ربما لم تستمر عزيزة أمير أو بهيجة حافظ للكثير من الأسباب التي لا مجال لذكرها الآن، ولكن استمرت آسيا وماري كويني في العمل، لتستحقا لقب رائدتي السينما المصرية، من حيث المساحة الزمنية والإسهامات الفنية.
وُلدت الممثلة والمنتجة آسيا داغر في قرية تنورين بلبنان في 18 إبريل 1901، وبدأت حياتها ممثلة، وقدمت فيلما قصير بعنوان "تحت ظلال الأرز" في سنة 1922 في لبنان، وكانت مصر وقتها هي قبلة كل الفنانين، فهاجرت آسيا وشقيقتها ماري إلى مصر وبصحبتهن ابنة ماري "وعد"، والتي عُرفت فيما بعد باسم "ماري كويني".
شاركت آسيا في سنة 1927 في أول فيلم مصري صامت "ليلي"، وبالصدفة كان من إنتاج الفنانة عزيزة أمير، وفي نفس العام أسست آسيا شركة "لوتس فيلم" للإنتاج، وكانت من أول خمس شركات إنتاج سينمائي في العالم العربي، إذ عاصرها شركات إنتاج "إبراهيم وبدر لاما"، و"عزيزة أمير"، و"بهيجة حافظ"، إلا أن تلك الشركات لم تستطع الاستمرار، في حين استمرت "لوتس فيلم".
لم تكتفِ آسيا بكونها منتجة سينمائية فقط، بل عاودتها موهبتها القديمة، فقامت ببطولة عدد من الأفلام، بداية من فيلم "غادة الصحراء" في 1929 من إخراج وداد عرفي، والذي استقدمته آسيا من تركيا لإخراج هذا الفيلم وأدخلته الوسط الفني المصري، وبعدها تعاونت مع الفنان إبراهيم لاما، الذي أخرج لها فيلم "وخز الضمير" في 1931، ولكن كانت النقلة الحقيقية في حياتها كممثلة ومنتجة عندما التقت بالمخرج السينمائي والصحفي أحمد جلال، فكوّنت معه ثلاثيا فنيا، بالاشتراك مع ابنة شقيقتها ماري كويني، والتي تزوجت أحمد جلال فيما بعد.
وفي سنة 1935، وبعدما أثمر التعاون بينها وبين أحمد جلال عن فيلمي "عندما تحب المرأة"، و"عيون ساحرة"، قدمت آسيا أول فيلم تاريخي في حياة السينما المصرية، وهو فيلم "شجرة الدر"، من تأليف وإخراج أحمد جلال، ومن بطولتها مع عبدالرحمن رشدي وأحمد جلال.
واستمرت آسيا في مجالي الإنتاج والتمثيل حتى سنة 1947، عندما مثّلت فيلم "الهانم" مع المخرج هنري بركات، لتعتزل من بعدها التمثيل وتتفرغ للإنتاج، لتقدم أفلاما مهمة في تاريخ السينما المصرية قاربت على 70 فيلما، وإن كان البعض يعتقد باخطأ أنها توقفت عن الإنتاج بعد فيلمها "الناصر صلاح الدين"، الذي بلغت تكلف إنتاجه 200 ألف جنيه مصري - وهو رقم ضخم في وقتها- بل أنها منحت يوسف شاهين أعلى أجر يمكن أن يُعطى لمخرج وقتها، وكان 9 آلاف جنيه مصري، والحقيقة أن آسيا رغم خسارتها الفادحة في فيلم "الناصر صلاح الدين"، إلا أنها استمرت في الإنتاج وقدمت فيلم "اللقاء الثاني" للمخرج حسن الصيفي في سنة 1967، وفيلم "يوميات نائب في الأرياف" في 1969 للمخرج توفيق صالح، والذي يُنسب ظلما للمؤسسة المصرية العامة للسينما، في حين أن المؤسسة قامت بتوزيعه فقط وفقا لتترات الفيلم نفسه.
ذكرت في البداية أن ماري كويني هي ابنة شقيقة المنتجة الكبيرة آسيا داغر، والتي هاجرت معها إلى مصر في 1923، ومعها برزت مواهب ماري المتعددة، فكانت مؤلفة وممثلة ومونتيرة ومنتجة أيضا، وشكّلت مع آسيا وأحمد جلال ثلاثيا فنيا مهما في بدايات السينما المصرية، حتى استقلت ماري كويني وأحمد جلال وأسسا استديو جلال كشركة إنتاج بعيدا عن آسيا، ثم أسست شركة ماري كويني عقب وفاة أحمد جلال في سنة 1947.
بدأت ماري كويني علاقتها بالسينما في 1929، في فيلم "غادة الصحراء"، وهو من إخراج أحمد جلال ومن بطولة أسيا، إذ ظهرت في دور "بثينة"، كما قامت ماري كويني بعمل المونتاج للفيلم، وفي سنة 1931 قدمت أول وآخر تجربة كتابة سينمائية لها في فيلم "وخز الضمير".
قامت ماري كويني بمونتاج 6 أفلام هي: "غادة الصحراء"، و"وخز الضمير"، و"زوجة بالنيابة"، و"بنت الباشا المدير"، و"فتش عن المرأة"، و"فتاة متمردة". وقبل زاوج ماري كويني بأحمد جلال أشيع في الوسط أن هناك علاقة حب تربط بين جلال وآسيا، إلا أن زواجه من ماري وضع حدا لكل تلك الأقاويل، وانفصل "الثلاثي" على المستوى الفني حتى وفاة أحمد جلال في 1947، فاستقلت ماري كويني وأسست شركتها الخاصة.
وقدمت ماري كويني للسينما كمنتجة مستقلة عددا كبيرا من الأعمال، كان أولها "السجينة رقم 17" في سنة 1949، ومن بينها "مكتوب على الجبين" في سنة 1953، و"نساء بلا رجال" في العام نفسه، و"قلوب الناس" في سنة 1954، و"إسماعيل ياسين في جنينة الحيوانات" في سنة 1957، و"إجازة صيف" في 1966، "مذكرات الآنسة منال" في سنة 1971، و"بدور" في سنة 1974، وكان آخرها فيلم "أرزاق يا دنيا" في سنة 1982، كما استقدمت ماري كويني أول معمل للأفلام الملونة في العالم العربي والشرق الأوسط عام 1957.
Please enable JavaScript to view the comments powered by Disqus. comments powered by