماً في حياة نديم، يتعلم منه أن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأنَّ سعيه سوف يُرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى...
* * *
يحكى أنَّ أحد الصالحين كان يمشي في جنازة، فرأى أحد أقرباء المتوفّى يبكي، فسأله:
- ماذا تتمنى لو كنتَ مكان الميت؟
فقال: أتمنى أن أرجع إلى الدنيا فأعمل صالحاً.

قال: فأنت الآن في الدنيا يا بني، فاعمل الآن ما تريد، لأن الموت إذا جاء الناسَ، فإنهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون!
ثم أنشد قائلاً:
|
تتوب من الذنوب إذا مرضتا |
|
وترجع للمعاصي إن برئتا |
|
إذا ما الضرُّ مسَّك أنت باكٍ |
|
وأخبثُ ما تكون إذا قويتا |
|
أما تخشى بأن تأتي المنايا |
|
وأنت على الخطايا قد دأبتا |
|
وتنسى فضلَ ربٍّ جادَ فضلاً |
|
عليك ولا ارعويتَ ولا خشيتا |
|
وكم عاهدتَ ثم نقضتَ عهداً |
|
وأنت لكلٍ معروف نسيتا |
|
فدارك قبل نقلك من ديارك |
|
إلى قبرٍ إليه قد حُمِلتا |