الارشيف / ثقافة و فن

فيللا الأستاذ ظريف - 2 و الأخيرة

فيللا الأستاذ ظريف

 

قصة للناشئة

( 12-15 سنة )

 

 

إهداء

إلى الشَّبيهتين شكلاً و مضموناً، المالكتينِ ذائقةَ السّخريةِ الرّفيعة، اللتينِ قرأتا الرِّوايةَ قبل نشرها، و عملتُ بنصائحهما : مهيبة أكربا، و ديدو جحا

إيمان بقاعي

 

 

 (6)

لا شكَّ أن كلمةَ ( فيللا ) أرضَتْ شعورَ المرأةَ الَّتي لم تكنْ لتقتنعَ بالسُّكنى بعيداً عن جاراتِها المُسَلِّياتِ المُصغِياتِ في هذا " المنفى "، حتى لو كان " جنَّة "، فباعتقادِها أنَّ " الجنّة بلا ناسْ لا تُداسْ "، و لكنَّها نفختْ صدرَهَا و رفعَتْ رأسَها عالياً عالياً و هي تتخيلُ همساتهنَّ و غيرتهنَّ من تلك " النَّقلة النَّوعيَّة "، و سيحسدْنَها لأن ابنَها " الشَّمعة التي تضيءُ مدينة "، " الطَّائرَ علماً " كما كانت تصفُهُ كلَّما زرْنَها لأكثرَ من خمسٍ و عشرينَ سنةً، هو صاحبُ الفكرةِ، و هنَّ يعرفنَ أنها تثقُ بكلِّ أفكارِهِ و مستعدَّةٌ أن تذهبَ معَهُ إلى آخرِ الدّنيا إنْ طلبَ منها ذلك، و هذا المكانُ تقريباً هو آخرُ الدُّنيا، و أسفلُها!

 

(7)

و لِتفخَرْ، و لِتتخيلْ، و لتتصورْ، المهمُّ أن ابنَها و زوجَها شجَّعا تخيُّلَها هذا و زادا حطبَ نارِهِ اشتعالاً، و إلا لكانَتْ عرقَلَتِ المشروعَ، فبقيا في بيتِ " مستشفى المجانين " الَّذي شادَتْهُ و جاراتِها حجَراً فوقَ حجرٍ حتى صارَ صَرْحاً !

و قد نجَحا و بدوا في قمةِ سعادتِهما و هما يرقبانِها تعملُ كنحلةٍ نشيطةٍ، حتى إنّها بدأَتْ تتحولُ من " أُمّ نفشة " إلى " أمّ نفسة " بعدَ أن نفّسَ تضاؤلُ عددِ الجماهيرِ عباراتِها المبهّرَةَ.  

(8)

لم تتوقعْ أُمُّ ظريف، بعد الانتقالِ إلى البيتِ الجديدِ، أن تتحولَ الحديقةُ " الغنَّاءُ " كما كرّسَتْ اسمَها " ساخرةً " منذ اليومِ الأولِ من مُجرَّدِ ترابٍ يحيطُ به سورٌ من الجُدرانِ الإسمنتيَّةِ ارتفاعُها مترٌ واحدٌ فقط إلى...

إلى ماذا ؟

هيَّأَ ظريف، منذُ اليومِ الأوَّلِ، أَدواتِ العملِ - مِن أحذيةٍ و كُفوفٍ مطَّاطيَّةٍ و خُرطومِ مياهٍ و بعض الدِّلاءِ - و راحَ ينكشُ التُّرابَ بسرعةٍ و من دونِ استراحةٍ، بينما كان أبوهُ ينكشُ حيناً و يجلسُ على الدَّرَجِ الفاصلِ بين الفُسْحةِ المُطِلَّةِ على الحديقةِ حيناً آخرَ يتناولُ سندويشاتِ أُمّ ظريف الشَّهيةَ المليئةَ باللَّبنةِ و النَّعنعِ و زيتِ الزَّيتونِ و يدعو ابنَه لتناولِ بعضِها قائِلاً :

-استرحْ قليلاً يا ظريف، و تعالَ تناولِ اللَّبنةَ الشَّهيَّةَ ريثما تنتجُ أرضُنا زيتاً و نعنع...

توقفَ ظريف عن العملِ، و سارع نحو والدِه. تناولَ سندويشةً بسرعةٍ و راح يمضغُها بتلذُّذٍ مُغمضاً عينيهِ و هو يقولُ :

-اعتقدْتُ أنَّك ستقولُ : ريثما تنتجُ أرضُنا اللَّبنةَ....

ضحكَ والد ظريف قائِلاً بعد تفكيرٍ عميقٍ :

-تصورْ يا ظريف أن نزرعَ شتلاتِ لبنةٍ.. هههههههههه

و كانَتْ أُمّ ظريف في مزاجٍ هادئٍ، فعلَّقَت قائلةً و عيناها تضيئانِ ببهجةٍ طفوليَّةٍ :

  • عندما كنْتُ صغيرةً، كنتُ أعتقد أن كُراتِ اللَّبنةِ تُقطَفُ من أغصانِ الشَّجرِ كما تُقطف كُراتُ المشمشِ و الكرزِ....

و ضحكَ ظريف :

- ماذا ؟

و سألَها والده مدَّعِياً الاهتمامَ الشَّديدَ :

- و الجبنة ؟ ماذا عنِ الجبنةِ يا سَكينة ؟

و لكنَّه لم يستطعْ إكمالَ تمثيلِ دورِ المُهتمِّ، فضحكَ بصوتٍ منخفضٍ كعادَتِهِ بحيثُ تخرجُ الضِّحكةُ من بينِ أسنانِهِ المُطبَقَةِ على شكلِ حرفِ سْ سْ سْ سْ متقطِّع، فقطبَت حاجبَيْها قائلةً و هي تأخذُ الصَّينيةَ الفارغةَ إلى الدَّاخلِ بغضبٍ قبلَ أن تسمعَ صدى ضحكةَ ابنِها الَّذي طأطأَ رأسَهُ و زمَّ شفتيهِ و هرَّبَ عينيِهِ من عينيْها :

- من الأفضلِ أن تُتابعا العملَ بدلَ إضاعةِ الوقتِ في الضَّحكِ !

و لما كانَ ظريف و والدُه يستطيعانِ تقديرَ درجةِ غضبِ أُمّ ظريف من صوتِ حذائِها الَّذي يشبهُ - حينَ تحردُ - صوتَ حذاءِ عسكريٍّ راكضٍ إلى الجبهةِ الَّتي اخترقَها العدوُّ للتَّوِّ، كتما ضحكتَيْهما و سارعا لمتابعةِ العملِ، و إلا حرمَتْهُما من أطايبِ الطَّعامِ بين الفَيْنَةِ و الفَيْنَةِ.   

 (9)

و على خلافِ ما كانَ ظريف يتوقعُ، لم ينتهِ قَلبُ التُّربةِ بسرعةٍ، بل أخذَ أسبوعاً من العملِ الَّذي كان يعتقدُ أنه عملٌ مُرهقٌ بالنسبةِ إليه هو الَّذي يعملُ بسرعة، و مُسلٍّ بالنسبةِ إلى أبيه الَّذي يستريحُ أكثرَ بكثيرٍ ممَّا يعملُ.

 و حينَ انتهيا من قلْبِ التُّربةِ، نظرَ ظريف إلى أمِّه الواقفةِ تنقِّلُ نظرَها بين التُّربةِ البنّيَّة و بين السُّور. و قبل أن تعيدَ جملتَها بشأنِ الكلابِ و القِطَطَة الشَّاردة و اللُّصوصِ الذين استبدلَتْ اسمَهُم مذ سمعَتْه من ابنِها مرةً بـ ( قبائلِ الهَونْ )، قال ظريف بسرعةٍ :

- سيكونُ سياجُ حديقتِنا مكوناً من العُلَّيْقِ المُثْمرِ و الشُّجَيْراتِ الشَّائكةِ و الورودِ المُتَعرِّشة، فأنا لا أحبُّ منظرَ الأسلاكِ الشَّائكةِ أو قطعِ الزُّجاجِ.

وافق َالأبُ على الفكرةِ، و إن برمَتِ الأم شفتَها السُّفلى مكتفة ذراعيها :

ـ أرى أن الأسلاك الشَّائكة و قطع الزُّجاج تخيفُ أكثرَ قبائلَ الهَوْنِ و القِطَطَة الشّاردة و...
قاطعها زوجها حانقاً :

  • يا لكِ مِن عنيفةٍ.

فردَّت عليه ساخرةً :

- و يا لكَ مِن حنون !

و اختصرَ ظريف جدالاً كانَ سيطولُ كالعادةِ حين قالَ :
- إلى جانبِ الحمايةِ الَّتي ستوفرها هذه النباتات يا أُمِّي، ستجعلُ من حديقةِ منـزلِنا خلَّابةَ المنظرِ من الدَّاخلِ و الخارجِ، بالإضافة إلى أنها ستصير ملجأً للطُّيورِ و الكائناتِ البَرِّيَّةِ و ظلّاً لها.

و انحنى على أذن أمه مقلداً أصواتَ العصافيرِ :

- وِتْ وِتْ وِتْ وِتْ وِتْ............

أبعدَتْ فمَهُ عن أُذنِها كمَن تبعِدُ ذبابة، ثم رفعَتْ كتفيها مستسلمةً قائلةً :
- طيِّبْ...

 (10)

ـ لا نريدُ آنيةً كريسيتاليَّة و لا سجّاداً عجميّاً و لا ثريَّاتٍ، و لا يفكِّرَنَّ أحدٌ بإهدائِنا مفروشاتٍ فاخرةً لبيتِنا الجديدِ، بل....

قالَ ظريف لأمِّه و أبيه و هم يشربون الشَّايَ جالسين على درجِ الحديقةِ يتأمَّلون جميعاً التُّربة بشغفٍ، و تابعَ بحزمٍ :

- بل أغراسَ أشجارٍ محليَّةً لا مستورَدَةً، و ذلك لأنها قادرةٌ على العيش في تربتِنا أكثرَ من المستورَدَة...

و شربَ بقيةَ شاي كوبِهِ و ابتسمَ شارحاً لأبويه بعد أن قرأ في أعينِهما الدَّهشةَ :

  • هذا ما قلْتُه لزملائي و زميلاتي في مدرستي القديمةِ...

و إذِ اعتبرَ والدُ ظريف طلبَ ابنِه هذا من زملائِه قلَّةَ أدبٍ، و عبَّرَ عن هذا صراحةً و من دونِ مواربةٍ، دافعتِ الأمُّ عن واقعيَّةِ ابنِها الَّتي تصبُّ في تركيزِ العائلةِ على جمالِ الحديقةِ، و لم تنسَ أن تمطَّ لقبَ " الغَنّاء "، هذا عدا عن كونِ مفروشات بيتِهم البسيطةِ العتيقةِ موروثةً مِن أيامِ والدةِ جدَّةِ زوجِها، و هي – بالتّأكيدِ - قد لا تتناسبُ كثيراً مع الكريستالِ و السِّجادِ العجميِّ أو الثُّرياتِ.

و علقَ ظريف ضاحكاً :

ـ على كلِّ حالٍ، لن يفكروا بإحضارِ هدايا غاليةٍ، فقد كنت أمازحُهم...

و انفرجَت أساريرُ الأبِ و الأمِّ، و تابعا شَربَ الشَّايِ بمتعةٍ و سعادةٍ و حيويةٍ أيضاً.

 

(11)

- غرسُ شجرةِ تفاحٍ، و غرسُ شجرةِ كرزٍ، و غرسُ شجرةِ تين، و غرسُ شجرةِ درَّاق... و تين... واو ! سنأكلُ فاكهةً طازجةً و نصنعُ الباقي مربى...

قال ظريف هذا بعد أن تلقَّى هدايا زملائِهِ  الَّذين لم يكتفوا بإحضارِ الأغراسِ ملفوفةَ الجذورِ بالخيْشِ الرَّطبِ، بل حفرَ كلُّ واحِدٍ حفرةً لغرستِهِ بعمقِ نصفِ مترٍ، و وضعَ فيها السَّمادَ، و رواها، ثمَّ وضعَها و طمَرَها، و أقامَ حاجزاً من التُّرابِ حولَها ليكونَ بمثابةِ سدٍّ يمنعُ تسرُّبَ الماءِ عند سقايتِها، و شربوا الشَّايَ جالسينَ على الدَّرجِ يتأملُونها.

(12)

 

بعدَ أن غادروا، التفتَ إلى أبيهِ قائِلاً :

- قد نفتحُ دكاناً نبيعُ فيه مربى الفاكهة الَّذي سوفَ تصنعُه أمي و نجني ثروةً طائلةً...

نظرَت أمُّه إليه مستنكرةً و هي تتخيلُ بحنقٍ نفسَها في المطبخِ بين طناجر المربى الَّتي تبقبِقُ و ترمي السَّائلَ اللَّزجَ منها أرضاً، و قالت :

  • يا سلام ! أهذا هو ما وعدْتني به من عيشِ حياةٍ هانئةٍ يا ظريف يا ابني الحنون ؟

أجابَ بصوتٍ مهيبٍ و هو يربتُ كتفَها :

  • أنا و أبي سنحرِّكُ المربّى حتى يذوبَ السّكَّرُ... أنتِ فقط تضعينَهُ في الآنيةِ...

برمتْ شفتيها و رفعَتْ كتفيها رافضَةً، فقالَ زوجُها :

  • أنا و ظريف نضعُ المربّى في الآنيةِ يا سَكِينة...

و قالَ ظريف :

  • و نغسلُ الطّناجرَ...

اعترضَ والدُهُ :

  • نحن ؟

قالَتْ :

  • أنتم.. نعم أنتم...

و اعترضَ زوجُها ثانيةً :

  • و ما هو دورُكِ في المربّى إذن ؟ قبضُ ثمنِهِ ؟

قالت :

  • لا تفكرانِ إلا بالنِّقودِ...

قالَ ظريف :

  • نعم... دماغي و دماغُ أبي مبنيّانِ على الاقتصادِ، على الأرقامِ، و لولا هذه النّعمة، لما كنتِ تسرحينَ و تمرحينَ في ( الفيللا ) و تأكلينَ من خيراتِ بساتينِها و تجنينَ الأرباحَ من بيعِ المحاصيلِ.

و لم تعترضِ المرأةُ، فقد أقنَعَها ابنُها بطريقتِهِ، و أخفى و أباهُ ضحكتينِ كانتا ستهزّانِ الوادي و الجبلَ و هما يتفقدانِ جيوبهما الفارغةَ حتى من ثمنِ ربطةِ خبزٍ.

(13)

 بعدَ أيّامٍ، وصلَتْ صديقتُهُ سندريللا - معلمةُ الصفِّ الأولِ الابتدائيِّ الشَّقراءُ الطَّويلةُ القامةِ الخجولةُ إلى درجةِ السَّذاجةِ - و كانَت تحملُ غرسَ شجرةِ موز و تدخلُ إلى الحديقةِ تلهثُ، لاعنةً، بينَها و بينَ نفسِها، الطَّريقَ النَّازلَ إلى البيتِ مثل " الزّحليطة ". سارعَ ظريف نحوها حاملاً الغرسةَ منادياً بأعلى صوتِه :

  • غرسُ شجرةِ موز.... يا سلام...

و فكرَ بسرعةٍ :

  • لو أحضرتِ معها عدةَ قرودٍ يا سندريللا.. على الأقلِّ كنتُ أدربُها على الرَّقصِ، و أجني مبالغَ طائلةً لقاءَ سَوْقِها للفرجةِ في المُدِنِ...

صرخ والدُ ظريف مستنكراً :

- في المُدنِ ؟

و استدركَ الابنُ :

- طيِّب في القريةِ هنا...

- في القريةِ ؟ يا عيني ! و كيفَ أعرِّفُ أنا بنفسي هنا في هذه القريةِ الغريبةِ ؟ هه ؟ والدُ مُرقِّصِ النّسانيس ؟

وضعَ ظريف سبابته على خدِّهِ مستنكِراً :

  • نسانيس ؟ أنا قلْتُ نسانيس ؟
  •  نعم قلتَ...

و تدخلَتِ الأمُّ :

  •  لم يقلْ نسانيس، بل قرود...

ثم أَشارَ ظريف بسبَّابته إلى سندريللا متَّهِماً :

- كلُّ الحقِّ على سندريللا.. هي الَّتي جلبَتْ غرسةَ الموز، فأوصلَتْنا إلى أزمةِ هويةٍ.

و كادَت سندريللا تحملُ غرستَها و تغادرُ حريدةً لو لم يضحكْ ظريف قائِلاً :

- إنَّني أمازحُكِ..

لكنَّها ظلَّتْ بارمةً شفتَها السُّفلى إلى أن غمزَتْهُ أمُّه أن يراضيَها، فأخذَ بيدِها ليريَها البيتَ، فنهضتْ برشاقةِ عصفورٍ، و شهقَتْ عندَ كلِّ غرفةٍ إعجاباً، و عند المطبخِ، و الحمّامِ، و الحديقةِ، و الوادي، و الجبلِ، و " أبو دمعة "، فكانَ كلُّ شيءٍ بالنِّسبةِ إليها جميلاً، بل رائعاً، ممّا أدهشَهُ، فأرادَ أنْ يختبرَ الآنَ تعريفَ مُصطلحِ " النَّصيبِ " الذي يعتقدُ أنَّهُ حالةٌ من عمى القلبِ تحوِّلُ الكوخَ إلى قصرٍ، و الفقيرَ إلى ثريٍّ، و أستاذَ الابتدائي إلى بروفيسور، و " أبو دمعة " إلى " نهر النّيل "، و طريقَ " الزّحليطة " إلى دربِ السَّعادةِ، و " أبو الشُّوشْ " الذي غالباً ما يرفضُ الغرباءَ، إلى قطٍّ أليفٍ اختارَ حضنَ الضَّيفةِ الشَّقراءِ مجلساً، ما يعني أنَّ كل الأبوابِ مفتوحةٌ على مصراعيْها أمامَ القفصِ ذهبيّاً كانَ أو من التَّنَكِ.  

و لم يؤجِّلِ البثَّ في الموضوعِ، فسألَها مداعباً أمامَ والدَيْهِ اللَّذين لاحظا أنَّهُ يرددُ اسمَها أكثر من كلِّ زميلاتِهِ طوالَ ثلاثِ سنواتٍ :

  • صحيحٌ ما سمعتُه من أنَّ فردةَ حذاءِ أمِّكِ كانتْ تسقطُ من قدمِها كلما صعدَتْ درَجاً وقتَ كانتْ حاملاً بكِ فنذرَتْ أن تسمِّيَك سندريللا ؟

و دهشَتِ الفتاةُ لهذا الخبرِ الذي تسمعُه لأولِ مرّةٍ، و خجلَتْ، و تلعثمَتْ، و بلعَتْ ريقَها، و رمشَتْ عينيها، فسارعَ إلى سؤالِها سؤالاً آخرَ :

  • آه ! فهمتُ... لا.. لم تكن.

و ادَّعى أنَّهُ يفكِّرُ بالجوابِ الحقيقيِّ لهذه المشكلةِ الشّائكة، فقال بعدَ إغماضةٍ عينيهِ :

- كانَت إذن تتمنى أن تحظي بأميرٍ عريساً ؟

و قبل أن تجيبَ، و كانَ يعرفُ أنّها لن تجيبَ، قال نافخاً  :

- على فكرة... جدُّ جدِّ جدِّ أبي كانَ أميراً...

و بدلَ أن تضحكَ سندريللا لفكاهتِه تلك، احمرَّ خدَّاها و أطرَقتْ تطقطِقُ أصابِعَها النَّحيلةَ، فانتبَهَ والدا ظريف و تبادلا نظراتٍ خبيثةً ضاحِكةً قبلَ أن تقطِّبَ الأمُّ فيفهمَ زوجُها أنها تتمنى لابنِها عروساً أفضلَ، لأَنَّهُ باعتقادِها " أعظمُ أستاذٍ في العالمِ "، و لأنَّه " طائرٌ علماً "، و لأَنَّهُ مَلَّاك، فعندَهُ ( فيللا ) بحجمِ الكونِ. بيدَ أنَّ زوجَها كانَ واثقاً أنَّ ابنَهُ سوفَ يتجاوزُ كلَّ العراقيلِ التي ستفتعلُها أُمُّهُ، خاصَّةً و هو يرى  وجهَ ابنِهِ و قد أشرقَ كمَن أضاءتْهُ شمسٌ.

و في لحظةٍ واحدةٍ، و قد احتَّلَّتْ فكرةُ الحبِّ رأسَ ظريف، رأى سندريللا أحلى مِن قطعةِ بقلاوةٍ، و بدأَ قلبُه يدقّ :

- طَقْ طَقْ طَقْ..

و قد سمعَه الجميعُ بما فيهم سندريللا نفسُها الَّتي راحَ قلبُها أيضاً يدقُّ :

- طَقْ طَقْ طَقْ..

فماءَ " أبو الشُّوشْ " بدلالٍ لأصابعِ الضَّيفةِ التي تداعبُ شعرَهُ في حضنِها، و رقصَ ( كانوش ) حولَها احتفاءً.

 

(14)

لم تستطعْ والدةُ ظريف الاكتفاءَ بدورٍ بسيطٍ يقتصرُ على تحضيرِ الشَّطائرِ لابنِها و زوجِها، إذ إنَّ منظرَ الشُّجيراتِ قد شجعَها على " المشاركة الفعَّالة " حسبَ ما تسميها هي، و " المشاركة المُحتَلَّة " حسب ما يسمّيها ابنُها و زوجُها.

فقد وقفَت على درجِ الحديقةِ منتعلةً حذاءَها المطاطيَّ الأحمرَ اللمّاعَ، و محركةً سبَّابتها من أقصى يمينِ الحديقةِ إلى أقصى يسارِها، و مِن أقصى شمالِها إلى أقصى جنوبِها معلنةً أنها تحملُ في كيسِها الورقيِّ بِذارَ الخُزامى و الوردَ و البابونجَ و الخُبَّازى و الصَّعترَ و المردقوشَ و القصعينَ، و أنها لن تكتفي بزرعِها، بل ستزرع الكثيرَ من الأثلامِ ببذورِ الفاصولياءِ و القرنبيطِ و الملفوفِ و البندورةِ و الجزرِ و البِطِّيخِ أيضاً، تماماً كما كان يفعل جدودُها، فهي الطَّريقة الوحيدةُ الَّتي تضمنُ لعائلتِها خضاراً تغذَّت بأسمدةٍ عضويةٍ مصنوعةٍ من بقايا السَّمكِ و مخلَّفاتِ الطَّعامِ و عشب البحرِ و رمادِ الخشبِ و فضلات النَّباتِ بدل الأسمدةِ الصِّناعيَّةِ الكيميائيَّةِ القاتلةِ.

و لم تكن والدةُ ظريف قد سمعَتْ بالسَّمادِ الأخضرِ الَّذي يبدو أن زوجَها أتى ذاتَ صباحٍ يحملُ كيساً ورقيّاً يحمل بذورَه قائِلاً :

- السَّمادُ الأخضرُ هو عبارةٌ عن نباتاتٍ سريعةِ النّموِّ تُزرعُ خصيصاً لتغذيةِ التُّربةِ، و تنتج كميَّاتٍ كبيرةً من الأوراقِ الَّتي تخنُقُ الطَّحالبَ و الأعشابَ الضَّارَّة.

هزَّتْ والدةُ ظريف رأسَها ثلاث مراتٍ و علَّقَتْ قائلةً :

  • أوه... لقد نسيتُ كيسَ بذار السّمادِ الأخضرِ عند البائعِ قبل يومين... شكراً لأنَّك أحضرتَهُ...

كتم ظريف ضحكَةً و هو يرقبُ عيني والده اللَّتين فتحَهما بدهشةٍ مستغرباً قولَها هذا، و خاصة و أنه متأكدٌ أنها لم تسمعْ من قبل باسم السَّمادِ الأخضرِ، و لكن غمزةً من عينِ ابنهِ اليمنى فكَّتْ دهشتَهُ فقال لها :

- نعم... و قد أخبرَني أنك دفعْتِ ثمنَهُ أيضاً.

فهزَّ ظريف رأسه و رفعَ إبهامه إعجاباً بأبيه، و خاصة حين انتقلَت الدهشةُ من عيني زوجِها إلى عينيْها و هي تعرفُ كلَّ المعرفة أنها لم تشترِ بذور السَّمادِ الأخضرِ و لم تدفعْ ثمنَه و لم تكن قد سمعَتْ به أصلاً.

(15)

بين الإبقاءِ على أثلامِ والدةِ ظريف و الَّتي أكدَّت أنها ستطعمُ العائلةَ و الجيرانَ القدامى و الأقاربَ أيضاً، و بين فكرةِ بناءِ بركةٍ تغطسٌ فيها الحيواناتُ المائيَّةُ و تملأها النَّباتاتُ المائيةُ الكفيلةُ بتأمينِ الأكسجين لهذه الحيواناتِ و منعِ الطَّحالبِ من التَّجمعِ على سطحِ الماء في الوقت نفسِه، كاد ينشبُ صراعٌ استطاعَ ظريف أن يحلَّهُ بسرعةٍ كالعادةِ، مُقنعاً والدَهُ بأن الأثلامَ الَّتي زرعَتْ أمُّه البذور َفيها لم تبقِ مكاناً لإقامةِ بركةِ ماءٍ. و لما حزنَ والد ظريف، ربتَ ابنُه كتفَه واعداً إياهُ أن يبنيا بركةً بعد جنيِ المحصولِ، فتكون المِساحةُ موزعةً بين الأثلامِ و البركةِ، خاصةً و أن عصافيرَ الحديقةِ تحتاجُ إلى شربِ الماء الَّذي سارعَ ظريف إلى توزيع آنيةٍ صغيرةٍ مليئةٍ منه هنا و هناك و هنالك.

(16)

لفتَتْ آنيةُ الماءِ نظرَ والدةِ ظريف، و أحسَّت ببعض الذَّنبِ لكونها احتلَّتِ المِساحةَ كلَّها من دونِ أن تتركَ لزوجِها و ابنِها مكاناً لبناءِ البركةِ الَّتي يحلمان بها؛ لذا فقد استغلَّت فرصةَ غيابهما و وزعَت آنيةً من البرغلِ و الرزِّ و برشِ جوزِ الهندِ للعصافيرِ قريباً من آنية الماءِ. و لكن شهقةَ زوجِها المستنكرةَ أخافتْها و هو يلمُّ آنيتَها و يخفيها قائِلاً :

- أَلا تعرفينَ أن الحبوبَ قد تقتلُ العصافيرَ إذا انتفخَت في معدتها بعد تعرضِها للرُّطوبة ؟

- لا... لا أعرف !

و لأول مرةٍ تقولُ والدةُ ظريف الَّتي تعتقدُ نفسها أعرفَ امرأةٍ في الكونِ كلمةَ: لا أعرفُ؛ لذا سارع ظريف إليها يقولُ :

- و لا تعرفينَ أن الحبوب القديمةَ تقتل العصافيرَ أيضاً ؟

اعتبرت السَّيدةُ أنها مُهاجَمَةٌ من " أفراد العصابةِ "، فقالتْ :

- بلى أعرف، و لكنّ حبوبي طازجةٌ...

قال زوجها :

- طازجةٌ أو عتيقةٌ يا سكينة... طازجةٌ أو عتيقةٌ...

و اعترضت بشدة :

  • كانت جدتي تطعمُ العصافير خبزاً مبلَّلاً بالماء...

سألها ظريف :

  • متى ؟

قالت بسرعة :

  • شتاءً !

جلسَ ظريف على إحدى الدَّرجاتِ و تنفسَ الصّعداء، و جلس والدُه بجانبِه، و قالا معاً :

  • " هلكتينا " !

و علقَ ظريف قائلاً :

  • الآن فهمْتُ لماذا يطلبونَ شهادةَ رجلينِ مقابلَ شهادةِ امرأةٍ واحدةٍ، لأنها قادرةٌ على دحرِهما معاً و....

و وضع أبوهُ راحةَ كفِّه على فمه :

  • اسكتْ.... فضحتَنا... معلوماتُك كلُّها خاطئةٌ...

دهش ظريف :

  •  خاطئة ؟ لماذا ؟

ابتسمَ والدُه ابتسامةً خافتةً و قال :

  • أغلقِ الموضوعَ طالما أنها لم تسمعْ تعليقَك العبقريَّ...

و أغلقَ ظريف الموضوعَ، و نظرَ إلى أمِّه الَّتي كتفَت يديْها :

  • إذن ؟ 

و وقفَ ظريف :

-إذن ماذا ؟ تريدينَ افتعالَ المشاكلِ ؟

لكن زوجَها هدّأَه و توجَّه إليها بالحديثِ :

  • إذن، دعي العصافيرَ و فراخَها تأكل الدِّيدانَ و ثمارَ العُلَّيْقِ ربيعاً، و اتركي الحبوبَ و التُّفاحَ و الشُّوفانَ و الخبزَ المبلولَ للشِّتاء.

ابتسمت ابتسامةً واسعةً، و سألَت زوجَها :

  • يعني لا داعي لإحضارِ فزّاعة ؟
  • فزَّاعة ؟

صرخا معاً صرختين مدويتين عرفَت من خلالِهما أن فكرتَها غير مرَّحَّبٍ بها، و سارعَتْ حافيةً كلصٍّ إلى الفناءِ الخلفيِّ الَّذي أوقفَتِ  الفزاعةَ الَّتي جمعَت جسمَها من بقايا أنابيبَ حديديةٍ مرميةٍ و ألبسَتْها من ثيابِ ابنِها و زوجِها و أسندَتْها إلى الجدارِ، فأضجعَتْها واضعةً ذراعيها وراءَ ظهرِها لئلا يعتقدا أنها صنعَتْها بهدفِ إخافةِ الطُّيورِ، على أن تخفي آثارَها - إذا أصرّا على الاعتراضِ على وجودِها و لو نائمةً - فوقَ " السّقيفة ".

 

و ضحكَت ضحكة خافتةً معجبةً بذكائِها الحادِّ.

 

(17)

و لم يكتفِ رجلا البيتِ بمحو فكرةِ الفزاعة من رأسِ سيدةِ المنزلِ، بل راحا يبنيانِ معاً صناديقَ خشبية يوزعانها على أعالي أطرافِ الحديقةِ للخفافيش.

و لم تجرؤْ أمُّ ظريف على الاعتراضِ، بل كانَت تساعدُهما في عملِهما هذا و تتمتمُ :

  • كم سنكونُ سعداءَ بوجودِ الخفافيشِ بمناظرِها الخلَّابةِ الَّتي تتأرجحُ فيها و رأسُها إلى تحتٌ، و الَّتي تبثُّ السَّعادةَ و الفرحَ و الحبورَ...

و تجاهلَ زوجُها سخريتَها، و لم يردّ، لكن ابنَها لم يستطعِ السُّكوتَ، فقال :

  • أمي... معكِ عشرُ ثوانٍ فقط لاستبدالِ الخفافيشِ بمخلوقٍ جميلٍ يقومُ بعملِها و يلتهمُ آلافَ الحشراتِ المؤذيةِ في ليلة واحدةٍ... هيا...

و حاولَتِ الأمُّ أن تشغلَ رأسَها بسرعةٍ فائقةٍ و تجدَ مخلوقاً يقومُ بالعملِ ذاتِهِ فلم تجدْ إلا القنافذ... و شعرَتْ بالمغصِ وقتَ همسَتْ رافضةً وجودَها :

_ القنافذُ أبشعُ من الخفافيش...

و برقَت عينا ظريف و قام ليقبلَ جبينَ اُمِّهِ :

  • كيف غابَتِ القنافذُ عن ذهني ؟

لكنَّ أُمَّهُ ضربَتْ رأسَها :

  • آه ! يجب أن أتعلم التفكيرَ بصمتٍ...

و ضحكَ ظريف :

  • الجمالُ أمرٌ نسبيٌّ... و الغزالُ لا يستطيعُ القيامَ بمهمةِ الخفافيش و القنافذِ..

و للحظةٍ، أشرقت عيناها و هي تتخيلُ غزالاً في الحديقةِ تشرب كل صباح قهوتَها و هي تتأملُه، لكنها تراجعَت عن الفكرةِ :

  • غزال ؟ يا حسرتي... أين يسرحُ الغزالُ في هذه الحديقة الصغيرةِ ؟

و لما اكتشفَتْ اللَّوم في عيونِهِما، أتبعَت الصِّفةَ الَّتي تسعدُهما بالحديقة :

- الغَنَّاء !

 (18)

لم تكن الخفافيشُ وحدَها الَّتي أثارَ وجودُها الدائمُ و سكناها قرفَ السَّيدة سكينة، بل رَحَّبَ ظريف و أبوه بالقنافذِ ذواتِ الإبَرِ الشَّائِكَةِ في الحديقةِ، تروحُ و تجيءُ و تجيءُ و تروحُ بثقة المدلَّلين بحجة أنها تكملُ عملَ الخفافيشِ في القضاءِ على الحشرات.

لكنَّ المرأةَ نسيتْ معاناتها مع أشكالها و هي تتأملُ دخولَ بعضِ النَّحلِ في الثُّقوبِ الأرضيةِ حيناً و في كَوْمِ السَّمادِ العضويِّ حيناً آخر، و منَّتْ نفسَها بالحصولِ على العسلِ، خاصة و أن النَّحلَ لا يهدأُ. و قد كبّرَ ابنُها و زوجُها حلمَها " العسَليَّ " ليضمَنا تقديمَها وجبةَ الخبز باللَّبنِ للقنافذ الَّتي قضَت صديقاتُها الخفافيشُ على معظمِ وجباتِها من الحشرات، فبدَتْ جائعةً، باحثةً حثيثاً عن طعام.  

 

(19)

أدركَ كلٌّ من ظريف و والدِهِ مقدارَ صوابِ انتقالِ العائلةِ إلى ( الفيللا )، و أدركَا  أنَّ كلَّ السّنين التي مضَتْ في بيت " مستشفى المجانين " بين : " استقبِلْ و ودِّعْ "، ضاعَتْ عبثاً، بينما مرَّتْ شهور قليلةٌ شعرَا خلالَها بمعنى أن يكونَ لحياتِكَ معنًى.

لم يكونا على ثقةٍ بأن " البستَنَةَ " ستكونُ للأمِّ بديلاً عن ثرثرات الجاراتِ و تفاهاتهنَّ، فكانَت.

و لم يصدِّقا أنَّ أوقاتِ الفراغِ التي كانَتِ تقضيها في صنعِ القهوةِ و الشّايِ و الأركيلةِ و تلقي فيها محاضراتِها النَّظّرِيَّةَ التي تدورُ موضوعاتُها حولَ عظَمتِها و عظمةِ أفرادِ عائلتِها تحولَتْ عمليّاً - بمساعدَتِهما طبعاً - إلى جمعِ الخضارِ و الفاكهةِ أو تجفيفِها أو طهوِها.

و كي يملأَ الرَّجلانِ وقتَ فراغِها المتبقي، سارعَ زوجُها إلى إهدائِها آلةَ خياطةٍ حديثةً تقومُ بالتَّطريزِ أيضاً، و أَهداها معها مقصّاً " أصليّاً " من النَّوع الَّذي تحبُّه، و علبةَ خيطانٍ فيها كلُّ ألوانِ خيطانِ الخياطةِ و التَّطريزِ، بينما قدَّم لها ظريف مجلاتِ تطريزٍ حديثةً و ألوانَ زجاجٍ و بورسلان، و كذلك ألوانَ الرَّسمِ على الحصى و الخشبِ أيضاً.

كلُّ هذا أيقظَ في نفسِها الفنَّانَةَ التي كانَتها قبل زواجِها، و التي كادتْ تقضي عليها - لولا شَرْكِ الفرارِ - جاراتُ بيتِ " مستشفى المجانين "، فراحَتْ تخيط للأثاثِ الممزقِ أغطيةً جديدةً مُعرَّقةً بالورودِ، و للشَّبابيكِ ستائرُ تستخدمُ فيها القماشَ المورَّدَ ذاتَه، لكنَّها كانت تضيفُ إلى الورودِ خرزاً ملوَّناً يلمعُ كلما عانقَتْه أشعةُ الشمسِ أو قبَّلَهُ نورُ الكهرباءِ. كما راحَتْ تلوِّنُ زجاجَ الشَّبابيكِ و الأبوابِ على شكلِ منمماتٍ هندسيَّةٍ بارعةٍ كانَ أحدُهما ينكزُ الآخرَ - بدايةً - ليذكِّرَهُ بوجوبِ إطلاقِ آهةِ إعجابٍ مُجامِلَةٍ لتأمينِ جمهورٍ بديلٍ، ثم ما لبثَتْ أن تحولَتِ المجاملةُ إلى آهاتٍ حقيقيةٍ وقتَ تلونَتِ الصُّحونُ و الكُؤوسُ و الحصى و حتى خشبُ بابِ البيتِ و بابِ الحديقةِ الأحمرِ، فصارَ البيتُ أشبَهَ بمُتحفٍ فنّيٍّ، و صارتْ كلُّ آهةٍ من أحدِهما قادرةً على جعلِها تسهرُ اللَّيالي و هي تعملُ و تُغني.

 

(20)

مُتحفٌ !

عندما سمعَتْ لثلاثِ مراتٍ وصفَهما البيتَ بمُتحفٍ، كادَتْ تطيرُ فرحاً، و عرِفَتْ أن مواهبَها كانَتْ لسنواتٍ مُشتَّتَةً، و أنَّ إرادةً إلهيَّةً خارقةً لا علاقةَ لها بالبشَرِ، هي الَّتي رمَتْ بها إلى هذه الحفرةِ النَّائيَةِ لتعيدَ لمَّ شتاتِ فنِّها العظيمِ.

و كادَتْ تطالبُ ابنَها أن يحفرَ على لوحةٍ نحاسيَّةٍ بحجم لوحةِ ( الفيللا ) : ( متحف السَّيدة سَكِينة ) لتضعَها على خشبةٍ بجانبِ لوحة ( الفيللا )، و لكنها فكرتْ بخبثٍ أنَّ زوجَها سيغارُ، و سيطالبُ بلوحةٍ يحفر عليها اسمَهُ مسبوقاً بلقب الفنَّان الكبير....، لمجرَّدِ أن كانَ " نجّارَ موبيليا "، و ما أكثرَ النَّجارين - حسبَ رأيِها - و ما أبعدَهم عن الفنِّ؛ لذا أجَّلَتِ الموضوعَ إلى وقتٍ لاحقٍ، فوجودُ ثلاثة أسماءٍ يقللُ مِن أهميةِ اسمِها. 

     

 

(21)

مَن كان يتصورُ أن أفرادَ العائلةِ، بعد اقترابِ انقضاءِ أشهرِ الصَّيفِ الثَّلاثةِ المفعمَةِ بالنَّشاطِ، كانوا ينتظرونَ بفارغ الصَّبرِ و لو شخصاً واحداً من " الملايين " يقصدُ ( فيللا الأستاذ ظريف ) ليُجلِسوهُ على أحدِ الكراسي الحجريَّةِ الَّتي ثبَّتوها مع طاولةٍ حجريةٍ مستديرةٍ في ركنٍ من أركانِ الحديقةِ، ليقدِّموا له واجبَ الضِّيافةِ، حتى لو كانَ - أحدَ الجيرانِ القدامى الَّذين فرَّ الأبُ و الابنُ من ضجيجِهم و جنونِهم و أقسما سرّاً ألا يستقبلاهم في ( الفيللا ) قبل مرورِ سنواتِ نقاهةٍ، في محاولةٍ ماكرةٍ يقيِّمانِ فيها تشتُّتَ الاجتماعاتِ، بينما كانَتْ أمّ ظريف تتمنى استقبالَ و لو واحدةٍ من الجاراتِ القادراتِ على نقلِ صورةٍ عن سيدةِ " الفيللا " الفنّانة الَّتي - و إن لم تعدْ تمشطُ في المناسباتِ شعرَها عند الحلّاق، أو تضعْ طلاءَ الأظافرِ الأحمرِ اللمّاعِ بسببِ عملِها الدَّائبِ في الترابِ و القماشِ و الألوان- لكنَّها تبدو في قمةِ حيويتِها و قد توردَ وجهُها الَّذي لطالما كانَ بنيّاً مائلاً إلى الرَّماديّ، فصارَتْ أشبهَ ببرميلِ طاقةٍ.

إلى أن جاءَ ذلك اليومُ من شهرِ " آب اللّهّاب "، و الَّذي سمعوا فيه صوتَ أقدامٍ تقتربُ منَ البيتِ، ترافقَ بعواءِ ( كانوش ) و مواءِ " أبو الشُّوشْ " المتمدّدان على طاولةِ الحديقةِ الحجريّةِ، فأطلَّتْ رؤوسُهم بفضولٍ من شبَّاكِ المطبخِ، فإذا برجلٍ عجوزٍ أشيبَ ضخمٍ، يعتمرُ قبعةً قذرةً من الجينزِ القديمِ تغطِّي رأسَهُ الكبيرَ، و يلبسُ ثياباً واسعةً يمتزجُ فيها اللَّونُ البنفسجيُّ بالبُنِّيِّ، و مشّايةً بلاستيكيةً زرقاءَ عتيقةً تخرجُ من مقدمتِها أصابعُهُ الثَّخينةُ بأظافرِها الطَّويلةِ البنّيّةِ المعقوفةِ، يتجِهُ إلى بيتِهم مُستنداً إلى عكَّازين خشبيّتينِ واضحٌ أنَّه اقتطعَهُما من شجرةٍ قديمةٍ ما، و يجرُّ وراءَهما قدمَيْه الرَّخوتينِ.

قالَ ظريف ضاحكاً :

  • أرأيتِ يا أمِّي حالَ اللِّصِّ حينَ يصلُ إلى ( الفيللا ) ؟

أسكتَتْه بحزمٍ :

  • اصمتْ ! حاولْ ألا تمزحَ في كلِّ الأوقاتِ !

و صمتَ ظريف، و راقبَ الثَّلاثةُ وصولَ الرَّجلِ الغريبِ إلى بوابةِ الحديقةِ المقفلةِ، إذ تسمَّرَتْ قدماهُ و راحَ يفتشُ عن نظَّارةِ القراءةِ في جيبِ قميصِهِ، فلم يجدْها، فنادى بصوتٍ عالٍ :

_ تبّاً للنَّظارات... نسيتُها في البيتِ !

و لأنَّه أولُ شخصٍ يرى اللَّوحةَ مذ ثبِّتَتْ مكانَها، قفزَ ظريف بفرحٍ مرحِّباً بالرَّجلِ، مُقدِّماً له خدمةَ القراءةِ مجّاناً، آخذاً دورَ النَّظاراتِ، قائلاً بفخرٍ :

  • فيللا الأُستاذ ظريف...

نظرَ الرَّجلُ إليه متفحِّصاً بقرفٍ :

  • أنت أستاذُ مدرسة ؟

أجابَ ظريف نافخاً صدرَه أكثرَ فأكثرَ، مثلَ أُمِّهِ حينَ تُسأَلُ عن وظيفةِ ابنِها :

  • أستاذُ ابتدائي.

لكنَّهُ لم يقل مثلَها : " بحجمِ الكَوْنِ ".

قال الرَّجلُ :

  • أنا لا أعرفُ القراءةَ و لا الكتابةَ..

و تابع و هو يخرجُ سيكارةً و يشعلُها :

  • لا أحبُّ أن أكونَ متعلِّماً، فكلُّ المتعلمينَ - بما فيهم ابني المشهور، طبيبُ البلادِ الحارَّة، مجانين....

و لم يسألْه ظريف عن حاجتِهِ إذن إلى النَّظاراتِ، و في الحقيقةِ، لم يتركِ الرَّجلُ له مجالاً ليسألَه عن أيِّ شيءٍ، فقد أتبعَ جملتَهُ الأخيرةَ بجملةٍ أُخرى فيها خلاصةُ فلسفتِهِ في الحياةِ :

  • العلمُ كالقِطَطَةِ أو كالكلابِ، يأكلُ أسماكَ الدِّماغِ، و يستحقُّ أن يُقتَلَ حتى لو كانَ ثمنُ قتلِهِ سَجنُ شهور...

و نفخَ دخانَ سيكارتِهِ في وجهِ ظريف الَّذي كشّرَ غيرَ راضٍ عن الحديثِ جملةً و تفصيلاً، و أكدَ الرَّجلُ :

  • المسألةُ مسألةُ مبدإٍ... نشأَ و كبرَ مذْ تقاسمَتْ إحدى القِطَطَةِ أسماكَ الحوضِ الَّذي أهدتني إيّاها أمي وقتَ كنتُ طفلاً.

 

لم يصدِّقْ ظريف و هو يتأملُ هذا المخلوقَ العجائبيَّ أنَّهُ كانَ يوماً طفلاً صغيراً، و أنّه كانَ عندَهُ أُمٌّ أيضاً.

و عادَ ليستمعَ إليه :

  • أقسمتُ - طالما أنا حيٌّ - أن تظلَّ عظامُ السَّمكِ مرميَّةً على الطَّريقِ، فلا تجدَ قطةً أو كلباً يأكلَها.

كانَ ظريف مشدوهاً، فاتحاً فمَهُ، يحاولُ أن يستوعِبَ، و تابعَ العجوزُ بحماسٍ :

- تعتقدُ أن الحيَّةَ أو النِّمرَ أو الذِّئبَ أو الثَّعلبَ أحقرُ من القِطَطَة و الكلابِ ؟ أبداً، لذا قررْتُ أن أصطادَهُم...

هنا سألَه ظريف :

  • طيِّبْ اصطدْ لحماً يؤكل !

و استنكرَ الرَّجلُ :

  • أنا لا أصطادُ لغايةٍ مادِّية، بل لغايةٍ إنسانيَّة متعلقةٍ بالأسماكِ... و لأنكَ أستاذُ مدرسةٍ و تريد أن يكون التَّعبيرُ واضحاً : لغايةٍ سَمَكيَّةٍ...

رفعَ ظريف حاجبيه، فعلا صوتُ الرَّجلِ متحدِّياً :

  • حاكمْني على أقوالي ! ألستَ أستاذاً ؟ و الأساتذةُ حماةُ الأخلاقِ ؟

و قبلَ أن يجيبَ، نظرَ الرَّجلُ إلى السَّماءِ نظرةً طويلةً، ثم سألَهُ فجأةً :

  • لن تتلوَ عليَّ محظوراتكِ التي تلقيها على الأطفالِ ؟

تنهدَ ظريف و هو يتمتم :

  • مجنون رسمي...

(22)

لم يستطعِ الزَّوجانِ سماعَ الحوارِ، إلى أن ألصقَ كلُّ واحدٍ منهما أُذُناً على زجاجِ الشبَّاكِ و حبَسا أنفاسَهما، فتناهى إلى سمعِهما سؤالُهُ و هو يتفحَّصُ الحديقةَ كضابطِ شرطة :

  • عندكم كلبٌ ؟
  • كلُّ كلابِ القريةِ كلابُنا !

أجابَ ظريف، فسعلَ الرَّجلُ كمَنْ غصَّ، فابتسمَ ظريفِ و تابعَ :

_ و كلُّ قِطَطَةِ القريةِ قطاطنا.

سعلَ أكثرَ، ورمى بقيةَ سيكارتِه ودعسَ عليها، وعلقَ:

  • بعضُ النّاسِ كالكلابِ و القِطَطَة، ليسَ غباءً أن يدخلَ المرءُ من أجلِ التَّخلصِ منهم سجناً.

شهقَتْ أمُّ ظريف و قد التقطَتْ أذناها كلمةَ " السّجنِ "، و همستْ في أُذنِ زوجِها :

  • هذا، و الله أعلم، المدعوّ " أبو بارودة " !

نظرَ زوجُها إليها مبتسماً، و ربَت كتفَها :

  • معجَبٌ بذكائِكِ أنا...

رفعَتْ رأسَها بفخرٍ، ثم قطبَتْ حينَ قالَ :

  • على كلِّ حالٍ، إن إعادتَهُ إلى السّجنِ لا تحتاجُ إلا إلى تلفون للشُّرطةِ عندَ أولِ رصاصةٍ يطلقُها على أولِ قطَّةٍ أو كلبٍ، و الأمرُ لا يحتاجُ إلى كثيرِ تخطيطٍ، فعقلُ الرَّجلِ مبرمَجٌ على المعاركِ، و سبّابَتُه إمَّا مرفوعةٌ تُهَدِّدُ أَمنَ القطَطَةِ و الكلابِ، أو هيَ على الزِّنادِ، و بارودتُه...

و قبل أن يكملَ جملَتَه، تناهى إلى سمعِهِما كلمةُ " بارودة "، فعادا و ألصقا أذنيهِما على الزُّجاجِ، فسمِعا :

  • أخذوا بارودَتي ! صادروها !

ضربَتْ أمُّ ظريف على صدرِها بغضبٍ، و خرجَتْ بسرعةٍ إلى حيث وقفَ " أبو بارودة " و ابنُها، و سمعَتْه يقولُ ساخراً :

  • الشّرطة في خدمةِ القِطَطَة !

و قبلَ أن تتفوهَ بحرفٍ، تأمَّلَها بنظرةٍ سريعةٍ لم تخلُ من القرفِ لمنظرِها المشعَّثِ، فبادلَتْه القرفَ بقرفٍ أكبرَ امتزجَ بما تسميهِ هي عادةً : الكُرهُ مِن النَّظرةِ الأُولى، فسُرَّ زوجُها اللَّاحقُ بها على عجَلٍ لكرهِها له، و تبادلَ نظراتٍ سعيدةٍ مع ابنِه اطمأنَّا من خلالها بأنها لن تدعوَهُ إلى شربِ الشَّايِ و لا القهوةِ، و أن مسرحيةَ " مستشفى المجانين " لن تتكررَ هُنا، و لكنْ هذا لا يمنعُ مِن تأجيجِ الكراهيةِ لتصلَ إلى أوجِها؛ لذا، فما إنْ سألَ " أبو بارودة " الزَّوجينِ سؤالَهُ الخطيرَ الَّذي لم يتوقعْه أحَدٌ من أفرادِ العائلةِ :

  • عندكم ورقُ لعب ؟

حتى أخذَ ظريف، بعدَ غمزةٍ من أبيه، ذراعَ الرَّجلِ و شدَّهُ خطواتٍ بعيداً عن أبويه :

  • عندَكَ خمُّ دجاجٍ ؟

أجابَ :

  • كانَ، قبلَ دخوليَ الأخيرِ السِّجنَ، و سأنشئُ واحداً جديداً غداً.

استغربَتْ أمّ ظريف كيفَ يجيبُ ابنُها على سؤالِ الرَّجلِ بسؤالٍ لا علاقةَ له به، لكنَّها و زوجَها كانا واثقيْنِ من ذكاءِ ابنِهِما و احتيالِه.

قال ظريف :

  • يا عيني عليك ! تعرفُ، إذن، متى ينامُ الدَّجاجُ.
  • نعم !
  • نحنُ ننامُ قبلَهُ بنصفِ ساعةٍ.

لمعَتْ عينا الأبِ، و كادَ يطلقُ ضحكةً رنَّانة، بينما اتسعَتِ ابتسامةُ الأمِّ إعجاباً، ثم تعلقَت عيونُ الثَّلاثةِ بشفتيّ " أبو بارودة " الَّذي تأوهَ بأسف :

  • أوه !

و تابع ظريف :

  • و لا يجيدُ أحدُنا لعبَ الورقِ.
  • أوه !
  • و لا طاولةَ الزَّهرِ !
  • أوه !
  • و لا نحبُّ القهوةَ و لا الشّايَ.
  • أوه !
  • و لا الأركيلة !
  • أوه !
  • و أمي فنّانةٌ، يعني رسَّامةٌ و...

و أضافَ أبوه :

  • و مصمِّمةُ أزياء...

فغمزَ ظريف أباهُ شاكراً الدَّعمَ اللُّوجِستيّ، بينما نفخَتْ أمُّ ظريف صدرَها لصفتيّ : فنَّانة و مُصممة أزياء اللَّتين تسمعهُما لأولِ مرةٍ، حتى كادَتْ تطيرُ في السَّماءِ بهجةً. و رغمَ أنّ " أبا بارودة " عادَ فألقى عليها بقرفٍ نظرةَ تأمُّلٍ سريعةً جديدةً، ثم أشاحَ نظرَهُ عنها، ليتأمَّلَ بسرعةٍ أيضاً زوجَها، مشفِقاً عليهِ لأنَّ امرأَةً كهذه يمكنُ أنْ تسمِّمَ حياةَ أيِّ رجلٍ، فأكملَ ابنُها :

  • يعني أنَّها ربةُ منزلٍ فاشلةٌ...

و هذه المرَّة، هي التي هتفَتْ :

  • أوه !

و كادَتْ تتشاجَرُ مع ابنِها و تهددُه بعدمِ تحضيرِ أكلٍ و كعكٍ و مربى بعد اليومِ إنْ لم يسارعْ فيشرحَ جملتَه لها و له :

  • يعني لا أطايبَ طعامٍ عندنا و لا مَن يحزنون.

و فهمَتِ الأُمُّ القصدَ المقصودَ من الإساءةِ إليها، فقبلَتْ على مَضَضٍ بالتضّحية بسمعتِها، خاصةً حينَ برمَ " أبو بارودة " شفتَهُ السُّفلى و قالَ بأسفِ كلِّ بخيلٍ :

_أووووووه !

(23)

نعم ! كانَ اليومَ الأولَ الذي يخرج فيه " أبو بارودة " من السّجنِ، و لفتَ نظَرَهُ بيتُ جيرانِهِ فأحبَّ أن يلقي نظرةً متفحصَةً على الأجواءِ حتى قبل دخولِهِ إلى بيتِه، فما نالَ إلا مجموعةً من ( الأوه ) !

و قبلَ أن يفقدَ الأملَ بإيجادِ سبيلٍ إلى هذه الأسرةِ، خرجَ من البيتِ نحوهم قطٌّ رماديٌّ وسيمٌ سمينٌ أرنبةُ أنفِهِ بنيَّةٌ، و له عينانِ خضراوانِ ساحرتانِ لم يرَ " أبو بارودة " أجملَ منهما رغم كرهِهِ القِطَطةَ، فشهقَ مستغرباً :

-شانشيلا ؟

فتأمَّلَهُ " أبو الشُّوشْ " بازدراءٍ، و ماءَ كمن يهدُدُهُ :

  • مياوووووو....

فقفزَ بخوفٍ، في الوقتِ الذي وقفَ القطُّ يحكُّ رأسَهُ بقدميّ " أبو ظريف " الذي قدَّمَه للجارِ :

  • إنه " أبو الشُّوشْ "...

و كادَ " أبو بارودة " يُصعَقُ :

  • تسمّونَ القِطَطَة ؟

و قبلَ أن يجيبَ أحدٌ، ركضَ ( كانوش ) بعوائِهِ المتتالي، فحملتْهُ الأمُّ، و قالتْ بتحدٍّ :

  • و الكلابَ أيضاً...إنه ( كانوش )، أهداني إياهُ " صديق " باريسيٌّ بيتُه مقابلَ برج إيفل...

و كرهَها أكثرَ من كرهِهِ السَّابِقِ بكثيرٍ، و خاصّةً عندما تأمَّلَ قدميها الحافيتين المشقَّقتي الكعبينِ، فرفعَ رأسَهُ ثم أخفضَهُ فقالَ ساخراً :

- برج إيفل... أوه !  

و خطرَ للجميعِ أن يتسلّوا بعدَ ثلاثةِ أشهرٍ لم يرَوا فيها أحداً غيرَ زملاءِ ظريف، فقالَ له ظريف و هو يضعُ ذراعَهُ وراءَ ظهرِه :

  • لا تسمحُ أمِّي أنْ يختلطَ " أبو الشُّوشْ " و " كانوش " برعاعِ القططَةِ و الكلابِ...

و لم يستطعِ الرَّجلُ أن ينظرَ إلى كعبيّ المرأةِ و لا إلى عينيها و لا حتى يسمعَ صوتَها، فركزَ على ما يقولُه ظريف الَّذي تابعَ :  

  • و هذا طبعاً لا يعني أننا لا نتعاطَفُ معَها أو لا نطعمُها، بل نقصدُ من وراءِ تركيبِ كاميرا الرَّصدِ التي وضعناها هناكَ إبعادَها فقط...

و أخذَ ذراعَهُ و سارَ بهِ خطواتٍ، ثم أشارَ إلى كرةٍ صغيرةٍ من الباطون على أحدِ الجدرانِ قربَ السّقف، و التفتَ إليه فجأةً:

  • رأيتَها ؟

حاولَ الرَّجلُ رؤيتَها و فشِلَ، تماماً كما لم يرَ الأبوانِ إلا كرةَ الإسمنتِ، فقال ظريف بأَسفٍ :

  • لو كانَت نظارتاكَ معكَ لرأيتَها.

سألَ " أبو بارودة " ظريفاً و هو ينزلُ ذراعَهُ عن كتفِهِ بحقدٍ :

  • كاميرا رصدٍ ؟
  • حديثةٌ، و ذاتُ دقَّةٍ عاليةٍ، تلتقطُ كلَّ التَّحركاتِ من أعلى الجبلِ إلى أسفلِ الوادي امتداداً إلى البحرِ و قاعِهِ، و تسجّلُها بالصَّوتِ و الصُّورةِ طوالَ أربعٍ و عشرينَ ساعةً لمدةِ سنتينِ بعدَها نغيِّر لها البطَّاريةَ...

و التفتَ إليه :

  • بطاريةٌ صغيرةٌ بخمسمائةِ ليرةٍ... عرفتَها ؟

قالَ الرَّجلُ و في عينيه مزيجٌ من الكراهية و الغلِّ :

  • نعم..

فتابعَ ظريف حديثَهُ غيرِ الجدِّيِّ بطريقةٍ جدّيَة :

  • فتعودَ إلى عملِها مثلَ الفلّةِ سنتينِ جديدتين... و هكذا....

و كادَ قلبُ الرَّجلِ يتوقفُ، و لم يستطعْ أنْ يكتمَ غضبَهُ. و بينما استطاعَ والدُ ظريف كتمَ ضحكتهِ، كانَتْ أمُّهُ تفكرُ أنها - فورَ ذهابِ " أبو بارودة " - يجبُ أنْ تتسلقَ السُّلّمَ لدهنِ كرةِ الإسمنتِ باللَّونِ الأسودِ و وضعِ نقطةٍ من الدِّهانِ الأبيضِ وسطَها ريثما يركِّبُ ابنُها مثلَ الكاميرا العجائبيّةِ التي يتحدثُ عنها.

قالَ منتفضاً و قد سحبَ ذراعَهُ من ذراعِ ظريف :

  • هذا تعدٍّ على حريةِ التَّحرُّكِ.

سأله والدُ ظريف :

  • أيُّ تحرُّكٍ ؟

قالَ بسرعةٍ :

  • تحرُّكِ القططةِ الشّاردةِ، أقصدُ الكلابَ الشّاردةَ.. أقصدُ.. برج إيفل..

سألَ الثلاثةُ معاً :

  • برج إيفل ؟

زفرَ حانقاً :

  • تحرُّكِ الصَّيدِ..

سأله ظريف :

  • أيُّ صيدٍ ؟

قالَ بسرعةٍ :

  • صيدُ الذِّئابِ...

و شرحَ بارتباكٍ :

  • ماذا لو هاجَمَنا ذئبٌ ؟ ممنوعٌ أن نصطادَهُ ؟

سأله الأبُ :

  • و هل عندكَ بارودةٌ لتصطادَهُ ؟

قالَ بسرعة :

  •  عندي وسائلُ أخرى...

سارعَتِ الأمُّ محكومَةً بالكرهِ من النَّظرةِ الأولى، و سألتْه :

  • مثل ماذا ؟

ابتعدَ عنها :

  • أنا لا أجيبُ إلا عن أسئلةِ رجالِ الشّرطة...

و لحقَت به :

  • ستجيبُ...

تراجعَ :

  • لن أجيبَ !

و هرولَ هارباً، و لحقَتْ به حافيةً :

  •   ستجيبُ...

و وصلَ إلى بيتِهِ، فأغلقَ بابَ الحديقَةِ بإحكامٍ، و فتحَ بابَ البيتِ، فانبعثَت من الدَّاخلِ رائحةُ عثٍّ قويةٍ جعلَتْ حتى الخفافيش و القنافذ تسعلُ و تعطسُ، و لم يخفَّ سعالُها و عطاسُها إلا حين صفقَ البابَ بعنفٍ و هو يقولُ بصوتٍ عالٍ :

  • مجانين !

و أتبعَ الكلمةَ ببصاقٍ على الأرضِ، ثم توجهَ إلى النَّافذةِ ففتحَها و خاطبَهم :

  • تبّاً لكم !

ثم أخرجَ من تحتِ فراشِ سريرِهِ بارودةً قديمةً غيرَ الَّتي صودرَت منه :

  • الكاميرا قبلَ القِطَطَةِ و الكلابِ، استهدافُها واجبٌ !

 

انتهت

الدَّامور: ‏السبت‏، 06‏ حزيران‏، 2015

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا