قصة: علياء الداية
حلقات القصة مستوحاة من لوحات الفنان "كريستيان شلو".
Christian Schloe : Stolen Time, Tree Time, Leaving Wonderland.
الحلقة الأولى: الغراب يسرق أسيل مع ساعة المدينة
في الصباح الباكر، كان صوت غريب قادماً من الشرفة، وحين نظرت أسيل عبر النافذة، وجدت الغراب الأسود ينكش بمنقاره نباتات الصبار.
ـ ماذا تفعل أيها الغراب، ما هو الشيء الجميل الذي تجده في نباتات الصبار؟
ـ هذه الورقة اللامعة.
وتلحظ أسيل جزءاً من كيس بطاطا (شيبس)، وكم أنه لامع بالفعل يبهر النظر.
ـ أنت تحب الأشياء اللامعة. قرأت في طفولتي قصة عن غراب سرق خاتماً ثميناً من داخل أحد المنازل حين كان باب الشرفة مفتوحاً و...
ولكن الغراب كان قد طار وهو يبتسم ساخراً، فأي غراب هذا سيستمع إلى حكايات أسيل وعالم البشر!
نسيت أسيل الغراب بعد دقائق، وانصرفت لتقضي يوماً آخر مملاً من أيام العطلة الصيفية التي لم تكن مبهجة هذا العام بسبب الحرب التي عمّت المدينة.
فكّرت أسيل في طريقة لتوقف بها الحرب والدخان والحزن، وأثناء تصفحها لشبكة الإنترنت عثرت على موضوع غريب عن ساعة سحرية، كان الأمر الجيد أن الساعة موجودة في مدينة أسيل.
جمعت أسيل أصدقاءها، وحاول كل منهم أن يتذكر ساعة سحرية حدثه عنها جده أو جدته ذات يوم، ولكنها لم تكن شبيهة بالساعة التي رأوا صورتها في الإنترنت. وأخيراً تذكروا تلك الساعة المعلقة في بهو المدرسة.
ـ تلك ساعة قديمة حقاً.
ـ أظن أنها حقيقية، وستفي بالمطلوب.
ـ هيا بنا.
بعد أن استلم الأصدقاء جلاءاتهم المدرسية وعرفوا نتائجهم، تمكنوا من مغافلة الحارس والحصول على الساعة، حملوها بعناية ووضعوها في ظرف كبير.
ـ بقي أن نفكر كيف سنرسلها إلى أرض العجائب؟
ـ بالبريد.
ـ البريد متوقف في الحرب.
ـ وماذا سنكتب على الظرف؟ أرض العجائب! لن تصل بهذه الطريقة.
فكرت أسيل ثم قالت:
ـ سنستعين بالغراب. إنه يحب الأشياء اللامعة. سأضع الساعة على الشرفة، وعندما تنعكس عليها أشعة شمس الصباح، سيأتي الغراب ويأخذها بعيداً.
ـ الأفضل أن تربطي حولها وشاحاً لامعاً، سيكون أكثر جذباً.
ـ ولكننا لم نفكر، ماذا سنفعل حين يسرقها الغراب؟
كان الأصدقاء على حق في تفكيرهم، فهذه الساعة ما إن تصل إلى أرض العجائب حتى يتوقف الزمن في المدينة، ستتوقف الحرب، ولكن كل شيء سيتجمد في مكانه.
ـ لا بأس، سنجرب.
خرجت أسيل في الصباح إلى الشرفة، وأسندت الساعة إلى حافة الشرفة، وأخذت تعقد حولها الوشاح الفضي اللامع، ولكن، قبل أن تنهي عملها، كان الغراب الأسود قد جاء مسرعاً، قبض بمخلبه على الوشاح، والساعة، وأسيل.
ـ انتظر أيها الغراب، عد بي إلى الشرفة، أنا باقية هنا!
ولكن الغراب كان قد طار، وأخذ يكمل طيرانه في طريقه إلى أرض العجائب، هو يمضي قدماً، وأسيل تقبض بقوة على الساعة السحرية، وتنظر إلى المدينة التي أخذت تغيب بين الغيوم البيضاء وبريق النجوم.

Christian Schloe : Stolen Time
الحلقة الثانية: أسيل والإبريق العجيب
بعد مرور عام على اختفاء أسيل مع الساعة السحرية التي اختطفها الغراب، عادت أسيل بالساعة السحرية من بلاد العجائب إلى مدينتها. كانت المدينة قد تجمدت بالفعل، ولكنها عادت إلى الحياة ما إن وضعت أسيل الساعة في مكانها داخل بهو المدرسة.
كان الناس قد نسوا الحرب، واندهشوا من حال الركود الذي يعمّ المكان، وشرعوا في إعادة الحياة إلى مدينتهم.
وقررت أسيل الذهاب لزيارة أقربائها في الريف. كانت بحوزتها هدية قدمها لها سكان أرض العجائب، إبريق عجيب ليس له غطاء، تنمو منه شجرة جميلة.
حين حطّت الطيور الجميلة على أغصان الشجرة، ظنت أسيل أن مدينتها تحتوي على العديد من هذه الطيور. ولكن في الريف أدركت أسيل ما يحصل. لم يكن الإبريق عجيباً بسبب افتقاده الغطاء، بل لأن الشجرة التي فيه تجذب الطيور والنحل والفراشات في النهار، والحشرات المضيئة في الليل. كانت أسيل سعيدة بهذا الإبريق، ولكن بدأ أهالي القرية يشعرون بالضيق، ويشكون أمرهم لسائق الشاحنة، وللصياد الذي كثيراً ما يغادر القرية إلى البحر، وهو يعرف العديد من الخفايا.
ـ الطيور المغردة تتركنا وتذهب إلى شجرة الإبريق.
وكان الأولاد منزعجين أيضاً:
ـ لا نستطيع الركض وراء الفراشات واصطيادها، إنها تحتمي بشجرة الإبريق.
وكذلك كان مربو النحل:
ـ النحل قليل في القرية، ومع ذلك فهو منجذب إلى الإبريق وشجرته الغريبة.
قررت أسيل التضحية بالإبريق، فسمحت لسائق الشاحنة بأخذه بعيداً. ولكن في صباح اليوم التالي كان الإبريق العجيب قد عاد إلى جانب أسيل من جديد.
وفي المرة الثانية عقدوا حوله وشاحاً ذهبياً لعلّ الغراب يأتي ويأخذه، لكن الغراب لم يأت.
لذلك أخذ الصياد الإبريق العجيب ورماه في عرض البحر، ثم عاد بزورقه من حيث أتى.
وجد الإبريق العجيب نفسه وحيداً في البحر يشارف على الغرق، وهو لا يستطيع أن يجذب الأسماك الملونة ويخشى على نفسه من سمك القرش، لذلك فقد جذب أسيل عبر كل تلك المسافة البعيدة من القرية إلى البحر. أخذ الإبريق العجيب يغوص أكثر فأكثر في قاع البحر، وأسيل تكاد تغرق وهي تفقد أنفاسها وترى كل شيء من حولها أزرق ثم أبيض ثم أسود حالكاً، إلى أن دخل الإبريق في نفق يؤدي من جديد إلى أرض العجائب.

Christian Schloe : Tree Time
الحلقة الثالثة: عودة الفراشات الملونة
عاشت أسيل بسعادة في أرض العجائب مع سكانها الطيبين، وكادت تنسى المدينة والقرية لولا الزوار الجدد الذين جاؤوا إلى أرض العجائب. كانوا مجموعة من الفراشات الملونة الجميلة دائمة الحركة والنشاط. وعلمت أسيل أن هذه الفراشات جاءت هاربة.
ـ هؤلاء البشر لا يستحقون الأحلام الملونة، إنهم يطاردوننا ويصطادوننا.
ـ ما علاقتكم بالأحلام؟
ـ نحن فراشات سحرية تمنح الألوان للأحلام.
وتذكرت أسيل مفعول الساعة السحرية، والإبريق العجيب، لذا لم تستغرب كثيراً أن تكون هناك فراشات تلون الأحلام.
ـ ولكن تخيلي أيتها الفراشات أن يرى أصدقائي أحلامهم بلا ألوان!
ـ بعض البشر يرون أحلامهم أبيض وأسود، مثل شاشات التلفزيون القديمة.
وبعد بضعة أشهر تساءلت أسيل عما يكون عليه حال أهلها وأصدقائها، فذهبت مع الفراشات إلى مركز تلفزيون أرض العجائب.
كان المكان واسعاً فيه شاشة كبيرة تشبه السينما، وهناك شاهدت أسيل لقطات كأنها لقاء صحفي مع سكان المدينة والقرية.
ـ لقد اختفت أحلامي نهائياً، أصحو كأنني لم أنم.
ـ اختفت الألوان تدريجياً من أحلامي، اللون الأزرق أولاً، ثم الأحمر، ثم الأصفر، ثم اختفت كل الألوان، أخشى أن يختفي الأبيض والأسود كذلك!
ـ يقال إن هنالك مصنعاً للأحلام جرى تفكيكه وإخفاؤه.
ـ مصنع الأحلام محض إشاعة.
ـ أنا أشاهد أحلامي منذ زمن طويل بالأبيض والأسود، لم يتغير شيء بالنسبة إليّ، أنا سعيد.
ـ ألا يوجد تاجر يستطيع شراء الألوان أو استيرادها وضخّها في الأحلام؟
ـ استيراد وشراء؟ نحن سنصاب بالهلاوس!
ـ أنا أرى الأحلام على شكل مقاطع غير متحركة، غياب الألوان سيجعلها أكثر جموداً.
ـ لحسن الحظ لم تختفِ الروائح والطعوم والأصوات من الأحلام.
شعرت أسيل بالدوار من متابعة هذه التغطية الصحفية، وشعرت بالدوار أكثر وهي تتخيل نفسها في مكان لا أحلام ملونة فيه.
ـ ما رأيك أن تعودي أيتها الفراشات إلى هناك؟
ـ نعود؟ ﻻ، نحن سعداء هنا.
ـ الناس في أرض العجائب لا يحتاجون إلى أحلام، حياتهم حلم كبير، ليسوا بشراً.
ـ ولكنك تعيشين معهم.
ـ يجب أن أعود أنا أيضاً، سنرجع معاً وسنحكي قصتنا للناس.
ـ ولكننا نخشى ذلك، الناس يقتلون أحلامهم في اليوم التالي وسنفقد ألواننا.
ـ سنفكر بالحل في طريق العودة.
ارتدت أسيل فستانها الأزرق، وتشبثت بخيوط متدلية من الفراشات، وطارت الفراشات الملونة في السماء بعيداً حتى وصلت إلى القمر. كان القمر ليلتها هلالاً سعيداً قبِل أن يستضيف الفراشات لتقيم على سطحه في النهار، وتهبط إلى الأرض في الليل لتوزع الألوان على أحلام البشر. استمرت أسيل في الهبوط وعادت ومعها ثلاث حكايات عن الغراب والإبريق والفراشات، وكانت في الليالي الحالكة الخالية من الأحلام والألوان تنظر إلى القمر البعيد وتبحث عن سرب فراشات ملونة زارت أرض العجائب ذات يوم.

Christian Schloe : Leaving Wonderland